دلت هذه القاعدة العظيمة على فوائد عديدة استنبطها أهل العلم -﵏- من منطوق القاعدة أو مفهومها، واستعملوها في مجالات شتى، وفيما يلي أذكر ما وقفت عليه من فوائد وتطبيقات لهذه القاعدة:
أولًا: من أعظم فوائد القاعدة أنها دلت على مكانة التوحيد العظيمة، وأنه أعظم أركان الدين، وأهم مهماته، وأكبر أسسه وقواعده، ولهذا كان شعار جميع الأنبياء في دعوتهم لأقوامهم، وكل ما مرَّ من نصوص، وأدلة، وأقوال للعلماء متضمن لأعظم الدلالة على أهمية هذا التوحيد ومكانته عند اللَّه تعالى، ولولا ذلك لما بعث به جميع أنبيائه، وجعله مفتاح دعوة كل الرسل.
وبهذا يعلم الخلل الكبير الواقع في كثير من الجهات والأنشطة التي تتبنى أمر الدعوة إلى اللَّه تعالى، وتوجيه الناس، حيث لم توفق لسلوك
_________________
(١) معارج القبول (٢/ ٦٧٧).
[ ١ / ٩٠ ]
طريق الأنبياء، فأهملت هذا الجانب العظيم، فلم تأمر بالتوحيد ولم تنه عن الشرك، ثم هم بعد ذلك ضروب وأصناف؛ فمنهم من انشغل بالسياسة والجري وراء المناصب، ومنهم من صار جلَّ اهتمامه، الانشغال عن التوحيد بشيء من فروع الإسلام، ومنهم من يدعو إلى نفسه أو شيخه وحزبه وجماعته، وغير هؤلاء كثير، فمن جعل أنبياءه ورسله قدوة له فليكن أول ما يدعو إليه الناس هو توحيد اللَّه تعالى وإفراده سبحانه بالعبادة، والتحذير من الشرك صغيره وكبيره.
ثانيًا: أن دين الأنبياء جميعًا دين واحد، وذلك لأن إلههم ومعبودهم واحد أحد، فرد صمد، فوحدة الدين تابعة لوحدة المعبود، إذ لو كان هناك إلهان لكان هناك حتمًا ولا بد دينان، ولذهب كل إله بدينه وعابديه.
يقول الإمام ابن تيمية -﵀- في تفسير سورة الإخلاص: "فدين اللَّه واحد لا تفرق فيه، والصمد يناسب اجتماعه، فاللّه -﷾- هو الإله الواحد، ودينه واحد، وعباده المؤمنون مجتمعون يعتصمون بحبله غير متفرقين، واسمه الأحد يقتضي التوحيد والصمد يقتضي الاجتماع وعدم التفرق؛ فإن الصمد فيه معنى الاجتماع وعدم التفريق، والتوحيد أبدًا قرين الاجتماع؛ لأن الاجتماع فيه الوحدة والتفرق لا بد فيه من التثنية والتعدد كما أن الإشراك مقرون بالتفرق" (^١).
ويقول الإمام ابن القيم: "والمقصود أن الطريق إلى اللَّه واحد، فإنَّه الحق المبين، والحق واحد مرجعه إلى واحد، وأما الباطل والضلال فلا ينحصر بل كل ما سواه باطل، وكل طريق إلى الباطل فهو باطل، فالباطل متعدد وطرقه متعددة ، ومن هنا يعلم تنوع الشرائع واختلافها مع رجوعها كلها إلى دين واحد مع وحدة المعبود ودينه" (^٢).
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٣١٠).
(٢) طريق الهجرتين (ص ٢٧٨ - ٢٧٩).
[ ١ / ٩١ ]
ثالثًا: جاء عن بعض أهل العلم -﵏- القول بعدم جواز إطلاق لفظ (الدين) على غير دين المسلمين، وأنه خاص بدين الإسلام، ولا يطلق على بقية الملل؛ من يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو غيرها - من ملل الكفر، وأنه تعبير شرعي خاص بدين الإسلام مستدلين بمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾.
يقول الشيخ محمود شاكر (^١): "فصار بينًا بعد هذا أن اللَّه سبحانه لا يرضى لنا أن نسمي شيئًا من الملل؛ من نصرانية ويهودية وغيرهما دينًا سوى ملة أبينا إبراهيم -﵇-، وملة أنبيائه جميعًا وهي (الإسلام) (دين اللَّه) الذي لا يقبل من عباده دينًا سواه، والذي أرسل به رسوله محمدًا -ﷺ- ليبطل الملل كلها ولا يكون شيء منها يسمى دينًا سوى الإسلام. وإذًا فقول المسلم مثلًا: الأديان السماوية قول مخالف لعقيدة أهل الإسلام في حقيقة هذه الملل" (^٢).
ولكن في هذا نظر سيأتي بيانه، وقبل ذلك ينبغي أن يعلم أن الدين دينان لا ثالث لهما؛ دين الإسلام ودين الشرك والكفر، فجميع الملل
_________________
(١) هو: محمود بن محمد شاكر، أديب لغوي محقق باحث، ولد بمدينة الإسكندرية سنة ١٣٢٧ هـ، حصل على شهادة الثانوية العامة، وسافر إلى الحجاز، فأنشأ مدرسة جدة الابتدائية، وكان مديرها، وعاد إلى مصر فأنشأ جمعية الشبان المسلمين، وسجن أيام عبد الناصر وانتخب عضوًا في مجمع اللغة العربية، وحصل على جائزة الملك فيصل العالمية، من مؤلفاته: القوس العذراء، ومع المتنبي، وأباطيل وأسمار، وحقق تفسير الطبري ونظم أشعارًا وكتب مقالات كثيرة في الدوريات المصرية والعربية، توفي سنة ١٤١٨ هـ. [ترجمته في: إتمام الأعلام (ص ٢٨٢)، ومن أعلام العصر (ص ٧٣) فما بعدها].
(٢) أباطيل وأسمار (ص ٤٤٠)، والتعبير بـ "الأديان السماوية". تعبير باطل -كما بينه الشيخ- إذ المفهوم منه أن هذه الأديان لا زالت لها علاقة بالوحي السماوي، وهذا غير صحيح وهي خلاف دين الإسلام، إذ غالب ما فيها إما منسوخ أو محرف، وما فيه من أمور موافقة لشريعة الإسلام، فهي من دين الإسلام الذي جاء به نبينا محمد -ﷺ-.
[ ١ / ٩٢ ]
والنحل والأديان -سوى دين الإسلام- يجمعها دين الشرك والكفر، ولذا
قيَّد اللَّه الدين في مواضع من كتابه بقوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] وقوله: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾ [النصر: ٢] كما أضافه في مواضع إلى وصف يخصصه عن غيره بقوله: ﴿دِينَ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٢٩]، و﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، و﴿الدِّينُ القَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦] و﴿دِينَا قِيَمًا﴾ [الأنعام: ١٦١] إلى غير ذلك من الأوصاف التي تدل على أن هناك دينًا آخر لا ينسب للّه تعالى، ولا يتصف بهذه الأوصاف، وهو دين الشرك وملة الكفر.
كما أن اللَّه تعالى وصف ملل الكفر بأنها دين؛ فقال -﷿-: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ٦]، وقال في أهل الكتاب: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧]، وقال في شأن فرعون: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر: ٢٦]، وقال عن اليهود: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٤]، وذمَّ أهل التفرق في الدين بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] (^١).
فدين الإسلام يقابله ويضاده دين الشرك والكفر الذي انتظم جميع أهل الملل والنحل المخالفة له، ولذا عبَّر جمع من العلماء بأن الكفر ملة واحدة.
يقول الإمام الشافعي (^٢) في مسألة توريث أهل الكتاب بعضهم من بعض: "ونجعل الكفر ملة واحدة كما جعلنا الإسلام ملة؛ لأن الأصل
_________________
(١) انظره بتصرف في: الدعوة إلى تقريب الأديان (١/ ٣٠).
(٢) هو: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع المطلبي القرشي، إمام جليل صاحب مذهب معروف، ومناقبه كثيرة، من مؤلفاته: الأم، واختلاف الحديث، والرسالة في أصول الفقه، توفي سنة ٢٠٤ هـ. [انظر ترجمته في: الديباج المذهب (ص ٢٢٧)، وما بعدها].
[ ١ / ٩٣ ]
إنما هو إيمان أو كفر" (^١).
ويقول الإمام أبو بكر الجصاص (^٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ٦]: "فإنها دلت على أن الكفر كله ملة واحدة؛ لأن من لم يسلم منهم مع اختلاف مذاهبهم مرادون بالآية، ثم جعل دينهم دينًا واحدًا، ودين الإسلام دينًا واحدًا، فدل على أن الكفر مع اختلاف مذاهبه ملة واحدة" (^٣).
ويقول ابن كثير في آية الكافرون: "وقد استدل الإمام أبو عبد اللَّه الشافعي وغيره بهذه الآية الكريمة: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ على أن الكفر كله ملة واحدة ؛ لأن الأديان ما عدا الإسلام كلها كالشيء الواحد في البطلان" (^٤).
وقال ﵀ في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]: "وقد استدل كثير من الفقهاء بقوله: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾؛ حيث أفرد الملة: على أن الكفر كله ملة واحدة" (^٥).
وعليه فكل الملل والنحل تضمنت الوصف بالدينونة بأحد اعتبارين:
الأول: باعتبار أن دينهم هو الشرك والكفر، المقابل لدين الإسلام، فليس هناك إلا دينان دين الإسلام ودين الكفر.
_________________
(١) الأم (٧/ ١٢٧).
(٢) هو: أحمد بن علي أبو بكر الرازي الإمام الكبير المعروف بالجصاص، وهو لقب له، مولده سنة ٣٠٥ هـ، سكن بغداد، وعنه أخذ فقهاؤها، كان إمام أصحاب أبي حنيفة في وقته، وكان مشهورًا بالزهد، تفقه علي الكرخي، استقر التدريس ببغداد له، وله في المصنفات: أحكام القرآن، وشرح مختصر الكرخي، وشرح مختصر الطحاوي، وله كتاب مفيد في أصول الفقه، توفي سنة ٣٧٠ هـ. [انظر ترجمته في: طبقات الحنفية (١/ ٨٤)].
(٣) أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٣٧٦).
(٤) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٦٢).
(٥) المصدر نفسه (١/ ١٦٤).
[ ١ / ٩٤ ]
الثاني: باعتبار المعنى اللغوي (^١) الذي يحمل معنى العادة، والاعتقاد ومطلق الطاعة والانقياد، لكن يقيد في هذه الحالة فيقال: (دين النصرانية)، أو (دين اليهودية).
يقول الرازي (^٢): "الدين المطلق في اصطلاح أهل الإسلام والقرآن هو الإسلام، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ أما سائر المذاهب فلا تسمى دينًا إلا بضرب من التقييد، كدين النصارى واليهود" (^٣).
وبذلك يظهر جواز إطلاق لفظ الدين بما سبق من ضوابط، وهو في ذلك يشبه إطلاق لفظ الإله والآلهة على ما يعبد من دون اللَّه تعالى، مع أن اللَّه هو الإله الواحد الحق المبين؛ وذلك باعتبار تأليههم لها (^٤).
وقاعدة: دين الأنبياء واحد هو دين الإسلام أفادت بمفهوم المخالفة أن ما يقابل دين الأنبياء من المذاهب والنحل والعقائد والملل، التي واجهت بها تلك الأمم أنبياءها، وحاربتهم بها على مرّ تلك العصور والأزمان تمثل دينًا واحدًا كذلك؛ هو دين الشرك وملة الكفر وعبادة غير اللَّه ﵎، فجميع ملل الكفر، على اختلاف أنواعها، وتباين ضلالها وتعدد مسمياتها يجمعها دين واحد هو دين الكفر والشرك باللّه
_________________
(١) ذكر الباقلاني في كتابه "تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل" (ص ٣٨٧): "من ذلك قوله: (إنَّ الدّينَ عِنْدَ اللّهِ الْإِسْلام) يريد دين الحق، لا على أن اليهودية لا تسمى دينًا في اللغة وغيرها من الأديان".
(٢) هو: محمد بن عمر بن الحسين بن علي التميمي البكري الطربستاني الرازي المعروف (بابن الخطيب) ولد بالري سنة ٥٤٤ هـ، وتفقه على والده، ضياء الدين عمر، المفسر المتكلم صاحب التصانيف الكثيرة منها: مفاتيح الغيب المعروف بـ (التفسير الكبير) والمحصول في الأصول توفي سنة ٦٠٦ هـ. [انظر ترجمته في: طبقات الشافعية للسبكي (٥/ ٣٣)، وطبقات المفسرين للداودي (ص ٢١٣)].
(٣) التفسير الكبير للرازي (٣٢/ ١٠٥).
(٤) انظر: دعوة التقريب بين الأديان، دراسة نقدية في ضوء العقيدة الإسلامية (١/ ٣٠).
[ ١ / ٩٥ ]
﵎، وإن اختلفت الشرائع وتباينت المناهج وتعددت المشارب.
رابعًا: استدل بهذه القاعدة الشرعية العظيمة قوم ممن لا خلاق لهم على دعوة باطلة خاطئة آثمة، ألا وهي الدعوة لـ (وحدة الأديان السماوية)، أو ما يسميه البعض بـ (دعوة التقريب بين الأديان) زعموا، وما هذه إلا شعارات جوفاء، أرادوا بها تلميع باطلهم، وترويجه على العامة، وإلا فحقيقة أمرهم شقاق ونفاق ودعوة جاهلية، وردة ظاهرة لا مرية فيها، ونقض لأصول الإسلام العظام، وثوابته اليقينية، وتمييع لأسسه ومرتكزاته، فلا ولاء ولا براء، ولا جهاد، ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، فالجميع إخوان يجمعهم رب واحد، وأديانهم متساوية لا فضل لدين على دين، وهؤلاء الدعاة لمثل هذا الكفر البواح، والردة الصريحة ممن تحقق فيهم وصف النَّبِيّ -ﷺ- في الحديث بأنهم: "دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوها فيها" (^١).
فحقيقة هذه الدعوة أن كل الأديان، من يهودية ونصرانية هم من أهل السعادة والنجاة في الآخرة كالمسلمين لكن بشرط إيمانهم باللّه وباليوم الآخر، ولا يشترط في سعادتهم وفلاحهم في الآخرة إيمانهم بالنبي محمد -ﷺ-.
ومن هذا المنطلق استدلوا بهذا الأصل الذي تضمن وحدة دين جميع الأنبياء، قاصدين افتراء وتلبيسًا بأن أهل الكتاب وجميع من آمن باللّه وباليوم الآخر يشملهم الإسلام بمعناه العام، والملة المشتركة، وفيما يأتي أذكر ما يدل على نقض هذه الشبهة المتهالكة.
أ - علمنا مما سبق أن الدين المشترك هو الإسلام العام، وهو
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن، باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة (٦/ ٢٥٩٥)، برقم (٦٦٧٣)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين (٣/ ١٤٤٧٥)، برقم (١٨٤٧)، من حديث حذيفة بن اليمان -﵁-.
[ ١ / ٩٦ ]
الاستسلام للّه بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، وطاعة كل نبي في وقته هي دين الإسلام الذي ارتضاه اللَّه تعالى، وأمر عباده به، فدين الإسلام في عهد موسى هو الاستسلام للّه بالتوحيد، والانقياد له بطاعة نبيه موسى -﵇-، فإذا جاء عيسى -﵇- كان دين الإسلام الاستسلام للّه، والانقياد له بطاعة نبيه عيسى -﵇- وهكذا، فإذا بعث خاتم النبيين وإمام المرسلين محمد بن عبد اللَّه - ﵇ -، كان دين الإسلام هو الاستسلام للّه بالتوحيد، والانقياد له بطاعة نبيه محمد - ﷺ -، وعندئذٍ فلا تكون طاعة موسى ولا عيسى ولا أحد من الأنبياء من دين الإسلام بعد بعثة خاتم الرسل محمد - ﷺ -.
يقول الإمام ابن تيمية: "وكذلك شريعة التوراة في وقتها كانت من دين الإسلام، وشريعة الإنجيل في وقتها كانت من دين الإسلام، ومن آمن بالتوراة ثم كذب بالإنجيل خرج من دين الإسلام، وكان كافرًا، وكذلك من آمن بالكتابين المتقدمين وكذب بالقرآن كان كافرًا خارجًا من دين الإسلام، فإن دين الإسلام يتضمن الإيمان بجميع الكتب وجميع الرسل" (^١).
فأصبح (الإسلام)، و(دين الإسلام)، منذ بعثة النَّبِيّ محمد وإلى أن يرث اللَّه الأرض ومن عليها اسمًا خاصًا بمن آمن بالنبي الكريم، واتبعه، وصدقه في جميع أقواله وأخباره، وكل من خالفه فلم يؤمن به ولا اتبعه كان كافرًا خارجًا عن دين الإسلام.
يقول الإمام ابن تيمية: "فإن الإسلام الخاص الذي بعث اللَّه به محمدًا -ﷺ- المتضمن لشريعة القرآن ليس عليه إلا أمة محمد -ﷺ - والإسلام اليوم عند الإطلاق يتناول هذا، وأما الإسلام العام المتناول لكل شريعة بعث اللَّه بها نبيًا فإنَّه يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء" (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٧/ ١٥٠).
(٢) المصدر نفسه (٣/ ٩٤).
[ ١ / ٩٧ ]
ويقول -﵀-: "وكان استقبال الشام ذلك الوقت من دين الإسلام ثم لما نسخ صار دين الإسلام هو الناسخ، وهو الصلاة إلى الكعبة، فمن تمسك بالمنسوخ دون الناسخ فليس هو على دين الإسلام، ولا هو متبع لأحد من الأنبياء، ومن بدل شرع الأنبياء وابتدع شرعًا فشرعه باطل لا يجوز اتباعه، كما قال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] م ولهذا كفر اليهود والنصارى؛ لأنهم تمسكوا بشرع مبدل منسوخ، واللّه أوجب على جميع الخلق أن يؤمنوا بجميع كتبه ورسله، ومحمد خاتم الرسل، فعلى جميع الخلق اتباعه واتباع ما شرعه من الدين " (^١).
ب - على التسليم بأن دينهم الإسلام العام، فهل بقوا أو استمروا على هذا الوصف، أم أنهم خرجوا عنه، وحرفوه وبدلوه، وابتدعوا دينًا لم يأذن به اللَّه كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١].
يقول الإمام ابن تيمية: "فابتدعت اليهود والنصارى ما ابتدعوه مما خرج بهم عن دين اللَّه الذي أمروا به وهو الإسلامِ العام، ولهذا أمرنا أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦، ٧] وكل من هاتين الأمتين خرجت عن الإسلام، وغلب عليها أحد ضديه، فاليهود يغلب عليهم الكبر ويقل فيهم الشرك، والنصارى يغلب عليهم الشرك ويقل فيهم الكبر" (^٢).
وبهذا يعلم أن اليهود والنصارى وغيرهم من الملل والأديان ليسوا على شيء من الإسلام أصلًا، بل هم على دين الكفر والشرك، وعليه
_________________
(١) المصدر نفسه (٣٥/ ٣٦٥).
(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٢٤).
[ ١ / ٩٨ ]
(فكل ما جاء في القرآن من الثناء على مؤمني الأديان السابقة، اليهود والنصارى وغيرهم، فإنما يراد به من اتصف بوصف الإسلام العام وربما أضيف إلى ذلك وصف الإيمان باليوم الآخر، ووصف العمل الصالح، ممن لم يدرك رسالة نبينا محمد - ﷺ - أو أدركها وآمن به، وكل ما جاء من الذم والوعيد في شأن اليهود والنصارى، فالمراد به من خالف ذلك وحرَّف وابتدع) (^١).
خامسًا: دلت القاعدة على وحدة دين جميع الأنبياء والرسل، ولذا من آمن برسول منهم لزمه الإيمان بجميع الرسل، ومن كذب بواحد منهم لزمه تكذيب بقية الرسل؛ لأن أصل وقاعدة دعوتهم واحدة.
يقول الشيخ الأمين الشنقيطي (^٢) باسطًا القول في تقرير ذلك:
"التحقيق في الجواب: أن من كذب رسولًا واحدًا فقد كذب جميع المرسلين، ومن كذب نذيرًا واحدًا فقد كذب جميع النذر؛ لأن أصل دعوة جميع الرسل واحدة، وهي مضمون: لا إله إلا اللَّه كما أوضحه تعالى بقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزخرف: ٤٥] ".
وأوضح تعالى أن من كذب بعضهم فقد كذب جميعهم في قوله
_________________
(١) انظر: دعوة التقريب بين الأديان (٢/ ٦٤٢ - ٦٤٣).
(٢) هو: محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر بن محمد بن أحمد بن نوح الجكني الشنقيطي الفقيه الأصولي، المفسر، السلفي. من مصنفاته: أضواء البيان، ومنع جواز المجاز، ودفع إيهام الاضطراب والمذكرة. توفي -﵀- سنة ١٣٩٣ هـ. [انظر ترجمته في: ترجمة ملحقة بأضواء البيان (١٠/ ١٨)، للشيخ عطية محمد سالم، والأعلام للزركلي (٦/ ٤٥)].
[ ١ / ٩٩ ]
تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١] وأشار إلى ذلك في قوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقد أوضح تعالى في سورة الشعراء أن تكذيب رسول واحد تكذيب لجميع الرسل، وذلك في قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾، ثم بيَّن أن تكذيبهم للمرسلين إنما وقع بتكذيبهم نوحًا وحده، حيث ردَّ ذلك بقوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦)﴾ [الشعراء: ١٠٥، ١٠٦] " (^١).
_________________
(١) أضواء البيان (٧/ ٤٨٤)، مع التصرف، وانظر: (٢/ ٢٨٩ - ٢٩٠).
[ ١ / ١٠٠ ]