لقد تضافرت أقوال العلماء -﵏- على تأييد هذه القاعدة واعتمادها والاستدلال بها، وبيان أنها من الأصول الاعتقادية العظيمة لهذا الدين، وفيما يلي أنقل بعض هذه الأقوال التي قررت معنى القاعدة؛ إذ حصر أقوالهم في ذلك وتتبعها مما يصعب جدًا، فمن تلك الأقوال ما يلي:
جاء عن مجاهد (^٢) في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] يقول: "أوصاك به يا محمد وأنبياءه كلهم بالإسلام دينًا واحدًا" (^٣).
_________________
(١) فتح الباري (٦/ ٤٨٩).
(٢) هو: الإمام مجاهد بن جبر المكي، أبو الحجاج، شيخ القراء والمفسرين، روى عن ابن عباس فأكثر من الرواية عنه، وعنه أخذ القرآن، والتفسير، والفقه، وروى عن جمع من الصحابة. قيل: كانت سنة وفاته ١٠٤ هـ، وقيل: غير ذلك، وكان عمره ٨٣ سنة. [انظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٤٩)، والتاريخ الكبير (٧/ ٤١١)].
(٣) تفسير مجاهد (٢/ ٥٧٤)، جامع البيان (٢٥/ ١٥).
[ ١ / ٨٧ ]
ويقول الإمام الطحاوي (^١): "ودين اللَّه في الأرض والسماء واحد وهو دين الإسلام، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] " (^٢).
ويقول الإمام ابن رجب -﵀-: "ومعنى ذلك: أن دين الأنبياء كلهم دين وحد وهو الإسلام العام" (^٣).
وقال الإمام ابن تيمية -﵀-: "فدين الأنبياء واحد وهو دين الإسلام " (^٤).
ويقول أيضًا: "فدين الأنبياء والمرسلين دين واحد، وإن كان لكل من التوراة والإنجيل والقرآن شرعة ومنهاج" (^٥).
ويقول الإمام ابن القيم: " ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]؛ يعني: الذي جاء به محمد، وهو دين الأنبياء من أولهم إلى آخرهم، ليس للّه دين سواه، وقد دلَّ قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ على أنه دين جميع أنبيائه ورسله، وأتباعهم من أولهم إلى آخرهم، وأنه لم يكن للّه قط ولا يكون له دين سواه" (^٦).
وقال ﵀: "فالإسلام دين أهل السموات، ودين أهل التوحيد من أهل الأرض، لا يقبل اللَّه من أحدردينًا سواه، فأديان أهل الأرض ستة،
_________________
(١) هو: الإمام العلامة الحافظ صاحب التصانيف البديعة أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي الحجري المصري الحنفي الطحاوي، ابن أخت المزني ولد عام (٢٣٧ هـ)، له كتاب معاني الآثار، وغيره، توفي سنة ٣٢١ هـ. [انظر: طبقات الحفاظ (ص ٣٣٩)].
(٢) شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٧٨٦).
(٣) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب (١/ ١٧).
(٤) جامع الرسائل (١/ ٢٨٣)، الفتاوى (١١/ ٢٢٠)، (١٥/ ١٥٩)، [وانظر كذلك: الجواب الصحيح (١/ ٨٣)، (٢/ ١٢٨)، ودقائق التفسير (١/ ٣٣٧)، اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٤٥٥)].
(٥) الجواب الصحيح (١/ ٦٦).
(٦) مدارج السالكين (٣/ ٤٧٦).
[ ١ / ٨٨ ]
واحد للرحمن وخمسة للشيطان، فدين الرحمن هو الإسلام، والتي للشيطان اليهودية والنصرانية والمجوسية والصابئة ودين المشركين" (^١).
ويقول الإمام ابن كثير: "والإسلام هو دين الأنبياء جميعًا من أولهم إلى آخرهم وإن تنوعت شرائعهم وتعددت مناهلهم" (^٢).
ويقول الإمام الشوكاني: "فالتوحيد هو دين العالم؛ أوله وآخره، وسابقه ولاحقه". ويقول -﵀-: "وبالجملة فكتب اللَّه -﷿- بأسرها، ورسله جميعًا متفقون على التوحيد والدعاء إليه، ونفي الشرك بجميع أقسامه" (^٣).
ويقول الدهلوي (^٤): "اعلم أن أصل الدين واحد اتفق عليه الأنبياء ﵈، وإنما الاختلاف في الشرائع والمناهج" (^٥).
ويقول الشيخ حافظ الحكمي (^٦): "وقد اتفقت دعوتهم من أولهم إلى آخرهم في أصل الدين؛ وهو توحيد اللَّه -﷿- بإلهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ونفى ما يضاد ذلك أو ينافي كماله، كما تقدم ذلك
_________________
(١) المصدر نفسه (٣/ ٤٧٦)، ومقصود الإمام ابن القيم من إدخال اليهودية والنصرانية ضمن أديان الشيطان أن ذلك بعد تحريفها، وإلا فهي قبل التحريف أديان صحيحة.
(٢) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٢٦). وانظر: (١/ ٣٥٥)، (٢/ ٢٠٠).
(٣) إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات (ص ٨، ٥).
(٤) هو: أحمد بن عبد الرحيم الفاروقي، الدهلوي، الهندي الملقب (شاه ولي اللَّه) حنفي من المحدثين. له مصنفات كثيرة منها: الفوز الكبير في أصول التفسير، والإنصاف في أسباب الاختلاف، وحجة اللَّه البالغة. توفي سنة ١١٧٦ هـ. [انظر: ترجمته في (الأعلام) (١/ ١٤٩)، ومعجم المؤلفين (١/ ١٦٨)].
(٥) حجة اللَّه البالغة (ص ١٨٢).
(٦) هو: العلامة المتفنن الأديب حافظ بن أحمد بن علي الحكمي، من أعلام زمانه في جنوب المملكة العريية السعودية، ولد عام ١٣٤٢ هـ، من أبرز شيوخه: العلامة عبد اللَّه القرعاوي -﵀-، برع في علوم كثيرة، له كثير من المؤلفات نظمًا ونثرًا، توفي عام ١٣٧٧ هـ في مكة وعمره لم يتجاوز السادسة والثلاثين -﵀-. [انظر ترجمته في: مقدمة كتاب "معارج القبول"، بتحقيق: عمر بن محمود أبو عمر].
[ ١ / ٨٩ ]
في تقرير توحيد الطلب والقصد، وأما فروع الشرائع من الفرائض، والحلال، والحرام، فقد تختلف؛ فيفرض على هؤلاء ما لا يفرض على هؤلاء، ويخفف على هؤلاء ما شدد على أولئك، ويحرم على أمة ما يحل للأخرى، وبالعكس؛ لحكمة بالغة، وغاية محمودة، قضاها ربنا ﷿ ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [المائدة: ٤٨] ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] " (^١).
هذا بعض ما وقفت عليه من أقوال أهل العلم في تقرير هذه القاعدة، وكلها دلت على صحة هذا الأصل العظيم، واعتماده؛ وهو اتحاد دين جميع الأنبياء، وهو الإسلام العام والعقيدة المشتركة.