بعض ما ظهر لي من فوائد للقاعدة:
أولًا: بناء على القاعدة فقد عرَّف بعض أهل العلم العبادة بأنها التوحيد؛ كما جاء ذلك عن ابن عباس -﵄-: "قال: قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] للفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين؛ أي: وحدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم" (^١).
يقول الإمام الطبري مفسرًا لقول ابن عباس -﵄-: "والذي اراد ابن عباس -إن شاء الله- بقوله في تأويل قوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾: وحدوه، أي: أفردوا الطاعة والعبادة لربكم دون سائر خلقه" (^٢).
وقال الإمام البخاري عند قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]: "مَا خَلَقْتُ أهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أهْلِ الفَرِيقَيْنِ إلَّا لِيُوحِّدُونِ" (^٣).
ويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مسائله على كتاب التوحيد: "الثانيةُ: أن العبادة هي التوحيدُ؛ لأن الخصومة فيه" (^٤).
والمقصود: أن الخصومة بين الأنبياء وأقوامهم كانت في التوحيد؛ لأنَّهم جاؤوا بأشياء كثيرة غير التوحيد فلم ينكرها المشركون وإنما جادلوا في شأن التوحيد.
_________________
(١) تفسير الطبري (١/ ١٦٠).
(٢) المصدر نفسه (١/ ١٦٠).
(٣) صحيح البخاري (٤/ ١٨٣٧)، ولقد جاء تفسير العبادة بالتوحيد عن غير واحد ممن أهل العلم، [انظر: تفسير الطبري (١٦/ ١٤٧)، وتفسير البحر المحيط (٦/ ٢١٧)، وعمدة القاري (٩/ ٢٥)، وتفسير ابن كثير (٣/ ١٤٥)].
(٤) كتاب التوحيد (ص ٩).
[ ١ / ٣٢٦ ]
ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: "وهكذا قال جميع العلماء: إن العبادة هي التوحيد، إذ هو المقصود، والأمم الكافرة تعبد الله وتعبد معه سواه" (^١).
وذلك باعتبار أن التوحيد هو أعظم أركان العبادة، وأجل أفرادها، وأن جميع العبادات مبنية عليه، وأنه هو مقصود الرسل، وغاية الخلق، والحق أن العبادة شاملة للاعتقادات والأقوال والأعمال، وعليه فتعريف العبادة بالتوحيد هو من باب إطلاق الاسم على بعض مسمياته، وتعريف الشيء بأهم أركانه، ولا يعني ذلك حصر العبادة في التوحيد، وإنما يدل على أنه أصل وركن في العبادة، فهو كقول النبي -ﷺيمّ: "الْحَجُّ عَرَفَةٌ" (^٢).
فهذا الحصر لا ينفي اعتبار غيره، بل يدل على أن هذا المذكور جزء شريف من المقصود، وأنه هو الأصل والباقي تابع له، والخبر عن الشيء يصدق ببعض أركانه وأهم مقاصده (^٣).
يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين في شرحه لكتاب التوحيد: "العبادة هي التوحيد؛ أي: أن العبادة مبنية على التوحيد، فكل عبادة لا توحيد فيها ليست بعبادة، لا سيما أن بعض السلف فسروا قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾: إلا ليوحدون، وهذا مطابق تمامًا لما استنبطه
_________________
(١) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، ابن باز (٢/ ٤٣).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٣٠٩)، برقم (١٨٧٩٦)، وانظر: سنن النسائي (٢٥٦/ ٥)، برقم (٣٠١٦)، والترمذي في جامعه (٣/ ٢٣٧)، برقم (٨٨٩)، والحاكم في المستدرك (١/ ٦٣٥)، برقم (١٧٠٣)، وَقَالَ: حَديثٌ صَحِيحٌ الْإسْنادِ، وَلَمْ يخرجاه، وأقره الذهبي، وأخرجه ابن خزيمة (٤/ ٢٥٧)، برقم (٢٨٢٢)، والدارقطني في سننه (٢/ ٢٤٠)، برقم (١٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ٢٢٦)، برقم (١٣٦٨٣)، [وانظر: تلخيص الحبير (٢/ ٢٥٥)، وصححه العلامة الألباني]. [انظر: صحيح الجامع الصغير برقم (٣١٧٢)، وإرواء الغليل (٤/ ٢٥٦) برقم (١٠٦٤)].
(٣) انظر: التفسير الكبير (١٥/ ١٤٨)، ولسان الميزان (٥/ ١٤٤)، وفيض القدير (٤/ ٥٢١).
[ ١ / ٣٢٧ ]
المؤلف ﵀ من أن العبادة هي التوحيد؛ فكل عبادة لا تبنى على التوحيد فهي باطلة" (^١).
ثانيًا: المقصود من القاعدة عدم إطلاق العبادة على من تلبَّس بالشرك؛ أي: بدون تقييد، أما مع التقييد فلا إشكال في ذلك؛ فإن "نفي العبادة مطلقًا ليس هو نفي لما قد يسمى عبادة مع التقييد، والمشرك إذا كان يعبد الله ويعبد غيره فيقال: إنه يعبد الله وغيره، أو يعبده مشركًا به، لا يقال إنه يعبد مطلقًا، والمعطل الذي لا يعبد شيئًا شر منه، والعبادة المطلقة المعتدلة هي المقبولة، وعبادة المشرك ليست مقبولة" (^٢).
ثالثًا: يستفاد من القاعدة عدم وصف الكافر أو المشرك بأنه عابد لله تعالى، وإن كان يوصف بالفعل مع التقييد فيقال يعبد الله مع غيره، أو يعبده مشركًا به، أما وصفه بأنه عابد فهذا لا يصلح إطلاقه على المشرك أبدًا؛ لأن اسم الفاعل وصف دال على الثبوت والاستمرار، والكافر لا يستمر أبدًا على عبادة الله تعالى.
يقول الإمام ابن القيم في علة مجيء النفي في قوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ [الكافرون: ٣] بصيغة اسم الفاعل دون الفعل: "وأما في حقهم -أي: الكافرين- فإنما أتى بالاسم الدال على الوصف والثبوت، دون الفعل؛ أي: أن الوصف الثابت اللازم العائد لله منتفٍ عنكم، فليس هذا الوصف ثابتًا لكم، وإنما ثبت لمن خص الله وحده بالعبادة لم يشرك معه فيها أحدًا، وأنتم لما عبدتم غيره فلستم من عابديه، وإن عبدوه في بعض الأحيان؛ فإن الشرك يعبد الله ويعبد معه غيره كما قال الله عن أهل الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [الكهف: ١٦]؛ أي: اعتزلتم معبودهم إلا الله فإنكم لم تعتزلوه.
_________________
(١) القول المفيد على كتاب التوحيد (١/ ٤٩).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٦/ ٥٧٤).
[ ١ / ٣٢٨ ]
وكذا قوله تعالى عن قول المشركين عن معبوداتهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فهم كانوا يعبدون الله ويعبدون معه غيره، فلم ينتف عنهم الفعل لوقوعه منهم، ونفي الوصف، لأن من عبد غير الله لم يكن ثابتًا على عبادة الله، موصوفًا بها.
فتأمل هذه النكتة البديعة كيف تجد في طيها: أنه لا يوصف بأنه عابد الله وعبده المستقيم على عبادته إلا من انقطع إليه بكليته، وتبتل إليه تبتيلًا لم يلتفت إلى غيره ولم يشرك به أحدًا في عبادته، وأنه وإن عبده وأشرك به غيره فليس عابدًا لله ولا عبدًا له، وهذا من أسرار هذه السورة العظيمة الجليلة" (^١).
ولذا قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ [الكافرون: ٣]: "فإن زعمتم أنكم تعبدونه فأنتم كاذبون؛ لأنكم تعبدونه مشركين، فأنا لا أعبد ما عبدتم؛ أي: مثل عبادتكم" (^٢).
والمعنى: ولا أنتم عابدون مثل عبادتي التي هي توحيد وإفراد (^٣).
_________________
(١) انظر: بدائع الفوائد بتصرف (١/ ١٤٤ - ١٤٥)، وقال السهيلي ﵀: "فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَقُولُ لَهُمْ: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ وَهُمْ قَدْ قَالُوا: هَلُمّ فَلْنَعْبُدْ رَبّك، وَتَعْبُدُ رَبَّنَا، كَيْفَ نَفَى عَنْهُمْ مَا أَرَادُوا وَعَزَمُوا عَلَيْهِ؛ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنّهُ عَلِمَ أَنّهُمْ لَا يَفْعَلُونَ فَأَخْبَرَ بِمَا عَلِمَ. الثّانِي: أَنّهُم لَوْ عَبَدُوهُ عَلَى الْوَجْهِ الّذِي قَالُوهُ مَا كَانَتْ عِبَادَة، وَلَا يُسَمّى عَابِدًا للهِ مَنْ عَبَدَهُ سَنَة وَعَبَدَ غَيْرَهُ أُخْرَى" [الروض الأنف (٢/ ١٤٧)].
(٢) تفسير القرطبي (٢٠/ ٢٢٨).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٦/ ٥٤٧).
[ ١ / ٣٢٩ ]