مما لا شكَّ فيه أن توحيد العبادة ذو منزلة عظيمة، ومكانة عليّة، بين أنواع التوحيد الأخرى، بل هو أعظمها وأجلها، والناس فيه ما بين شقي وسعيد، منهم ما هو من أصحاب اليمين وآخر خاسر من أصحاب الشمال، وفيما يأتي أتناول بعض ما يدل على هذه المنزلة السامية، والمكانة الكبيرة في دين الإسلام:
أولًا: أن هذا التوحيد المتضمن لإخلاص التاله للّه تعالى هو الغاية التي خلق اللَّه من أجلها الخلق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] فلم يخلقهم سبحانه من أجل أن يعرفوه فقط أو يعرفوا ربوبيته وأسماءه وصفاته بدون عبادته والخضوع والذلة
_________________
(١) انظر: مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (٣/ ٣٠٠).
(٢) مجموعة رسائل في التوحيد والإيمان، للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص ٣٧١).
[ ١ / ٥٧ ]
لعظمته، بل خلقهم من أجل تحقيق هذه الغاية السامية المحبوبة للّه ﵎، وهذا يدل على عظم ومكانة توحيد العبادة (^١).
يقول الإمام ابن القيم: "فيجمع غايات فعله، وحكمة خلقه وأمره إلى غاية واحدة، هي منتهى الغايات، وهي إلهية الحق التي كل إلهية سواها فهي باطل ومحال، فهي غاية الغايات، ثم ينزل منها إلى غايات أخر هي وسائل بالنسبة إليها، وغايات بالنسبة إلى ما دونها، وإن إلى ربك المنتهى" (^٢).
ثانيًا: يوضح ما سبق إكثار اللَّه تعالى في القرآن الكريم من ذكر هذا النوع من التوحيد، أمرًا وإيجابًا، وتحذيرًا وتخويفًا، بحيث جعل تحقيقه في مقدمة المقاصد الشرعية، وبيانه له بشتى أساليب البيان، وكونه هو الغاية العظمى، وأنه سبب النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة، وأن الناس انقسموا بسببه إلى موحدين في الجنان؛ ومشركين في النجران، وبيانه لحقوق هذا التوحيد وواجباته، والتحذير مما يناقضه أو ينقص كماله الواجب، وهذا الإكثار يدل على المكانة العظيمة، والمنزلة الجليلة التي تبوأها هذا التوحيد.
وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] وغيرها من الآيات الكثيرة، بل لو قال قائل: إن القرآن من أوله إلى آخره يدعو إلى هذه القضية، ويؤكدها، ويثبتها بالأساليب المختلفة والمتعدده، لما كان مبالغًا في ادعائه، فهذا هو المقصد الأساسي في الشريعة، والمقصد الأصلي من الخلقة، وما عداه فهو تابع له، وقد بيَّنه القرآن أعظم بيان، وحذر مما يضاده ويعود عليه بالإبطال (^٣).
_________________
(١) لمزيد من البسط. انظر: قاعدة: (العبادة هي الغاية التي خلق اللَّه لها الخلق ) (ص ١٥٠).
(٢) شفاء العليل، لابن القيم (ص ٢٣٢).
(٣) انظر: مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة، للدكتور محمد اليوبي (ص ٤٧٧).
[ ١ / ٥٨ ]
يقول الإمام ابن القيم: "فأخبر سبحانه أنه القصد بالخلق والأمر: أن يعرف بأسمائه وصفاته، ويعبد وحده لا يشرك به، وأن يقوم النّاس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض" (^١).
ثالثًا: ومما يبيِّن منزلة هذا التوحيد أن اللَّه تعالى بعث جميع الأنبياء والمرسلين بهذا التوحيد، توحيد العبادة، فلم يأت رسول إلى قومه يدعوهم إلى الاعتراف بوجود اللَّه ﵎، وأنه الخالق القادر المحيي والمميت، وإنما تتابعت الأنبياء والرسل من أولهم إلى آخرهم بهذا التوحيد، ويكفيه شرفًا هذه المنزلة التي جعلته في مقدمة دعوات الأنبياء، وأولى مهام رسالاتهم (^٢).
يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقوله ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥].
ومعنى: فاعبدون في الآية؛ أي: وحدون (^٣).
فهذا الأصل وهو توحيد العبادة هو أصل الدين الذي لا يقبل اللَّه من الأولين والآخرين دينًا غيره، وبه أرسل اللَّه الرسل وأنزل الكتب (^٤).
يقول الشيخ السعدي في الآية: "فكل الرسل الذين من قبلك مع كتبهم؛ زبدة رسالتهم، وأصلها الأمر بعبادة اللَّه وحده لا شريك له، وبيان أنه الإله الحق المعبود، وأن عبادة ما سواه باطلة" (^٥).
ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ في بيان ما سبق من أهمية:
_________________
(١) الجواب الكافي لابن القيم (ص ٨٩)، وانظر: التوضيح عن توحيد الخلاق (ص ٥).
(٢) لمزيد من التوضيح. انظر: قاعدة: (النزاع بين الرسل وأقوامهم ) (ص ٢٢٠).
(٣) انظر: تفسير السمعاني (٣/ ٣٧٥).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (١/ ١٥٤).
(٥) تفسير السعدي (ص ٥٢١).
[ ١ / ٥٩ ]
"وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قول لا إله إلا اللَّه؛ فإن الإله هو المألوه المعبود بالمحبة، والخشية، والإجلال، والتعظيم، وجميع أنواع العبادة، ولأجل هذا التوحيد خلقت الخليقة، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وبه افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وسعداء أهل الجنة وأشقياء أهل النار، قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١] فهذا أول أمر في القرآن" (^١).
رابعًا: هذا النوع من التوحيد هو أصل الإسلام، وأساس الإيمان، وأول ما يؤمر به العبد، وهو ميزان الأعمال صحة وفسادًا.
يقول الإمام ابن تيمية: "والمقصود هنا أن السلف والأئمة متفقون على أن أول ما يؤمر به العباد الشهادتان" (^٢).
وشهادة أن لا إله إلا اللَّه دالة على توحيد العبادة بالمطابقة (^٣).
ويقول الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب فيما لخصه من المسائل عن شيخ الإسلام: "وعلم بالاضطرار من دين الرسول، واتفقت عليه الأمة: أن أصل الإسلام، وأول ما يؤمر به الخلق شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وشهادة أن محمدًا رسول اللَّه، فبه يصير الكافر مسلمًا، والعدو وليًا، ثم إن كان من قلبه دخل في الإيمان، وإن قاله بلسانه دون قلبه فهو في ظاهر الإسلام" (^٤).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (ص ٢٨).
(٢) درء التعارض (٨/ ١١).
(٣) دلالة المطابقة: هي دلالة اللفظ على تمام معناه، كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق.
(٤) مسائل لخصها الإمام محمد بن عبد الوهاب (ص ١٤٩).
[ ١ / ٦٠ ]