وهو في اللغة مصدر عَقَلَ يَعْقِلُ عَقْلًا، وأصل معناه الحبس والمنع. يقول ابن فارس: "العين والقاف واللام أصل منقاس مطرد، يدلُّ عُظْمُه على حُبْسَة في الشيء أو ما يقارب الحُبْسَة؛ من ذلك العَقْل، وهو الحابس عن ذميم القَول والفِعْل" (^٦).
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٦٠).
(٢) النبوات (ص ٦٧)، وانظر: مجموع الفتاوى (١٩/ ٩٩)، (٣٥/ ٣٧٦)، ومنهاج السُّنَّة (٥/ ١٢٨).
(٣) هو: العلامة صديق حسن الحسيني القنوجي، أبو الطيب، ولد سنة ١٢٤٨ هـ. من مصنفاته: فتح البيان، والدين الخالص. توفي عام ١٣٠٧ هـ. [التاج المكلل (ص ٥٤٦ - ٥٥٦)].
(٤) انظر: أبجد العلوم (٢/ ٣٣٧).
(٥) انظر: المصدر السابق (٢/ ٣٣٧).
(٦) معجم مقاييس اللغة (٤/ ٦٩).
[ ١ / ١٠٢ ]
وقال الراغب: "وأصل العقل الإمساك والاستمساك؛ كعقل البعير بالعقال، وعقل الدواء البطن، وعقلت المرأة شعرها، وعقل لسانه كفه، ومنه قيل للحصن: معقل وجمعه معاقل" (^١).
وأما معناه في الاصطلاح (^٢):
فقيل: هو العلم الضروري الذي يقع ابتداء، وقيل: هو ما أفاد العلم بموجباته، وقيل: بل هو قوة التمييز بين الحق والباطل، وقيل: هو العلم بخفيات الأمور التي لا يوصل إليها إلا بالاستدلال والنظر، وقيل: هو ضبط ما وصل إلى القلب، وإمساكه حتَّى لا يتفلت، وقيل: هو القوة المتهيئة لقبول العلم، وقيل: هو استعمال الطاعات والفضائل، وقيل: هو العلم الذي يعمل به صاحبه، وقيل: هو قدر من العلم يميز من قام به بين خير الخيرين وشر الشرين، ويصح منه بحصوله به الاستشهاد بالشاهد على الغائب، ويخرج به عن حد المجانين والمعتوهين، ويصح معه التكليف والخطاب.
_________________
(١) المفردات في غريب القرآن (ص ٣٤٢).
(٢) المقصود معناه عند من ينتسب إلى أهل الإسلام، وذلك بخلاف قول الفلاسفة فإنه عندهم جوهر قائم بنفسه، يفصل بين حقائق المعلومات، ولا شكَّ في بطلانه. يقول الإمام السمعاني: "وقد جعله المتقدمون جوهرة، وقالوا إنه جوهر لطيف يُفصَل به بين حقائق المعلومات، وهذا فاسد؛ لأنَّهُ لو كان جوهرًا لصح قيامه بذاته، فجاز أن يكون عقل بلا عاقل، كما جاز أن يكون جسم بغير عقل، فحين لم يتصور ذلك دل أنه ليس بجوهر". [انظر: قواطع الأدلة في الأصول (١/ ٢٧)]. ويقول الإمام ابن تيمية: "فإن العقل في لغة المسلمين عرض من الأعراض، قائم بغيره، وهو غريزة، أو علم، أو عمل بالعلم، ليس العقل في لغتهم جوهرًا قائمًا بنفسه، فيمتنع أن يكون أول المخلوقات عرضًا قائمًا بغيره؛ فإن العرض لا يقوم إلا بمحل، فيمتنع وجوده قبل وجود شيء من الأعيان، وأما أولئك المتفلسفة ففي اصطلاحهم أنه: جوهر قائم بنفسه، وليس هذا المعنى هو معنى العقل في لغة المسلمين، والنبي -ﷺ- خاطب المسلمين بلغة العرب، لا بلغة اليونان، فعلم أن المعنى الذي أراده المتفلسفة لم يقصده الرسول لو كان تكلم بهذا اللفظ، فكيف إذا لم يتكلم به". [مجموع الفتاوى ١٨/ ٣٣٨)].
[ ١ / ١٠٣ ]
وقيل: إنه قوة ضرورية للوجود، بها يصح درك الأشياء، ويتوجه تكليف الشرع، وهو ما يعرفه كل إنسان من نفسه ولا يستدل عليه بغيره، وقيل: هو نور يضاء به طريق إصابة الحق، والمصالح الدينية والدنيوية، فيدرك القلب به كما يدرك العين بالنور الحسي المبصرات، وقيل: هو صفة إذا ثبتت تأتَّى بها التوصل إلى العلوم النظرية، ومقدماتها من الضروريات التي هي مستند النظريات، وقيل: العقل هو ما يحجز الإنسان عن فعل ما لا ينبغي؛ وهو خلاف الذكاء، فالذكاء هو سرعة البديهة، والفهم؛ وقد يكون الإنسان ذكيًا، ولكنه ليس بعاقل (^١).
ويمكن إرجاع ما سبق من تفسيرات للعقل إلى ثلاثة معانٍ:
الأول: القوة الغريزية التي في الإنسان، وبها يعلم ويميز ويقصد المنافع ويحذر المضار.
الثاني: العلم الذي ناله بواسطة هذه القوة، سواء كان علمًا ضروريًا أم نظريًا.
الثالث: العمل بمقتضى وموجب ذلك العلم (^٢).
ولذا قسم بعضهم (^٣) العقل من حيث آثاره وفوائده إلى قسمين:
الأول: عقل إدراك: وهو العقل المشترك الذي عند كل أحد، ما لم يكن مسلوبًا بجنون، أو قاصرًا لصغر السن، وهو الذي يميز به الناس
_________________
(١) انظر: قواطع الأدلة في الأصول، للسمعاني (١/ ٢٨)، وإحياء علوم الدين (١/ ٨٦)، والبرهان في أصول الفقه (١/ ٩٦)، وأعلام النبوة، للماوردي (ص ٢٧)، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (١/ ٥٠)، وكشف الأسرار (٢/ ٥٧٥)، ومفتاح دار السعادة (ص ١٢٥)، ومجلة الجامعة الإسلامية أمقال بعنوان: التربية الإبداعية عدد (١١٦)].
(٢) انظر: الإحياء للغزالي (١/ ٨٦)، ومنهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد (١/ ١٥٨).
(٣) انظر: بحث بعنوان: (التربية الإبداعية في منظور التربية الإسلامية) للدكتور خالد الحازمي، بمجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية عدد (١١٦)، (ص ٤٥٣ - ٤٥٤).
[ ١ / ١٠٤ ]
بين الأشياء؛ في الكثرة، والقلة، والأعداد، والأحجام، ونحو ذلك. وهذا عند المسلم والكافر، وليس له علاقة بالديانة.
الثاني: عقل رشد: وهو الذي يعلم به صاحبه فيعمل، وهو العقل الصحيح الذي يقبل الحق إذا علمه، ويبتعد عن الشر إذا عرفه، فالذي يعلم الحق ولا يعمل به ليس لديه عقل رشد، وإنما لديه عقل إدراك، حيث أدرك به العلم، ولم يسترشد بذلك ويرشد.
يقول الإمام ابن تيمية: "والمقصود هنا أن اسم العقل عند المسلمين وجمهور العقلاء إنما هو صفة، وهو الذي يسمى عرضًا قائمًا بالعاقل، وعلى هذا دل القرآن، .. وإذا كان كذلك؛ فالعقل لا يسمى به مجرد العلم الذي لم يعمل به صاحبه، ولا العمل بلا علم، بل إنما يسمى به العلم الذي يعمل به والعمل بالعلم" (^١).
فهؤلاء الكفار لديهم عقل إدراك الذي هو مناط التكليف، ولكنهم فقدوا عقل الرشد بسبب عدم اتباعهم الحق بعد أن تبين لهم.
فالعقل النافع الممدوح هو العلم المستلزم للعمل المصاحب للانقياد والتطبيق، وهو بخلاف الذكاء الذي هو سرعة البديهة وبخلاف مطلق التمييز كذلك.
يقول الإمام ابن حزم (^٢): "والعقل هو استعمال الطاعات والفضائل، وهو غير التمييز؛ لأنَّهُ استعمال ما ميز الإنسان فَضلَهُ، فكل
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٩/ ٢٨٦ - ٢٨٧).
(٢) هو: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف، الفارسي الأصل، الأموي مولاهم، الظاهري، الأندلسي القرطبي، أديب، أصولي، محدث حافظ، ألف كتبًا كثيرة منها: الفصل في الملل والأهواء والنحل، والإحكام في أصول الإحكام، والمحلى بالآثار، توفي ﵀ سنة ٤٥٦ هـ، وقيل: ٤٥٧ هـ. [انظر ترجمته في: شذرات الذهب (٣/ ٢٩٩)، والبلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (ص ١٤٦)، وسير أعلام النبلاء (١٨/ ١٩٨)].
[ ١ / ١٠٥ ]
عاقل مميز، وليس كل مميز عاقلًا (^١).
وقال ﵀ أيضًا: "لأن العقل على الحقيقة إنما هو استعمال الطاعات، واجتناب المعاصي، وما عدا هذا فليس عقلًا بل هو سخف وحمق" (^٢).
فالعاقل إذًا لا بد أن يجمع بين العلم بالحق والعمل به.
يقول الإمام ابن تيمية: "والمطلوب من الناس أن يعقلوا ما بلغه الرسل، والعقل يتضمن العلم والعمل، فمن عرف الخير والشر فلم يتبع الخير ويحذر الشر لم يكن عاقلًا؛ ولهذا لا يعد عاقلًا إلا من فعل ما ينفعه واجتنب ما يضره، فالمجنون الذي لا يفرق بين هذا وهذا قد يُلْقِي نفسه في المهالك، وقد يفر مما ينفعه" (^٣).
ويقول الإمام أبو عبد اللَّه القرطبي (^٤): "وأما كمال العقل فبه تعرف حقائق الأمور، ويفصل بين الحسنات والسيئات، فالعاقل يعمل لآخرته ويرغب فيما عند ربه" (^٥).
والقلب هو مكان التعقل، ولذا ربما جاء التعبير بالقلب مرادًا به العقل، وهو أسلوب عربي معروف، فيطلق المحل ويراد الحال فيه.
ولذا عرَّف بعضهم القلب بقوله: "وهو النور الذي خص اللَّه تعالى به نوع الإنسان، وشرفه به، وجعله مناط توجيه الأمر والنهي، والإبانة
_________________
(١) الإحكام لابن حزم (١/ ٥٠).
(٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ٦٦).
(٣) مجموع الفتاوى (١٥/ ١٠٨).
(٤) هو: محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري، الخزرجي، الأندلسي، القرطبي المالكي المفسر؛ من مصنفاته: جامع أحكام القرآن، في التفسير، والتذكرة، وغيرها. توفي سنة ٦٧١ هـ. [انظر ترجمته في: الديباج المذهب (ص ٣١٧)، وطبقات المفسرين للداوودي (١/ ٦٩)].
(٥) تفسير القرطبي (١٤/ ٣٥٤).
[ ١ / ١٠٦ ]
والعقوبة" (^١).
وبذلك يظهر تفاوت العقول فيما بينها، وتفاضل بعضها على بعض، وذلك بحسب ما يقترن بها من مؤثرات، وبحسب نصيبها من استعمال الفضائل، والتزود بالطاعات، وفعل المأمورات وترك المنكرات.
يقول الشيخ السعدي: "وإذا أردت معرفة مقادير عقول الخلق على الحقيقة فانظر إلى عقول المهتدين بهداية القرآن والسُّنَّة، وإلى عقول المنحرفين عن ذلك تجد الفرق العظيم.
ولا تحسبن العقل هو الذكاء، وقوة الفطنة، والفصاحة اللفظية، وكثرة القيل والقال، وإنما العقل الصحيح أن يعقل العبد في قلبه الحقائق النافعة، عقلًا يحيط بمعرفتها، ويميز بينها وبين ضدها، ويعرف الراجح من الأمور فيؤثره، والمرجوح أو الضار فيتركه" (^٢).
يقول الشيخ محمود محمد شاكر: "فإن العقل هبة اللَّه لكل حي، وَلَكِن أساليب تَفْكِيرِهِ كسبٌ يكتسبه من معالجة النظر، ومن التربية ومن التعليم، ومن الثقافة، ومن آلاف التجارب التي يحياها المرء في هذه الحياة" (^٣).