باب: قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ ١.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ٢.
وفي الصحيح٣ عن أنس ﵁ قال: "شج النبي ﷺ يوم أحد وكسرت رباعيته. فقال: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ "فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ٤.
وفيه٥ عن ابن عمر - ﵄ -: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول - إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: "اللهم العن فلانا وفلانا".
بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد"، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ٦ الآية.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية: ١٩١-١٩٢. ٢ سورة فاطر آية: ١٣-١٤. ٣ رواه البخاري معلقا: كتاب المغازي، باب قول الله تعالى: (ليس لك من الأمر شيء) . (٤ / ١٤٩٣) . ورواه مسلم: كتاب الجهاد والسير باب غزوة أُحد (٣ / ١٤١٧) حديث رقم (١٧٩١) . ولفظه: (كيف يفلح قوم شجوا نبيهم، وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله؟ فأنزل الله ) الحديث. ٤ سورة آل عمران آية: ١٢٨. ٥ رواه البخاري: كتاب المغازي باب قوله تعالى: (ليس لك من الأمر شيء) (٤ / ١٤٩٣- ١٤٩٤) حديث رقم (٣٨٤٢) . ٦ سورة آل عمران آية: ١٢٨.
[ ٦٢ ]
وفي رواية ١: "يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ٢.
وفيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ ٣. فقال: "يا معشر قريش- أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب: لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله ﷺ: لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد: سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا" ٤.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيتين.
الثانية: قصة أحد.
الثالثة: قنوت سيد المرسلين وخلفه سادات الأولياء يؤمنون في الصلاة.
الرابعة: أن المدعو عليهم كفار.
الخامسة: أنهم فعلوا أشياء ما فعلها غالب الكفار، منها شجهم نبيهم وحرصهم على قتله، ومنها التمثيل بالقتلى مع أنهم بنو عمهم.
السادسة: أنزل الله عليه في ذلك: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ٥.
السابعة: قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُم؟﴾ ٦ فتاب عليهم فآمنوا.
_________________
(١) ١ رواه البخاري: مع فتح الباري ٧ / ٣٦٥ حديث رقم (٤٠٧٠) كتاب المغازي باب قوله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ وهو مرسل؛ لأنه من رواية سالم بن عبد الله بن عمر وقد وصلها أحمد (٢ / ٩٣) . والترمذي: كتاب تفسير القرآن باب من سورة آل عمران (٥ / ٢١٢) حديث رقم (٣٠٠٤) . وقال: (هذا حديث حسن غريب) . اهـ. ٢ سورة آل عمران آية: ١٢٨. ٣ سورة الشعراء آية: ٢١٤. ٤ رواه البخاري: كتاب التفسير تفسير سورة الشعراء باب قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) (٤ / ١٧٨٧- ١٧٨٨) حديث رقم (٤٤٩٣) . ومسلم: كتاب الإيمان باب قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) (١ / ١٩٢- ١٩٣) حديث رقم (٢٠٦) . ٥ سورة آل عمران آية: ١٢٨. ٦ سورة آل عمران آية: ١٢٨.
[ ٦٣ ]
الثامنة: القنوت في النوازل.
التاسعة: تسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم.
العاشرة: لعن المعين في القنوت.
الحادية عشرة: قصته ﷺ لما أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ١.
الثانية عشرة: جده ﷺ في هذا الأمر بحيث فعل ما نسب بسببه إلى الجنون، وكذلك لو يفعله مسلم الآن.
الثالثة عشرة: قوله للأبعد والأقرب: "لا أغني عنك من الله شيئا"حتى قال: "يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا"٢. فإذا صرح وهو سيد المرسلين بأنه لا يغني شيئا عن سيدة نساء العالمين، وآمن الإنسان أنه لا يقول إلا الحق، ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس اليوم تبين له التوحيد وغربة الدين.
[التعليق:]
باب: قول الله تعالى:
﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ٣.
هذا شروع في براهين التوحيد وأدلته، فالتوحيد له من البراهين النقلية والعقلية ما ليس لغيره.
فتقدم أن التوحيدين: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات من أكبر براهينه وأضخمها، فالمتفرد بالخلق والتدبير، والمتوحد في الكمال المطلق من جميع الوجوه هو الذي لا يستحق العبادة سواه.
وكذلك من براهين التوحيد معرفة أوصاف المخلوقين ومن عبد مع الله، فإن جميع ما يعبد من دون الله من ملك وبشر ومن شجر وحجر وغيرها كلهم فقراء إلى الله، عاجزون ليس بيدهم من النفع مثقال ذرة، ولا يخلقون شيئا وهم
_________________
(١) ١ سورة الشعراء آية: ٢١٤. ٢ البخاري: الوصايا (٢٧٥٣)، ومسلم: الإيمان (٢٠٦)، والنسائي: الوصايا (٣٦٤٦،٣٦٤٧)، وأحمد (٢/٤٤٨)، والدارمي: الرقاق (٢٧٣٢) . ٣ سورة الأعراف آية: ١٩١.
[ ٦٤ ]
يخلقون، ولا يملكون ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، والله تعالى هو الخالق لكل مخلوق وهو الرازق لكل مرزوق، المدبر للأمور كلها، الضار النافع، المعطي المانع، الذي بيده ملكوت كل شيء، وإليه يرجع كل شيء، وله يقصد ويصمد ويخضع كل شيء.
فأي برهان أعظم من هذا البرهان الذي أعاده الله وأبداه في مواضع كثيرة من كتابه وعلى لسان رسوله، فهو دليل عقلي فطري كما أنه دليل سمعي نقلي على وجوب توحيد الله وأنه الحق، وعلى بطلان الشرك.
وإذا كان أشرف الخلق على الإطلاق لا يملك نفع أقرب الخلق إليه وأمسهم به رحما فكيف بغيره؟ فتبا لمن أشرك بالله وساوى به أحدا من المخلوقين، لقد سلب عقله بعدما سلب دينه.
فنعوت الباري تعالى وصفات عظمته وتوحده في الكمال المطلق أكبر برهان على أنه لا يستحق العبادة إلا هو. وكذلك صفات المخلوقات كلها، وما هي عليه من النقص والحاجة والفقر إلى ربها في كل شئونها، وأنه ليس لها من الكمال، إلا ما أعطاها ربها من أعظم البراهين على بطلان إلهية شيء منها.
فمن عرف الله وعرف الخلق اضطرته هذه المعرفة إلى عبادة الله وحده، وإخلاص الدين له والثناء عليه، وحمده وشكره بلسانه وقلبه وأركانه، وانصرف تعلقه بالمخلوقين خوفا ورجاء وطمعا، والله أعلم.
[ ٦٥ ]