في الصحيح عن أبي بشير الأنصاري ﵁ "أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل رسولا أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة إلا قطعت" ١.
وعن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" رواه أحمد وأبو داود.٢.
وعن عبد الله بن عكيم مرفوعا: "من تعلق شيئا وكل إليه "رواه أحمد والترمذي.٣
_________________
(١) ١ رواه البخاري: كتاب الجهاد باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الإبل (٣ / ١٠٩٤) حديث رقم (٢٨٤٣) . ومسلم: كتاب اللباس والزينة باب كراهة قلادة الوتر في رقبة البعير (٣ / ١٦٧٢-١٦٧٣) حديث رقم (٢١١٥) . ٢ رواه أحمد (١ / ٣٨١) . وأبو داود في كتاب الطب باب في تعليق التمائم (٤ / ٩) حديث رقم (٣٨٨٣) . قال المنذري (مختصر سنن أبي داود) ٥ / ٣٦٣: (والراوي عن زينب مجهول) . اهـ. وقد وصف عند الإمام أحمد وأبي داود بأنه (ابن أخي زينب)، ووصف في (سنن ابن ماجه) ٢ / ١١٦٧ بأنه (ابن أخت زينب) . ٣ رواه أحمد (٤ / ٣١٠ و٣١١) . والترمذي (السنن) ٤ / ٤٠٣ (كتاب الطب) (باب ما جاء في كراهية التعليق) . حديث رقم (٢٠٧٢) وقال: (وحديث عبد الله بن عكيم إنما نعرفه من حديث محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، وعبد الله بن عكيم لم يسمع من النبي (، وكان في زمن النبي (يقول: كتب إلينا رسول الله () . وفي إسناده- أيضا- (محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى) وقد ضعفه العلماء لسوء حفظه كما في (ميزان الاعتدال) ٣ / ٦١٤. وللحديث شاهد يتقوى به رواه النسائي (السنن) ٧ / ١١٢ من طريق أبي داود ثنا عنه عباد بن ميسرة المنقري عن الحسن عن أبي هريرة مرفوعا وفيه: "ومن تعلق شيئا وكل إليه". قال الذهبي في (ميزان الاعتدال) ٢ / ٣٧٨: (هذا الحديث لا يصح للين عباد وانقطاعه) . وهذا تضعيف لا يمنع من تقوية حديث عبد الله بن عكيم، وترقيته لمرتبة الحسن لغيره. والله أعلم.
[ ٤٥ ]
"التمائم": شيء يعلق على الأولاد يتقون به العين، لكن إذا كان المعلق من القرآن فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعله من المنهي عنه. منهم ابن مسعود ﵁.
و"الرقى": هي التي تسمى العزائم، وخص منها الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحمة.
و"التولة": هي شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته.
وروى أحمد عن رويفع، قال: قال لي رسول الله ﷺ: "يا رويفع، لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وترا، أو استنجى برجيع دابة أو عظم، فإن محمدا بريء منه"١.
وعن سعيد بن جبير قال: "من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة"رواه وكيع.
وله عن إبراهيم قال: "كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن".
_________________
(١) (المسند) ٤ / ١٠٨ أوله: (كان أحدنا في زمان رسول الله (يأخذ جمل أخيه مطولا وفي إسناده (ابن لهيعة) . قال ابن حجر (تقريب التهذيب) ١ / ٤٤٤: (صدوق خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرها، وله في مسلم بعض شيء مقرون) . وليس هذا من روايتهما عنه، إلا أنه منجبر بمتابعة (المفضل بن فضالة) له عند أبي داود (السنن) ١ / ٣٤ (كتاب الطهارة) (باب ما ينهى عنه أن يستنجى به) . حديث رقم (٣٦) وسكت عنه أبو داود ثم المنذري في (مختصر سنن أبي داود) ١ / ٣٦، وفي إسناده (عياش بن عباس القتباني) . ولعل صوابه ما ذكره المزي (تهذيب الكمال) ٣ / ١٣٦٥ في ترجمة (المفضل بن فضالة بن عبيد المصري) أنه يروي عن (عبد الله بن عياش بن عباس القتباني) . وللحديث طريق أخرى رواها النسائي (السنن) ٨ / ١٣٥- ١٣٦ (كتاب الزينة) (باب عقد اللحية) عن حيوة بن شريح عن عياش بن عباس، وإسناده صحيح رجاله ثقات. والله أعلم.
[ ٤٦ ]
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الرقى والتمائم.
الثانية: تفسير التولة.
الثالثة: أن هذه الثلاث كلها من الشرك من غير استثناء.
الرابعة: أن الرقية بالكلام الحق من العين والحمة ليس من ذلك.
الخامسة: أن التميمة إذا كانت من القرآن فقد اختلف العلماء هل هي من ذلك أم لا؟
السادسة: أن تعليق الأوتار على الدواب من العين من ذلك.
السابعة: الوعيد الشديد على من علق وترا.
الثامنة: فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان.
التاسعة: أن كلام إبراهيم لا يخالف ما تقدم من الاختلاف؛ لأن مراده أصحاب عبد الله بن مسعود.
[التعليق:]
باب:
ما جاء في الرقى والتمائم
أما التمائم فهي: تعاليق تتعلق بها قلوب متعلقيها، والقول فيها كالقول في الحلقة والخيط كما تقدم.
فمنها: ما هو شرك أكبر كالتي تشتمل على الاستغاثة بالشياطين أو غيرهم من المخلوقين.
فالاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك كما سيأتي إن شاء الله.
ومنها: ما هو محرم كالتي فيها أسماء لا يفهم معناها؛ لأنها تجر إلى الشرك.
وأما التعاليق التي فيها قرآن أو أحاديث نبوية أو أدعية طيبة محترمة فالأولى
[ ٤٧ ]
تركها لعدم ورودها عن الشارع، ولكونها يتوسل بها إلى غيرها من المحرم ; ولأن الغالب على متعلقها أنه لا يحترمها ويدخل بها المواضع القذرة.
أما الرقى ففيها تفصيل:
فإن كانت من القرآن أو السنة أو الكلام الحسن، فإنها مندوبة في حق الراقي؛ لأنها من باب الإحسان، ولما فيها من النفع، وهي جائزة في حق المرقي، إلا أنه لا ينبغي له أن يبتدئ بطلبها، فإن من كمال توكل العبد وقوة يقينه أن لا يسأل أحدا من الخلق لا رقية ولا غيرها، بل ينبغي إذا سأل أحدا أن يدعو له أن يلحظ مصلحة الداعي والإحسان إليه، بتسببه لهذه العبودية له مع مصلحة نفسه، وهذا من أسرار تحقيق التوحيد ومعانيه البديعة التي لا يوفق للتفقه فيها والعمل بها إلا الكمل من العباد.
وإن كانت الرقية يدعى بها غير الله ويطلب الشفاء من غيره، فهذا هو الشرك الأكبر؛ لأنه دعاء واستغاثة بغير الله.
فافهم هذا التفصيل، وإياك أن تحكم على الرقى بحكم واحد مع تفاوتها في أسبابها وغاياتها.
[ ٤٨ ]