إنه (^١) المسئول (^٢) ذلك".
نبه المصنف إلى أهمية العلم والعلماء وبين أن الله نفع بالعلماء في نشر الدين وتبليغه والدفاع عنه، وقد دلت النصوص على أن الله رفع من شأن العلم وأهله فالنصوص كثيرة في القرآن والسنة تؤكد على ذلك وتدل عليه.
ومما ورد في القرآن:
• قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]
• وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]
• وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [الحجرات: ١١]
قال ابن القيم-رحمه الله تعالى-: "إن العلم يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة ما لا يرفعه المُلْك ولا المال ولا غيرهما، فالعلم يزيد الشريف شرفًا ويرفع العبد المملوك حتى يجلسه مجالس الملوك كما ثبت في الصحيح من حديث الزهري عن أبي الطفيل أن نافع بن عبد الحارث أتى عمر بن الخطاب بعسفان، وكان عمر استعمله على أهل مكة، فقال له عمر: من استخلفت على أهل الوادي قال:
_________________
(١) في مناقب الإمام أحمد ص (٢٢٥) (فإنه).
(٢) في ومختصر الحجة على تارك المحجة (٢/ ٣٦٧). (المتولي).
[ ٤٧ ]
استخلفت عليهم ابن أبزى، فقال من ابن أبزى؟ فقال: رجل من موالينا، فقال عمر: استخلفت عليهم مولى. فقال: إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض، فقال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين" (^١)
وقال أبو العالية: "كنت آتي ابن عباس وهو على سريره وحوله قريش فيأخذ بيدي فيجلسني معه على السرير فتغامز بي قريش، ففطن لهم ابن عباس، فقال: كذا هذا العلم يزيد الشريف شرفًا ويجلس المملوك على الأسرة" (^٢)
• وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر: ٢٨] فإن أهل العلم وطلبته هم أهل الخشية كما شهد الله بذلك
• وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]
قال ابن القيم: "استشهد -سبحانه-بأولي العلم على أجل مشهود عليه وهو توحيده، فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه:
أحدها: استشهادهم دون غيرهم من البشر
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين ٢٦٩
(٢) مفتاح دار السعادة ١/ ١٦٤
[ ٤٨ ]
والثاني: اقتران شهادتهم بشهادته
والثالث: اقترانها بشهادة الملائكة
والرابع: أن في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم، فإن الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول.
والخامس: أنه وصفهم بكونهم أولي العلم وهذا يدل على اختصاصهم به وأنهم أهله وأصحابه ليس بمستعار لهم
والسادس: أنه-سبحانه-استشهد بنفسه وهو أجل شاهد ثم بخيار خلقه وهم الملائكة والعلماء من عباده ويكفيهم بهذا فضلًا وشرفًا" (^١)
• وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
قال ابن القيم: "وكفى بهذا شرفًا للعلم أن أمر نبيه أن يسأله المزيد منه" (^٢).
ومما ورد في السّنّة
• قوله ﷺ: " العلماء ورثة الأنبياء " (^٣)
فالله-سبحانه-جعل العلماء وكلاءَ وأمناءَ على دينه ووحيه وارتضاهم لحفظه والقيام به والذبِّ عنه، وناهيك بها منزلة شريفة ومنقبة عظيمة
_________________
(١) مفتاح دار السعادة ١/ ٤٨ - ٤٩
(٢) نفس المصدر ١/ ٥٠.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٦٤١) والترمذي (٢٦٨٢)، وحسنه الألباني في «المشكاة» (٢١٢).
[ ٤٩ ]
قال ابن القيم: "قوله: "إن العلماء ورثة الأنبياء" هذا من أعظم المناقب لأهل العلم فإن الأنبياء خير خلق الله، فورثتهم خير الخلق بعدهم، ولما كان كل موروث ينتقل ميراثه إلى ورثته إذ هم الذين يقومون مقامه من بعده، ولم يكن بعد الرسل من يقوم مقامهم في تبليغ ما أرسلوا به إلا العلماء كانوا أحق الناس بميراثهم، وفي هذا تنبيه على أنهم أقرب الناس إليهم فإن الميراث إنما يكون لأقرب الناس إلى الموروث، وهذا كما أنه ثابت في ميراث الدينار والدرهم فكذلك هو في ميراث النبوة والله يختص برحمته من يشاء" (^١)
• قال ﷺ: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" (^٢)
• وقال ﷺ: "من سلك طريقًا يلتمس به علمًا سهل الله به طريقًا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم لرضى الله عنه، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافٍ" (^٣)
قال بدر الدين بن جماعة: "اعلم أنه لا رتبة فوق رتبة من تشتغل الملائكة
_________________
(١) مفتاح دار السعادة ١/ ٦٦
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (رقم ٧١)، ومسلم في صحيحه (رقم ١٠٣٧)
(٣) أخرجه أبو داود (رقم ٣٦٤١ و٣٦٤٢)، وابن ماجه (رقم ٢٢٣)، والدارمي (١/ ٩٨)، وابن عبد البر (ص ٣٧، ٣٨، ٣٩، ٤١)، وأحمد في المسند (١٩٦٥) والحديث حسن بشواهده. انظر: الفتح (١/ ١٦٠).
[ ٥٠ ]
وغيرهم بالاستغفار والدعاء له، وتضع له أجنحتها، وإنه لينافس في دعاء الرجل الصالح أو من يظن صلاحه فكيف بدعاء الملائكة، وقد اختلف في معنى وضع أجنحتها، فقيل: التواضع له، وقيل: النزول عنده والحضور معه، وقيل: التوقير والتعظيم له" (^١)
• وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها" (^٢)
قال ابن القيم: "فأخبر ﷺ أنه لا ينبغي لأحد أن يحسد أحدًا يعني: حسد غبطة، ويتمنى مثل حاله من غير أن يتمنى زوال نعمة الله عنه إلا في واحدة من هاتين الخصلتين، وهي الإحسان إلى الناس بعلمه أو ماله، وما عدا هذين فلا ينبغي غبطته ولا تمني مثل حاله لقلة منفعة الناس به" (^٣)
• وقال ﷺ: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا" قالوا يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: "حلق الذكر" (^٤)
• وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا مات ابن آدم
_________________
(١) تذكرة السامع والمتكلم ص ٨
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ١٣/ ٥٠٢ (مع الفتح) برقم ٧٥٢٩. ومسلم في صحيحه برقم ٨١٥
(٣) مفتاح دار السعادة ١/ ٦٢
(٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٣/ ١٥٠، والترمذي في سننه كتاب الدعوات، باب ٨٣، ٥/ ٥٣٢ ح ٣٥١٠. وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ثابت عن أنس
[ ٥١ ]