لقد جاء في كتاب الله ﷿ نصوص كثيرة تدل على زيادة الإيمان ونقصانه وأن أهله متفاضلون فيه بعضهم أكمل إيمانًا من بعض، فمنهم السابق بالخيرات، ومنهم المقتصد، ومنهم الظالم لنفسه، منهم المحسن، ومنهم المؤمن، ومنهم المسلم، ليسوا في الدين سواء في مرتبة واحدة، بل فضل الله بعضهم على بعض ورفع بعضهم فوق بعض درجات.
وقبل الشروع في ذكر هذه الأدلة القرآنية الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه أودّ التنبيه على نقطة هامة، وهي:
أن كل دليل دلّ على زيادة الإيمان فهو يدل على نقصانه، وكذا العكس، فما
_________________
(١) المصدر: كتاب زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه للدكتور عبد الرزاق البدر ص ٣٥
[ ١٦٣ ]
دل على نقصان الإيمان فهو يدل على زيادته، فالآيات التي أوردها هنا وظاهرها الدلالة على زيادة الإيمان فقط، فهي تدل على نقص الإيمان باللزوم، وذلك لأن الزيادة تستلزم النقص، ولأن ما جاز عليه الزيادة جاز عليه النقص، ولأن الزيادة لا تكون إلا عن نقص.
ولهذا فإنا نجد أهل العلم كثيرًا ما يستشهدون بأدلة زيادة الإيمان على نقصانه وكذا العكس للأسباب المتقدمة، وتأمل-مثالًا على ذلك-صنيع البخاري في صحيحه فقد أورد بعض الآيات المصرحة بزيادة الإيمان في باب زيادة الإيمان ونقصانه مستدلًا بها على الزيادة والنقصان معًا.
قال الإمام أحمد ﵀: "إن كان قبل زيادته-أي الإيمان-تامًا فكما يزيد كذا ينقص" (^١).
فمن الأدلة:
• قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣. [
• وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢ [
• وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤].
_________________
(١) رواه الخلال في السنة (٢/ ٦٨٨، ح ١٠٣٠).
[ ١٦٤ ]
• وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢. [
• وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤].
• وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١].
• وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد: ١٧].
ثانيًا: الأدلة من السنة على زيادة الإيمان ونقصانه:
• حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن" (^١).
• حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (^٢)
ففي هذا الحديث "بيان أن الإيمان الشرعي اسم لمعنى ذي شعب وأجزاء،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥/ ١١٩، ١٠/ ٣٠، ١٢/ ٥٨، ١٢/ ١٤ فتح)، ومسلم (٢/ ٤١ نووي).
(٢) أخرجه البخاري (١/ ٥١ فتح) ومسلم (٢/ ٦ نووي) وهذا لفظ مسلم.
[ ١٦٥ ]
له أعلى وأدنى، فالاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق-بكلها، والحقيقة تقتضي جميع شعبها وتستوفي جملة أجزائها، كالصلاة الشرعية لها شعب وأجزاء، والاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضي جميع أجزائها وتستوفيها" (^١).
وهذه الشعب متفاوتة ليست على درجة واحدة في الفضل، بل بعضها أفضل من بعض، كما هو ظاهر لفظ الحديث في قوله: "أعلاها "وقوله: "أدناها"، فشعب الإيمان منها ما يزول الإيمان بزوالها إجماعًا كشعبة الشهادتين، ومنها ما لا يزول بزوالها إجماعًا كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتًا عظيمًا منها ما يقرب من شعبة الشهادتين، ومنها ما يقرب من شعبة إماطة الأذى" (^٢).
وقال الشيخ العلامة ابن سعدي بعد ذكره لحديث أبي هريرة: "وهذا صريح في أن الإيمان يزيد وينقص بحسب زيادة هذه الشرائع والشعب، واتصاف العبد بها أو عدمه، ومن المعلوم أن الناس يتفاوتون فيها تفاوتًا كثيرًا، فمن زعم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فقد خالف الحس، مع مخالفته لنصوص الشرع كما ترى" (^٣).
• حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا إيمان لمن لا أمانة له" (^٤).
_________________
(١) معالم السنن للخطابي (٧/ ٤٣، ٤٤).
(٢) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (ص ٣٢٢).
(٣) التوضيح والبيان لشجرة الإيمان (ص ١٤).
(٤) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٣٥)، وابن أبي شيبة في مصنفه (١١/ ١١) وفي الإيمان (ص ٥)، وابن حبان في صحيحه (١/ ٢٠٨ الإحسان)، والبغوي في شرح السنة (١/ ٧٥)؛ وقال البغوي: "هذا حديث حسن"؛ وصححه الألباني في تحقيقه للإيمان لابن أبي شيبة.
[ ١٦٦ ]
فهذا الحديث دليل على أن من لا أمانة له، فقد نقص فيه شيء من واجبات هذا الدين، فيذهب عنه كمال الإيمان الواجب وتمامه، ويكون بذلك مؤمنًا ناقص الإيمان (^١).
يوضح الاستدلال بهذا الحديث ويبينه ما جاء عن عروة بن الزبير ﵀ أنه قال: "ما نقصت أمانة عبد قط إلا نقص إيمانه" (^٢)، فنقص الأمانة في العبد دليل على نقص الإيمان وضعفه فيه
• ولهذا لما سئل الإمام أحمد ﵀ مرة عن نقصان الإيمان احتج بهذا، قال الفضل بن زياد سمعت أبا عبد الله وسئل عن نقص الإيمان فقال: حدثنا وكيع عن سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه قال: "ما انتقصت أمانة رجل إلا نقص إيمانه" (^٣).
• حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع
_________________
(١) انظر الفتاوى (١١/ ٦٥٣).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ١٢) وفي الإيمان (ص ٦)، وعبد الله في السنة (١/ ٣٦٨) والخلال في السنة (ق ١٥٩/ ب) والآجري في الشريعة (ص ١١٨) والبيهقي في الشعب (١/ ١٩٧)، وابن بطة في الإبانة (برقم: ١١٤١).
(٣) رواه الخلال في السنة (برقم: ٧٨٩)، والآجري في الشريعة (ص ١١٨)، وابن بطة في الإبانة (برقم ١١٤٨).
[ ١٦٧ ]
فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (^١).
فبين النبي ﷺ في هذا الحديث مراتب إنكار المنكر، وأنه حسب الاستطاعة فإما أن يغير باليد أو باللسان أو بالقلب، بمعنى يكرهه بقلبه، وهذه المراتب الثلاث للإنكار يقوم بها المكلف على قدر استطاعته، ولا شك أن المرتبة الأخيرة باستطاعة جميع المكلفين، فمن رأى المنكر ولم يكرهه بقلبه وهو يعلم أنه منكر فإن هذا يكون علامة على ضعف إيمانه.
وقد احتج بهذا الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهله فيه النسائيُ في سننه فبوب له ب"باب تفاضل أهل الإيمان" (^٢).
وابن منده في كتابه الإيمان فقال: "ذكر خبر يدل على أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالأركان يزيد وينقص" (^٣) ثم ذكر حديث أبي سعيد ﵁.
وبوب له النووي في شرحه لمسلم ب "باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص … " (^٤).
_________________
(١) رواه مسلم (٢/ ٢٢ نووي).
(٢) سنن النسائي (٨/ ١١).
(٣) الإيمان لابن منده (٢/ ٣٤١).
(٤) شرح صحيح مسلم للنووي (٢/ ٢١) وانظر مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية (٣/ ٣٤٣).
[ ١٦٨ ]