رؤية الله في الدنيا يقظة غير واقعة شرعًا، وغير مُمكنة، وقد اتفقت الأمةُ على أن الله تعالى لا يراه أحدٌ في الدنيا بعينه، ولم ينازعوا في ذلك إلا ما شَذَّ من بعض غُلاة الصُّوفية؛ فقد زعموا أنه يجوز رؤية الله في الدنيا، وأنه يَزورهم ويَزورونه في الحضرة الإلهية ويَرَوْنه (^١)، وهؤلاء لا عبرة بخلافهم؛ إذ كله كذب ودجل.
ومَن ادَّعى رؤية الله في الدنيا بعيني رأسه فدعواه باطلة باتفاق أهل السنة والجماعة، وهو ضالٌّ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية-﵀-في ردِّه على مَنْ زعم رؤية الله في الدنيا يقظة: «مَنْ قال من الناس: إن الأولياء أو غيرهم يرى الله بعينه في الدنيا فهو مبتدع ضالٌّ، مُخالف للكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، لا سيما إذا ادَّعوا أنهم أفضل مِنْ موسى، فإن هؤلاء يُستتابون، فإن تابوا وإلا قُتلوا» (^٢).
وقد بَيَّن-﵀-علة عدم إمكان رؤية الله في الدنيا بالعين، حيث قال: «وإنَّما لم نَره في الدنيا لعجز أبصارنا، لا لامتناع الرؤيا، فهذه الشمس إذا حدق
_________________
(١) «المِلل والنِّحَل» للشَّهرستاني (١/ ١٠٥).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٠٤).
[ ٢٦٢ ]
الرائي البصر في شعاعها ضعف عن رؤيتها لا لامتناع في ذات المرئي، بل لعجز الرَّائي، فإذا كان في الدار الآخرة أكمل الله قُوى الآدميين حتى أطاقهم رؤيته، ولهذا لما تجلى الله للجبل خَرَّ موسى صعقًا، قال: سبحانك! تُبت إليك، وأنا أول المؤمنين بأنَّه لا يراك حيٌّ إلا مات، ولا يابس إلا تَدَهْدَه، ولهذا كان البشر يَعجزون عن رؤية المَلَك في صورته إلَّا مَنْ أيده الله، كما أيَّد نبينا ﷺ (^١).
والأدلة التي استند عليها أهل السنة في إجماعهم على عدم وقوع رؤية الله في الدنيا يقظة-كثيرة؛ منها:
قول النبي ﷺ كما في «صحيح مسلم»: «تَعَلَّمُوا أنَّه لن يرى أحدٌ مِنكم ربه-﷿-حتى يَموت» (^٢)، فهو صريح في عدم وقوع الرؤية البصرية لأحد من الناس لله جل وعلا في هذه الدار الدنيا حتى ولو كان نبيًّا؛ لأن الله-جل وعلا-قد مَنع موسى-﵇-مِنْ أن يَرَاه، وهو أحد أُولي العزم من الرسل، فكيف بمن دونه مِنْ سائر المؤمنين؟! فإن الله-جل وعلا-لما قال له موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] فمنعه من أن يراه، وفي قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ أي: لما تجلى الله للجبل تدكدك ولم يَثبت، فكيف يَثبت البشر الضعيف؟!
_________________
(١) «منهاج السنة النبوية» (٢/ ٣٣٢).
(٢) أخرجه مسلم (٢٩٣١) من حديث عبد الله بن عمر ﵁.
[ ٢٦٣ ]