فالقول بزيادة الإيمان ونقصانه له تعلق بمسألة حكم مرتكب الكبيرة، فأهل السنة لا يرون تكفير مرتكب الكبيرة دون الشرك الأكبر، ويقولون إن صاحب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته فلا يسلبون عنه اسم الإيمان بالكلية.
قال شيخُ الإسلام ابن تيمِيَّة ﵀: «وهم-أهل السُّنَّة-في باب الأسماء والأحكام والوَعْد والوَعِيد وسَطٌ بين الوَعِيدية الذين يَجعلون أهلَ الكبائر من
_________________
(١) ما بين معكوفتين من كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٢٢٦) ومختصر الحجة على تارك المحجة (٢/ ٣٧٠).
(٢) في كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٢٢٦). (فإن تركها تهاونا بها وكسلا).
[ ١٨٠ ]
المسلمين مُخلَّدين في النار، ويُخرجونهم من الإيمان بالكُليَّة، ويُكذِّبون بشفاعة النَّبي ﷺ.
وبين المُرْجِئة الذين يقولون: إيمان الفُسَّاق مثل إيمان الأنبياء، والأعمال الصَّالحات ليست من الدِّين والإيمان، ويُكذِّبون بالوعيد والعِقاب بالكُليَّة.
فيُؤمِن أهل السُّنَّة والجَمَاعَة بأن فُسَّاق المسلمين معهم بعضُ الإيمان وأصلُه، وليس معهم جميعُ الإيمان الواجِب الذي يَستوجبون به الجنة، وأنهم لا يُخلَّدون في النار؛ بل يَخرج منها من كان في قلبه مِثقالُ حبَّة من إيمان أو مِثْقال خَرْدَلة من إيمان، وأن النَّبي ﷺ ادَّخَر شفاعَتهُ لأهل الكبائِر من أمَّته» (^١).
فأهلُ السُّنَّة والجماعة لا يُوجِبون العذابَ في حقِّ كلِّ مَنْ أتى كبيرةً، ولا يَشهدون لمُسلم بعَيْنِه بالنار لأَجْلِ كبيرةٍ واحدة عَمِلَها، بل يجوزُ عندهم أن صاحِبَ الكبيرة يُدخِلُه اللهُ الجنةَ بلا عذابٍ؛ إما لحَسناتٍ تَمْحُو كبيرتَه منه أو من غيره، وإما لمَصائِبَ كفَّرَتْها عنه، وإما لدُعاءٍ مُستَجاب منه أو من غيره فيه، وإما لغير ذلك" (^٢).
فهم بذلك قد توسطوا بين المفرطين من المرجئة الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وبين الوعيدية (الخوارج والمعتزلة)؛ فالخوارج يقولون: هو كافر في الدنيا، والمعتزلة يقولون: هو في منزلة بين
_________________
(١) «مَجموع الفَتاوى» (٣/ ٣٧٤ - ٣٧٥).
(٢) انظر «مَجموع الفَتاوى» (١٢/ ٤٧٩ - ٤٨٣).
[ ١٨١ ]
المنزلتين، ويتفقون على أنه في الآخرة خالد مخلد في النار.
"ولما كان ديدن أهل السنة هو السنة هو التمسك بكتاب الله ﷿، وسنة رسوله ﷺ، والقول بما دلَّا عليه وأَدَّيا إليه؛ فقد جاء قولهم في هذا الباب وسطًا بين إفراط الخوارج وأهل الاعتزال وتفريط أهل الإرجاء" (^١).
فالإيمان عند المعتزلة والخوارج: قولٌ وعمل وعقيدة، ولكنه لا يزيد ولا ينقص، وعندهم أن الإنسان إذا ترك واجبًا؛ فإنه يكون خارجًا من الدين.
والمعتزلة لا يدخلونه في الكفر، والخوارج يدخلونه في الكفر ويخرجونه من الدين، أما المعتزلة فهم يقولون: هو في منزلة بين المنزلتين: لا مؤمن ولا كافر.
فالمعتزلةُ قالوا: إنَّ أصحابَ الكبائرِ لا مُسلمونَ ولا كفارَ، بل هم في منزلةٍ بينَ المَنزلتينِ، واتَّفقوا معَ الخوارجِ في الحكمِ الأُخرويِّ على صاحبِ الكبيرةِ: أنَّهُ مُخَلَّدٌ في النارِ.
وهذه أول بدعة ظهرت في الإسلام، وإنما أحدثوا هذا المُعتقد من سوء فهمهم للقرآن، فلم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه ما لم يدل عليه؛ فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب (^٢).
_________________
(١) «وسطية أهل السنة بين الفرق (رسالة دكتوراه)، لمحمد با كريم، (ص ٣٣٣)، دار الراية، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ -١٩٩٤ م.
(٢) انظر: «مَجموع الفَتاوى» (١٣/ ٣٠).
[ ١٨٢ ]
وأما الإيمان عند المرجئة: فشيءٌ واحد لا يتفاوت، بل إيمان أفسق الناس مثل إيمان جبريل بلا فرق، وإيمان أهل السماء وأهل الأرض عندهم سواء، ولا يكون زائدًا ولا ناقصًا، وأخرجوا جميع الأعمال من الإيمان.
قال المصنف في «مَجموع الفَتاوى»: «تنازَع النَّاس في الأسماء والأحكام؛ أي: في أسماء الدِّين، مثل: مُسلِمٍ ومُؤمِنٍ وكافِرٍ وفاسِقٍ، وفي أحكام هؤلاء في الدُّنيا والآخرة، فالمُعتَزِلة وافَقوا الخَوارِجَ على حُكْمِهم في الآخِرَة دون الدُّنيا؛ فلم يَستَحِلُّوا مِنْ دمائِهم وأموالهم ما استَحَلَّتْهُ الخوارجُ، وفي الأسماء أحدَثوا المَنزِلةَ بين المَنْزِلتينِ، وهذه خاصَّة المُعتَزِلة التي انفَردوا بها، وسائِرُ أقوالهم قد شارَكهم فيها غيرُهم» (^١).
وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ وَالدِّينَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ.
فجاء اعتقاد أهل السنة والجماعة وسط بين هؤلاء وهؤلاء؛ فالإيمان عندهم قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية؛ فتوسطوا بذلك بين المرجئة الذين أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، والخوارج والمعتزلة الذين أنكروا زيادة الإيمان ونقصانه.
فهم وَسَطٌ بينَ الخوارجِ والمُعتزلةِ، وبينَ المُرجئةِ والجهميَّةِ.
«وأهلُ السُّنَّةِ نَقاوةُ المسلمين، فهم خير الناس للناس» (^٢)، وأسعدُ النَّاسِ
_________________
(١) «مَجموع الفَتاوى» (١٣/ ٣٨).
(٢) من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عن أهل السنة، كما في «منهاج السنة» (٥/ ١٥٨).
[ ١٨٣ ]
بالحقِّ وأرحمهم بالخلق؛ فإنَّهم لم يُكَفِّروا أهلَ القِبْلَةِ بارتكابِ الكبائرِ، وإنَّما قالوا: مرتكب الكبيرة مؤمنٌ ناقصُ الإيمانِ، فهوَ مؤمنٌ بإيمانِهِ وفاسقٌ بمعصيتِهِ؛ فلم يُعطوهُ الإيمانَ المطلقَ، ولم يسلبوهُ مطلقَ الإيمانِ، ولم يَحكموا على الفاسقِ بأنَّهُ مُخَلَّدٌ في النارِ يومَ القيامةِ، بل قالوا: إنَّ مُرتكبي الكبائرِ من أهلِ القِبْلَةِ في مشيئةِ اللهِ يومَ القيامةِ؛ إن شاءَ عَفَا عنهم وأدخلَهُم الجنَّةَ بلا عذابٍ، وإن شاءَ عذَّبَهُم على قَدْرِ ذنوبِهِم، ثمَّ أدخلهمُ الجنَّةَ؛ كما قالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
ومِن المعلوم: أنَّ أهل السنة يرون أن الإيمان قول وعمل؛ قول القلب وقول اللسان، وعمل القلب وعمل اللسان، وعمل الجوارح، ويريدون بقول القلب: التصديق الذي هو العلم.
والعقيدة يُراد بها الباطن، والباطن في أصله هو مجموع الأمرين؛ أي: مجموع الفِكر والنَّظر الذي يكون في العقل، ومجموع الإرادة والعمل الذي يكون في الصَّدر، فلا بد للقلب من واجبين هما: (جانب العلم، وجانب العمل)، ففي باب الإيمان لا بد من العلم بالله، وهذا قول القلب. ولا بد من عمل القلب الذي هو (الإقرار والانقياد)، ومن ذلك: الحُب والرَّجاء والخوف والتقوى والإنابة …
وكالإيمان بكتاب الله؛ فهو إمَّا أخبار وإما أوامر، فالأخبار حقُّها التصديق، والأوامر حقُّها العمل.
[ ١٨٤ ]
وعليه لكي نكون مؤمنين بالله: أن نكون مُصَدِّقين أوَّلًا بما أخبر، ثم مُتَّبعين لما أَمَرَ ﷾.
ونجمع بين قول القلب الذي هو العِلم، وقول اللسان الذي هو النُّطق بالشهادتين.
وقد تعارف العلماء على أن المقصود بقول اللسان: هو النطق بالشَّهادتين، كما قال رسولنا ﷺ: «أُمِرْتُ أن أُقاتل الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمَن قال: لا إله إلا الله، فقد عَصم مِنِّي نفسَه ومالَه إلا بحقِّه، وحسابُه على الله» (^١).
وعمل القلب: هو الأعمال القلبية التي مجموعها (الإقرار والانقياد)، ومن ذلك الحب والخوف والرجاء والإنابة والتقوى …
وعمل اللسان: الطاعات اللسانية من ذِكر الله وقراءة القرآن والدعوة إلى الله ونحو ذلك.
وعمل الجوارح: هو المعلوم من أركان الإسلام من صلاة وصيام وحج وسائر الطاعات التي تكون متعلقة بالبدن.
ثم أهل السنة يَرون أن الإيمانَ يَزيد وينقص؛ فقد قال ﷺ: «الإيمانُ بِضْعٌ وسَبعون-أو بِضع وستون-شُعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٩٤٦) ومسلم (٢١) من حديث أبي هريرة؟.
[ ١٨٥ ]
وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعبة من الإيمان» (^١).
فعلى هذا فإن كلَّ الطاعات تُسَمَّى إيمانًا؛ فالصلاة تسمى إيمانًا؛ فعن البراء؟: «أنَّ رسول الله ﷺ صَلَّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يُعجبه أن تكون قِبلته قِبَلَ البيت، وأنَّه صَلَّى، أو صلاها، صلاة العصر وصلى معه قوم، فخرج رجلٌ ممن كان صلى معه فمَرَّ على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله، لقد صَلَّيْتُ مع النبي ﷺ قِبَلَ مَكَّة؛ فَدَاروا كما هُمْ قِبَلَ البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تُحَوَّل قِبَلَ البيت رجالٌ قُتِلوا، لَم نَدْرِ ما نقول فيهم؛ فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]» (^٢).
قال الإمام مالك ﵀: «أهل الذنوب مُؤمنون مُذنبون وقد سَمَّى الله تعالى العمل إيمانًا، وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ يريد صلاتَكم إلى بيت المقدس» (^٣).
والوضوء يسمى إيمانًا؛ ففي الحديث: «الطُّهورُ شَطْرُ الإيمان» (^٤)، أي: نصف الإيمان؛ لأنه نصف الصلاة.
وهكذا، فكل الطاعات تسمى إيمانًا.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٥) من حديث أبي هريرة؟.
(٢) أخرجه البخاري (٤٤٨٦).
(٣) «موطأ مالك» (١/ ٢٥٥ - الأعظمي).
(٤) أخرجه مسلم (٢٢٣).
[ ١٨٦ ]
والإيمانُ شُعَبٌ، كما سبق في الحديث، ومِن شُعب الإيمان ما لو زالت لزال الإيمان؛ فمثلًا (لا إله إلا الله) لو زالت لزال إيمان العبد.
وهناك شُعبة لو زالت لما زال الإيمان؛ كإماطة الأذى، فإن لم يفعل العبد ذلك ما زال إيمانُه، ولكن قد يكون هذا نقصًا في الإيمان، فعلى هذا قال ﷺ: «أدناها»، و«أعلاها»، فهي شُعَبٌ متفاوتة، وبقدر التزام العبد بتلك الطاعات يكون ذلك سببًا في زيادة إيمانه، والعكس بالعكس.
وفي المُقابل فالكفر شُعَبٌ، وكل المعاصي تسمى كفرًا، وإن كان هناك كفر دون كفر، إلا أن كل معصية فهي شُعبة من شعب الكفر.
فأهل السنة يَفترقون عن غيرهم بمسائل مهمة؛ ومنها: أن الإيمان يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
ومن الأدلة على زيادة الإيمان: قوله ﷾: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، وقوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧].
ومن الأدلة على نُقصان الإيمان: عن أبي سعيد الخدري؟، قال: «خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمر على النساء، فقال: «يا معشر النساء تَصَدَّقن؛ فإني أُريتكن أكثر أهل النار». فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: «تُكثرن اللعن، وتَكفرن العَشير، ما رأيتُ مِنْ ناقصات عقل ودين أذهبَ لِلُبِّ الرجل الحازم مِنْ إحداكن»، قلن: وما نُقصان ديننا وعقلنا
[ ١٨٧ ]
يا رسول الله؟ قال: «أَليس شهادة المرأة مِثل نِصف شهادة الرجل». قلن: بلى، قال: «فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تُصَلِّ ولم تَصُمْ؟». قلن: بلى، قال: «فذلك مِنْ نقصان دينها» (^١).
فبَيَّن النبيُّ ﷺ أن النقصان يقع في الدين (الإيمان)، كما يقع في العقل.
ثم أهلُ السنة يستثنون في الإيمان؛ لأن الإيمان هو فِعل كل الواجبات ولا يَدَّعي إنسان أنه قد فعل كلَّ الواجبات، فلا يُزَكِّي نفسه، فيصح إذًا الاستثناء في الإيمان لا على سبيل الشك، وإنما على سبيل عدم تزكية النفس، فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله.
وكذلك يَرى أهلُ السنة أن العبد قد يجتمع فيه إيمان وكفر، وقد يجتمع فيه إيمان ونفاق، وإن كان هناك كفر دون كفر ونفاق دون نفاق.
فتجد الرجل يصلي ويصوم وقد يكذب ويسرق، فهذا إن دلَّ فإنما يدل على أنه قد يجتمع فيه الإيمان وشُعبة من شُعَب الكفر؛ لذا تراه على جملة من الطاعات وكذلك يكون متلبسًا بجملة من المعاصي، فيجتمع فيه الإيمان والكفر غير المخرج من الملة (أي: كفر دون كفر).
ولذلك كان الصَّحابة يخشون على أنفسهم النفاق؛ فعمر-﵁-يسأل حذيفة-﵁-وهو أمين سِرِّ رسول الله ﷺ: «أَنْشُدُكَ اللهَ، هل سَمَّانِي
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٠٤) واللفظ له، وأخرجه مسلم (٧٩) من حديث ابن عمر ﵄.
[ ١٨٨ ]
لك رَسُولُ اللهِ. يعني في المنافقين! فيقول: لا، ولا أزَكِّي بعدك أحدًا» (^١).
فالنفاق على نوعين: أكبر وأصغر.
فالأكبر: هو الكفر التام الذي يُبطنه صاحبه.
والأصغر بأن يكون في قلب صاحبه مادة إيمان ومادة كفر؛ وعلى حسب قُربه من أحدهما يُختم له به؛ نسأل الله العافية من الكفر والنفاق، ونسأله الوفاة على الإيمان!