اختلف الناس في مسألة مسمى الإيمان:
فهناك من قال: "إن الإيمان قول واعتقاد وعمل يزيد وينقص" (^١).
وهناك من قال: "إن الإيمان قول واعتقاد وعمل لكن لا يزيد ولا ينقص" (^٢).
وهناك من قال: "إن الإيمان هو المعرفة" (^٣).
_________________
(١) انظر كتاب الإيمان للقاسم بن سلام صفحة (١٠) و(٤٤).
(٢) انظر كتاب التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع صفحة (٤٣)، وكتاب الملل والنحل، الجزء الأول، صفحة (١٤١).
(٣) انظر كتاب السنة لعبد الله بن أحمد الجزء الأول صفحة (٣٠٥).
[ ١٥٩ ]
وهناك من قال: "إن الإيمان قول اللسان" (^١).
وهناك من قال: "إن الإيمان هو التصديق" (^٢).
وهناك من قال: "إن الإيمان هو التصديق والقول" (^٣).
هذه جملة أقوال، والمسألة تحتاج إلى شيءٍ من البيان والتوضيح والبسط.
ونأتي أولًا إلى قول أهل السنة وهو ما أورده المصنف هنا، حيث قال: " والإيمان قول وعمل يزيد وينقص زيادته إذا أحسنت ونقصانه إذا أسأت".
فإن الناظر إلى هذا الإنسان باعتبار ما يجب عليه تجاه ما أخبر الله به وما أمر الله تعالى به؛ فنصوص الشرع لا تخرج عن أمرين: إما أخبارٌ وإما أوامر، فالأخبار حقها التصديق بأن تُصدق بها، والأوامر حقها أن تعمل بها، كما جاء في الحديث "إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن نهيٍ فانتهوا" (^٤).
فأنت مأمور بأن تتبع، وأن تعمل بهذه الأوامر بحسب ما يأتي من حكمٍ عليها، فهذه الأمور أي الوحي تأتي لهذا الإنسان، وأول ما تأتي إليه في
_________________
(١) انظر كتاب الإيمان لابن تيمية صفحة (٣٠٣)، وكتاب الرَّوضُ البَاسمْ في الذِّبِّ عَنْ سُنَّةِ أبي القَاسِم الجزء الأول، صفحة (٢٤٠).
(٢) انظر كتاب رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت صفحة (٢٧٣).
(٣) انظر كتاب الفقه الأكبر صفحة (٥٥)، وكتاب لوامع الأنوار البهية الجزء الأول، صفحة (٤١٦).
(٤) رواه البخاري (٤/ ٤٢٢) ومسلم (٧/ ٩١) وأحمد (٢/ ٢٥٨).
[ ١٦٠ ]
باطنه؛ لأنه لابد وأن يعلم أن الصلاة مثلًا ركنٌ من أركان الإسلام، ثم إذا جئت إلى الصلاة تجد أن منها فرائض ومنها نوافل، ثم أن هذه النوافل منها سنن رواتب ومنها غير ذلك، فهذا أول ما يقابله بالعلم.
فإذًا هذا الإيمان سيخاطب هذا الباطن في الإنسان، وأول ما يخاطب أن يصدق بما أخبر الله به.
والثاني: أن ينقاد لأمر الله، فلابد أن يحصل الانقياد والتسليم لأوامر الله، فليس لك حق الاعتراض أن تقول: لا بدل خمس صلوات نجعلها ثلاثة أو نجعلها ستة، فهي خمس صلوات في اليوم الليلة لابد من أدائها في أوقاتها، فأصبح عليه أن يصدق وعليه أن ينقاد.
ومعلوم أن هنا ثلاثة أحوال:
القلب، والقلب يشمل أمرين:
يشمل جانب العلم، ويشمل جانب الإرادة هذا القلب.
والجانب الثاني: جانب اللسان.
والجانب الثالث: جانب الجوارح.
فهناك قول القلب، وعمل القلب، وقول اللسان، وعمل اللسان، وهناك عمل الجوارح فهذه خمسة، فإذا جئت إلى قول القلب فهذا هو العلم الذي هو التصديق فعليه أن يعلم هذه الأشياء ويصدق بها، هذا الواجب الأول على القلب، والقلب هو الباطن، والباطن مجموع الأمرين وهذه هي العقيدة.
[ ١٦١ ]
لذلك قال المصنف: "الإيمان قولٌ وعمل"، فالقول هنا هو العلم والتصديق، تعلم وتصدق، هذا واجبٌ على الإنسان لكي يكون مؤمنًا، وهذا وحده لا يكفي فلو قال قائل: أنا أعلم أن الصلوات خمس وهي كذا وكذا وهيئتها كذا لكن لن أصلي، فهو بهذا لا يكون مؤمنًا إذ لابد من الجانب الثاني.
والجانب الثاني: هو انقياد القلب، فهذه الإرادة لابد أن تنقاد لهذه الأخبار وهذه الأوامر، ولذلك يأتي عمل القلب، والقلب أعماله كثيرة، منها مثلًا الإخلاص، والمحبة، والخوف، والرجاء، والتوكل، والإنابة، والخشية، والتقوى، ولذلك النبي ﷺ لما ذكر التقوى قال: «التقوى هاهنا التقوى هاهنا التقوى هاهنا وأشار بيده على صدره» (^١)، فهذه أعمال القلوب، وهي التي تنطلق إلى سائر الجوارح
وأما قول اللسان وعمل اللسان، فقول اللسان جعله العلماء النطق بالشهادتين لأن هذا هو الفيصل بين الإسلام والكفر، «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله» (^٢)، فأول ما يدخل الإنسان في الإسلام يُطالب بعد تطهره يطالب بالنطق بالشهادتين، فهذا يسميه العلماء: قول اللسان، فجعلوه في النطق بالشهادتين.
_________________
(١) انظر صحيح مسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله برقم (٢٥٦٥)، وأحمد (٧٦٧٠).
(٢) انظر صحيح البخاري كتاب الإيمان، باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم برقم (٢٥)، ومسلم كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويؤمنوا بجميع ما جاء به النبي ﷺ وأن من فعل ذلك عصم نفسه وماله إلا بحقها ووكلت سريرته إلى الله تعالى وقتال من منع الزكاة أو غيرها من حقوق الإسلام واهتمام الإمام بشعائر الإسلام، برقم (٢٥).
[ ١٦٢ ]
وأما عمل اللسان: فمنه قراءة القرآن وتلاوته، وذكر الله ﷿، والتسبيح، والتهليل هذا كله عمل اللسان.
وأما أعمال الجوارح، فمنها الركوع والسجود والصوم والجهاد وغض البصر وغيرها فهذه أعمال الجوارح، وهذا بكله هو الذي يُسمى إيمانًا عند أهل السنة.
وأما قول المصنف: "يزيد وينقص "
فأهل السنة يؤمنون أن الإيمان يزيد وينقص، ومن الأدلة على ذلك: