قال المصنف-رحمه الله تعالى-:
"أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم، ولزوم السنة [والجماعة] (^١).
فقد علمتم ما حل بمن خالفها، وما جاء فيمن اتبعها، [فإنه] (^٢) بلغنا عن النبي ﷺ-أنه قال: "إن الله-﷿-ليدخل العبد الجنة بالسنة يتمسك بها" (^٣).
الحث على التمسك بالسنة والتحذير من البدع هو وصية النبي ﷺ ووصية السلف الصالح من بعده من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومن جاء بعدهم،
_________________
(١) ما بين المعكوفتين موجودة في مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٥) ومختصر الحجة على تارك المحجة (٢/ ٣٦٧).
(٢) ما بين المعكوفتين موجودة في مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٥) ومختصر الحجة على تارك المحجة (٢/ ٣٦٨).
(٣) تخريج الحديث: • أورده المصنف الإمام أحمد هنا بلاغا (٣/ ٣٩). • وأخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٣٤٣ - ٣٤٤ رقم ٢١٥) عن أَبي حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَجَا، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَيُّوبَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْمِحْوَرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ، كَاتِبُ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُسْلِمٍ اللَّخْمِيِّ، مِنْ أَهْلِ الشَّامِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُدْخِلُ الْعَبْدَ الْجَنَّةَ بِالسُّنَّةِ يَتَمَسَّكُ بِهَا». =
[ ٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأورده الشاطبي في " الاعتصام " (١/ ٥١) وعزاه إلى ابن وهب مرسلًا. وسند ابن بطة ضعيف لإرساله، وفيه أبو صالح المصري عبد الله بن صالح كاتب الليث صدوق كثير الغلط ثبت في كتابه وكانت فيه غفلة، كما في تقريب التهذيب. (١/ ٥٠١)، (وقال ابن حبان كان في نفسه صدوقا إنما وقعت المناكير في حديثه من قبل جار له فسمعت ابن خزيمة يقول: كان له جار كان بينه وبينه عداوة، كان يضع الحديث على شيخ أبي صالح ويكتبه بخط يشبه خط عبد الله ويرميه في داره بين كتبه، فيتوهم عبد الله أنه خطه، فيحدث به). كما في ميزان الاعتدال في نقد الرجال للذهبي. (٤/ ١٢٢ رقم ٤٣٨٨). وقال ابن حبان: هو منكر الحديث جدا، يروي عن الأثبات ما ليس من أحاديث الثقات كما في البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير لابن الملقن (٣/ ٤٤٢). وله شاهد من مسند عائشة، وزيد بن أرقم ﵁ رضي الله، وأنس بن مالك عنهم: فأما حديث عائشة • فأخرجه الدارقطني في الأفراد (ص: ١١٤) برقم: (٥٢)، ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ١٩٩ - ٢٠٠) برقم: (٣١٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ١٤٥)، والرافعي في التدوين في أخبار قزوين (٢/ ٢٤٢) من طريق محمد بن حماد المصيصي، عن سعيد بن رحمة، عن محمد بن شهيب بن شابور، عن عمر مولى عفرة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عنها ﵂، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ تَمَسَّكَ بِالسُّنَّةِ دَخَلَ الْجَنَّةَ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا السُّنَّةُ؟ فَقَالَ: "حُبُّ أَبِيكَ وَصَاحِبِهِ". قال الدارقطني: "هذا حديث غريب من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وهو غريب من حديث عمر مولى غفرة، عن هشام، لم نكتبه إلا عن هذا الشيخ، بهذا الإسناد". وعمر مولى غفرة هو: بن عبد الله المدني ضعيف وكان كثير الإرسال كما في تقريب التهذيب - (١/ ٧٢١)، وفيه سعيد بن رحمة، قال ابن حبان: لا يجوز أن يحتج به لمخالفته الأثبات كما في ميزان الاعتدال في نقد الرجال- (٣/ ١٩٩ رقم ٣١٧٥ (٣٧١٤ ت).
[ ٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأورده السيوطي في الجامع الصغير من حديث البشير النذير. (٢/ ٣٢٣ رقم ٨٦٠٣) ورمز له بالضعف وضعف إسناده المناوي عند شرحه في التيسير بشرح الجامع الصغير (٢/ ٧٩٦) وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (٦/ ٢٥٠ - ٢٥٢ رقم ٢٧٢٧). وأما حديث زيد بن أرقم ﵁ فروي على وجهين: الوجه الأول: • أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٣٠٨ - ٣٠٩) من طريق عمر بن إبراهيم الهاشمي، عن موسى بن يسار، عن أبي معن الهمداني، عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله ﷺ: «من تمسك بسنتي وثبت نجا، ومن أفرط مرق، ومن خالف هلك». الوجه الثاني: • أخرجه الهروي في ذم الكلام وأهله (٤/ ٢٨٦) برقم: (٧٤٤) من طريق ابن بطة المتقدم موقوفًا على زيد بن أرقم. وفي سنده عمر بن إبراهيم الهاشمي أحد المتروكين، قال الدارقطني: كان كذابا يضع الحديث، وقال ابن حبان روى عن الثقات ما لم يحدثوا به قط لا يجوز الاحتجاج بخبره، وقال أبو بكر الخطيب كان غير ثقة يروي المناكير عن الأثبات) كما في الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٢/ ٢٠٤ رقم ٢٤٣٧). وأما حديث أنس بن مالك ﵁: • أخرجه الطبراني في الأوسط (٩/ ١٦٨) برقم: (٩٤٣٩) من طريق أبو جعفر النفيلي، حدثني عاصم بن سعيد، عن معبد بن خالد، عن أنس بن مالك قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ-ﷺ: «مَنْ أَحْيَا سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ» ". • وأخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٥٨) برقم: (٨) من طريق كثير بن عبيد، ومحمد بن المصفى الحمصي، عن بقية بن وليد، عن عاصم به.
[ ٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأخرجه ابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (ص: ١٥٢) برقم: (٥٢٧). • وأخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٢١٠) برقم: (٥١) من طريق دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، ثنا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي ابْنٌ لِأَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ به. • وأخرجه العقيلي في الضعفاء الكبير (٢/ ١٩٦) برقم: (١٦٠٥) من طريق إسحاق بن راهويه، قال: حدثنا بقية بن الوليد به. • وأخرجه العقيلي في الضعفاء الكبير (٤/ ٤٤٦) برقم: (٤٥٦٠) من طريق نعيم بن حماد، قال: حدثنا بقية، عن عياض بن سعيد المازني، قال: حدثني سعيد بن خالد بن أنس بن مالك، عن أنس بن مالك به. ونعيم بن حماد صدوق يخطئ كثيرًا، فقيه عارف بالفرائض، كما قال الحافظ في تقريب التهذيب (١/ ١٠٠٦). فخالف الثقات عن بقية بن وليد في رواية العقيلي. والطريقان: عاصم بن سعيد عن معبد بن خالد، عن أنس. وعاصم بن سعيد، عن خالد بن أنس، عن انس محفوظان؛ لرواية الثقات عنهما. لكن معبد بن خالد، وخالد بن أنس مجهولان كما قال ابن حجر. تقريب التهذيب (١/ ٩٥٧)، ولسان الميزان (٢/ ٣٧٣). وعاصم بن سعيد قال عنه العقيلي: "مجهول بالنقل". ينظر: لسان الميزان (٤/ ٣٦٨). فعلى ما سبق أن هذا الحديث لا يصح. قال الحافظ ابن حجر "خالد بن أنس عن أنس بن مالك لا يعرف وحديثه منكر جدا". لسان الميزان (٢/ ٣٧٣). خلاصة الحكم: فعلى ضوء ما سبق أن الحديث لا يصح لفظه، لكن معناه صحيح.
[ ٦٩ ]
فعن العرباض بن سارية (^١) ﵁ قال: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون. فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» (^٢).
فوصية النبي ﷺ لأصحابه ولأمته من بعدهم هي أن يتمسكوا بما سنه من أحكام وتشريعات أشد التمسك وأن يحذروا الابتداع في الدين وحكم على تلك المحدثات بالضلال والانحراف عن الطريق الذي رسمه.
وقد رسم النبي ﷺ في هذا الحديث ركيزتين أساسيتين في هذا الدين هما:
١ - الاتباع.
_________________
(١) العرباض بن سارية السلمي أبو نجيح، صحابي مشهور من أهل الصفة، مات سنة خمس وسبعين للهجرة وقيل قبل ذلك. الإصابة (٢/ ٤٦٦).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ١٢٦، ١٢٧). وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة: باب في لزوم السنة (٥/ ١٣، ١٥) ح ٤٦٠٧، وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب العلم: باب في الأخذ بالسنة واجتناب البدعة (٥/ ٤٤) ح ٢٦٧٦ وقال: هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة في سننه، في المقدمة: باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين (١/ ١٦). وابن حبان في صحيحه (١/ ١٣٩) والحاكم في المستدرك (١/ ٩٦) وصححه ووافقه الذهبي، والآجري في الشريعة (٤٦، ٤٧)، والدارمي في سننه، باب اتباع السنة (١/ ٤٤، ٤٥) وقال الألباني: سنده صحيح، وصححه جماعة منهم الضياء المقدسي في اتباع السنن واجتناب البدع، انظر: مشكاة المصابيح (١/ ٥٨) ح ١٦٥.
[ ٧٠ ]
٢ - ترك الابتداع.
ولقد سار الصحابة رضوان الله عليهم على هذه الوصية النبوية وعملوا بها، فلم يحيدوا عن سنته ﷺ، بل عملوا بها ونقلوها للأمة المحمدية من بعدهم كما سمعوها منه ﷺ وكذلك فقد كانوا أشد الناس تمسكا بسنته، وأشدهم محاربة للابتداع، في الدين، وقد كان في هذا صلاحهم وفلاحهم ونجاتهم ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها.
ومن المؤسف أن بعضًا من المسلمين في وقتنا الحاضر قد اختلت عندهم كلا الركيزتين فتركوا الاتباع والاقتداء بسنة النبي ﷺ حتى أصبحت السنة عندهم أمرا مستغربا مستنكرا لجهلهم بها وبعدهم عنها واستبدلوا بذلك البدع التي لا أصل لها ولا دليل عليها من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، فاتخذوها دينا يدينون به فانعكست بذلك الموازين لديهم فأصبحوا يرون الحق باطلا والباطل حقا، والمعروف منكرا والمنكر معروفا، وما ذلك إلا لكونهم لم يعرفوا من الإسلام إلا اسمه ولا من الدين إلا رسمه بسبب ما هم عليه من قلة العلم وعدم معرفتهم بالسنة.
فأين هؤلاء من وصية المصطفى ﷺ بأن يتبعوا ولا يبتدعوا.
والبدعة تكون:
إما باعتقاد خلاف الحق، الذي بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه. وهذه هي البدعة الاعتقادية، أو القولية، ومنشؤها من القول على الله بلا علم. وهذا
[ ٧١ ]
من أعظم المحرمات، بل هو-كما يقول ابن القيم-أعظمها. كما قال الله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣].
وإما أن تكون بالتعبد الله تعالى بما لم يشرعه من الأوضاع والرسوم المحدثة في الدين، كما قال تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ [الشورى: ٢١]. وفي الحديث: "إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة".
ورد عن الإمام أحمد عدة نصوص في الحث على اتباع السنة ومنها قوله: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء بهم وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة، وترك الخصومات والجلوس مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين.
والسنة عندنا آثار رسول الله ﷺ، والسنة تفسر القرآن وهي دلائل القرآن، وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء إنما هي الاتباع وترك الهوى" (^١).
وقال أيضا: "الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه ثم هو بعد مع التابعين مخير" (^٢).
_________________
(١) السنة للالكائي (١/ ١٥٦).
(٢) إيقاظ همم أولي الأبصار (ص ١١٣).
[ ٧٢ ]