فبعضهم أوصلها إلى عشر شفاعات وهو الراجح-إن شاء الله-لما تدل عليه الأحاديث الصحيحة وتقوم عليه الأدلة وهي كما يلي:
الأولى: الشفاعة العظمى: وهي في فصل الموقف بعد دلالة الرسل عليه واعتذارهم عنها.
• فعن أبي هريرة ﵁ قال: أتي رسول الله ﷺ يومًا بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة فقال: «أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب مالا يطيقون ومالا يحتملون.
فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه ألا ترون
[ ٢٧٤ ]
ما قد بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟
فيقول بعض الناس لبعض: ائتوا آدم فيأتون آدم فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما قد بلغنا.
فيقول آدم: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته نفسي، نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح.
فيأتون نوحًا فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض وسماك الله عبدا شكورا اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا.
فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي نفسي، نفسي اذهبوا إلى إبراهيم ﷺ.
فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما قد بلغنا.
فيقول لهم إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله وذكر كذباته نفسي، نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى.
فيأتون موسى ﷺ فيقولون: يا موسى أنت رسول الله فضلك الله
[ ٢٧٥ ]
برسالاته وبتكليمه على الناس اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا.
فيقول لهم موسى ﷺ: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قتلت نفسًا لم أو مر بقتلها نفسي، نفسي اذهبوا إلى عيسى ﷺ.
يأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمت الناس في المهد وكلمة منه ألقاها إلى مريم وروح منه فاشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا.
فيقول لهم عيسى ﷺ: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر له ذنبا نفسي، نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد ﷺ.
فيأتوني فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا. فانطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه لأحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه اشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: يا رب أمتي، أمتي فيقال يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من
[ ٢٧٦ ]
أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى» (^١)
• وعن أنس أن النبي ﷺ قال: «يجمع الله المؤمنين يوم القيامة كذلك فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا.
فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أما ترى الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء اشفع لنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا.
فيقول: لست هناك، ويذكر لهم خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض.
فيأتون نوحا فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن.
فيأتون إبراهيم فيقول: لست هناكم، ويذكر لهم خطاياه التي أصابها، ولكن ائتوا موسى عبدا آتاه الله التوراة وكلمه تكليما.
فيأتون موسى فيقول: لست هناكم، ويذكر لهم خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمته وروحه.
فيأتون عيسى فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدا ﷺ عبدا غفر
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣١٦٢) ٣/ ١٢١٥، ورقم (٤٤٣٥) ٤/ ١٧٤٥، ومسلم رقم (١٩٤) ١/ ١٨٤ - ١٨٥ واللفظ له، والنسائي في السنن الكبرى رقم (١١٢٨٦) ٦/ ٣٧٨، وأحمد رقم (٩٦٢١) ٢/ ٤٣٥، والترمذي رقم (٢٤٣٤) ٤/ ٦٢٢، وأخرجه البخاري أيضًا من حديث أنس بن مالك رقم (٧٠٠٢) ٦/ ٢٧٠٨، ومن حديث ابن عمر رقم (٤٤٤١) ٤/ ١٧٤٨.
[ ٢٧٧ ]
له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
• فيأتونني فأنطلق فأستأذن على ربي فيؤذن لي عليه، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: لي ارفع محمد وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: ارفع محمد وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها ربي، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: ارفع محمد قل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فأقول: يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود؛ قال النبي ﷺ: «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه ما يزن من الخير ذرة» (^١)
• وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لكل نبي دعوة فأريد إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٤٤) ١/ ٢٤، ورقم (٦٩٧٥) ٦/ ٢٦٩٥ - ٢٦٩٦، ومسلم رقم (١٩٣) ١/ ١٨٢، والنسائي في السنن الكبرى رقم (١١٢٤٣) ٦/ ٣٦٤، وابن ماجه رقم (٤٣١٢) ٢/ ١٤٤٢، وأحمد رقم (١٢١٧٤) ٣/ ١١٦، وابن حبان رقم (٧٤٨٤) ١٦/ ٥٢٨.
(٢) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رقم (٧٠٣٦) ٦/ ٢٧١٨، ورقم (٥٩٤٥) ٥/ ٢٣٢٣، ومسلم رقم (١٩٨ - ١٩٩) ١/ ١٨٨ وزاد فهي: نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا".
[ ٢٧٨ ]
• وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كل نبي سأل سؤلا، أو قال لكل نبي دعوة قد دعا بها فاستجيب، فجعلت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة». (^١)
• وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة (^٢)، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٥٩٤٦) ٥/ ٢٣٢٣، ومسلم رقم (٢٠٠) ١/ ١٩٠.
(٢) وقال النووي: "قوله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع». قال الهروي: «السيد»: هو الذي يفوق قومه في الخير. وقال غيره: هو الذي يفزع إليه في النوائب والشدائد فيقوم بأمرهم ويتحمل عنهم مكارههم ويدفعها عنهم. وأما قوله ﷺ يوم القيامة-مع أنه سيدهم في الدنيا والآخرة-فسبب التقييد أن في يوم القيامة يظهر سؤدده لكل أحد ولا يبقى ممانع ولا معاند ونحوه، بخلاف الدنيا فقد نازعه ذلك فيها ملوك الكفار وزعماء المشركين وهذا التقييد قريب من معنى قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر الآية: ١٦]، مع أن الملك له سبحانه قبل ذلك لكن كان في الدنيا من يدعى الملك أو من يضاف إليه مجازا فانقطع كل ذلك في الآخرة. قال العلماء وقوله: ﷺ «أنا سيد ولد آدم» لم يقله فخرًا بل صرح بنفي الفخر في غير مسلم في الحديث المشهور: «أنا سيد ولد أدم ولا فخر»، وإنما قاله لوجهين: أحدهما: امتثال قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى الآية: ١١]. والثاني: أنه من البيان الذي يجب عليه تبليغه إلى أمته ليعرفوه ويعتقدوه ويعملوا بمقتضاه ويوقروه ﷺ بما تقتضي مرتبته كما أمرهم الله تعالى. وهذا الحديث دليل لتفضيله ﷺ على الخلق كلهم لأن مذهب أهل السنة أن الآدميين أفضل من الملائكة، وهو أفضل الآدميين وغيرهم. وأما الحديث الآخر «لا تفضلوا بين الأنبياء» فجوابه من خمسة أوجه: أحدهما: أنه ﷺ قاله قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم فلما علم أخبر به. والثاني: قاله أدبا وتواضعا. والثالث: أن النهي إنما هو عن تفضيل يؤدي إلى تنقيص المفضول. والرابع: إنما نهي عن تفضيل يؤدي إلى الخصومة والفتنة كما هو المشهور في سبب الحديث. والخامس: أن النهي مختص بالتفضيل في نفس النبوة فلا تفاضل فيها، وإنما التفاضل بالخصائص وفضائل أخرى. ولا بد من اعتقاد التفضيل فقد قال الله تعالي: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة الآية: ٢٥٣] ". (شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/ ٣٧ - ٣٨).
[ ٢٧٩ ]
وأول مشفع (^١) (^٢)
قال ابن عبد البر: "في قوله ﷺ «فاختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة». وفي هذا الحديث إثبات الشفاعة وهو ركن من أركان اعتقاد أهل السنة، وهم مجمعون أن تأويل قول الله ﷿:﴾ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ
_________________
(١) قوله ﷺ: «وأول شافع وأول مشفع»، إنما ذكر الثاني لأنه قد يشفع اثنان فيشفع الثاني منهما قبل الأول، والله أعلم". شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/ ٣٧ - ٣٨.
(٢) أخرجه مسلم رقم (٢٢٧٨) ٤/ ١٧٨٢، وأبو داود رقم (٤٦٧٣) ٤/ ٢١٨، وأحمد رقم (١٠٩٨٥) ٢/ ٥٤٠، وابن أبي شيبة رقم (٣١٧٢٨) ٦/ ٣١٧، ورقم (٣٥٨٤٩) ٧/ ٢٥٧، ومن حديث أبي سعيد عند ابن ماجه رقم (٤٣٠٨) ٢/ ١٤٤٠، والترمذي من حديثه رقم (٣٦١٥) ٥/ ٥٧٨، ورقم (٣١٤٨) ٥/ ٣٠٨، وابن حبان من حديث واثلة بن الأسقع رقم (٦٢٤٢) ١٤/ ١٣٥، ورقم (٦٤٧٥) ١٤/ ٣٩٢ بلفظ: إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى بني هاشم من قريش واصطفاني من بني هاشم فأنا سيد ولد آدم ولا فخر وأول من تنشق عنه الأرض وأول شافع وأول مشفع"، والدارمي من حديث جابر بن عبد الله رقم (٤٩) ١/ ٤٠ ولفظه: " أنا قائد المرسلين ولا فخر وأنا خاتم النبيين ولا فخر وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر".
[ ٢٨٠ ]
مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء الآية: ٧٩]، المقام المحمود هو شفاعته ﷺ في المذنبين من أمته، ولا أعلم في هذا مخالفًا إلا شيئًا رويته عن مجاهد، وقد روي عنه خلافه على ما عليه الجماعة فصار إجماعًا منهم والحمد لله". (^١)