• عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قلنا يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة؟
قال: «هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوا». قلنا: لا.
قال: «فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما».
ثم قال: «ينادي مناد ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر وغبرات من أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير بن الله. فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا؛ فيقال: اشربوا فيتساقطون في جهنم. ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد؛ فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا. فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم. حتى يبقى من كان يعبد الله من بر
_________________
(١) أخرجه ابن حجر في المطالب العالية رقم (٤٥٧٦) ١٨/ ٥٨٩.
[ ٢٩٤ ]
أو فاجر، فيقال لهم: ما يحبسكم وقد ذهب الناس. فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم، وإنا سمعنا مناديًا ينادي ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر ربنا. قال: فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة؛ فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء. فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه. فيقولون: الساق. فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن؛ ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا؛ ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم». قلنا: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: «مدحضة مزلة عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شكوة عقيفة تكون بنجد يقال لها السعدان؛ المؤمن عليها كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحبا، فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمن يومئذ للجبار، وإذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا. فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار، فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا ثم يعودون. فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه؛ فيخرجون من عرفوا ثم يعودون. فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال
[ ٢٩٥ ]
ذرة من إيمان فأخرجوه؛ فيخرجون من عرفوا».
قال أبو سعيد فإن لم تصدقوني فاقرؤوا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء الآية: ٤٠]، «فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار: بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواما قد امتحشوا فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له ماء الحياة، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل السيل قد رأيتموها إلى جانب الصخرة إلى جانب الشجرة فما كان إلى الشمس منها كان أخضر وما كان منها إلى الظل كان أبيض فيخرجون كأنهم اللؤلؤ فيجعل في رقابهم الخواتيم؛ فيدخلون الجنة. فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه فيقال لهم لكم ما رأيتم ومثله معه» (^١).
• وعن أبي هريرة ﵁ أن الناس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ: «هل تضارون في القمر ليلة البدر». قالوا: لا يا رسول الله. قال: «فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب». قالوا: لا يا رسول الله. قال: «فإنكم ترونه، كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس، الشمس ويتبع من كان يعبد القمر، القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت، الطواغيت، وتبقى هذه الأمة
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٧٠٠١) ٦/ ٢٧٠٦، ومسلم رقم (١٨٣) ١/ ١٦٧، والطيالسي رقم (٢١٧٩) ص ٢٨٩، وأبو نعيم المسند المستخرج على صحيح مسلم رقم (٤٥٨) ١/ ٢٤٨، والدارقطني في رؤية الله رقم (١٠) ص ٣٠، وأبو عوانة في مسنده رقم (٤٤٩) ١/ ١٥٥.
[ ٢٩٦ ]
فيها شافعوها أو منافقوها». شك إبراهيم «فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاءنا ربنا عرفناه. فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه، ويضرب الصراط بين ظهري جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم، سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم السعدان» قالوا: نعم يا رسول الله. قال: «فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم المؤمن يبقى بعمله، أو الموبق بعمله، أو الموثق بعمله، ومنهم المخردل أو المجازى، أو نحوه، ثم يتجلى، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله أن يرحمه ممن يشهد أن لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار بأثر السجود تأكل النار بن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون تحته كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار هو آخر أهل النار دخولًا الجنة؛ فيقول: أي رب اصرف وجهي عن النار فإنه قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها، فيدعو الله بما شاء أن يدعوه. ثم يقول الله: هل عسيت إن أعطيت ذلك أن تسألني غيره. فيقول: لا، وعزتك لا أسألك غيره، ويعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء؛ فيصرف الله وجهه عن النار فإذا
[ ٢٩٧ ]
أقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله إن يسكت ثم يقول أي رب قدمني إلى باب الجنة. فيقول الله له: ألست قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسألني غير الذي أعطيت أبدا، ويلك يا بن آدم ما أغدرك. فيقول: أي رب ويدعو الله. حتى يقول: هل عسيت إن أعطيت ذلك أن تسأل غيره. فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره. ويعطي ما شاء من عهود ومواثيق فيقدمه إلى باب الجنة فإذا قام إلى باب الجنة انفهقت له الجنة فرأى ما فيها من الحبرة والسرور، فيسكت ما شاء الله أن يسكت. ثم يقول: أي رب أدخلني الجنة. فيقول الله: ألست قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسأل غير ما أعطيت، فيقول: ويلك يا بن آدم ما أغدرك. فيقول: أي رب لا أكونن أشقى خلقك؛ فلا يزال يدعو حتى يضحك الله منه، فإذا ضحك منه قال له ادخل الجنة، فإذا دخلها قال الله له: تمنه. فسأل ربه وتمنى حتى إن الله ليذكره يقول: كذا وكذا حتى انقطعت به الأماني. قال الله: ذلك لك ومثله معه». وفي لفظ «وعشرة أمثاله معه» (^١)
• وفي المسند من حديث أبي سعيد مرفوعًا: "ثم يشفع الأنبياء في كل من كان يشهد أن لا إله إلا الله مخلصًا، فيخرجونهم منها، قال: ثم يتحنن الله برحمته على من فيها فما يترك فيها عبدًا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا أخرجه منها" (^٢)
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٧٠٠٠) ٦/ ٢٧٠٤ - ٢٧٠٥، ومسلم رقم (١٨٢) ١/ ١٦٣، وأحمد رقم (٧٧٠٣) ٢/ ٢٧٥، ورقم (٧٩١٤) ٢/ ٢٩٣، ورقم (١٠٩١٩) ٢/ ٥٣٣، والنسائي في السنن الكبرى رقم (١١٤٨٨) ٦/ ٤٥٧، وابن حبان رقم (٧٤٢٩) ١٦/ ٤٥٠، وعبد الرزاق رقم (٢٠٨٥٦) ١١/ ٤٠٧.
(٢) رواه أحمد في مسنده: (١١٠٩٦) قال الشيخ مقبل: "الحديث بهذا السند حسن" انظر الشفاعة للوادعي: (١/ ١١٩).
[ ٢٩٨ ]
• وعن أبي سعيد ﵁ قال: "فيقول الله ﷿: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين" (^١)
• وأخرج الإمام أحمد من مسند أبي بكر الصديق في إثبات شفاعة الصالحين والمؤمنين قوله ﷺ: «ثم يقال: ادعوا الأنبياء، فيشفعون، ثم يقال: ادعوا الصديقين، فيشفعون، ثم يقال: ادعوا الشهداء فيشفعون (^٢). (^٣)
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٨٣).
(٢) ويدخل في ذلك الصديقون والشهداء والصالحون. أي وكذلك الصديقون يشفعون، الصديق: على وزن فِعِّيل، وهو من قوي تصديقه وإيمانه بالله، فأحرق بقوة تصديقه الشبهات والشهوات، وفي مقدمتهم الصديق الأكبر أبو بكر ﵁. ودرجة الصديق أعلى من الشهداء، كما في حديث: «أثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان»، فالترتيب مقصود. ثم درجة الشهداء: الشهيد: هو الذي بذل نفسه رخيصة في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله، فإنه بذل أغلى ما يملك وهي نفسه التي بين جنبيه، فقاتل أعداء الله، لإعلاء كلمة الله. ثم درجة الصالحين: الصالحون: على تفاوتهم فيما بينهم،
(٣) منهم السابقون، وهي أعلى الدرجات، وهم الذين داوموا على الفرائض والنوافل، وتركوا المحرمات والمكروهات،
(٤) ومنهم المقتصدون، وهم الذين اقتصروا على أداء الفرائض وترك المحرمات، ولم يفعلوا النوافل وقد يفعلون بعض المكروهات.
(٥) ومنهم الظالمون لأنفسهم، والظالمون لأنفسهم موحدون مؤمنون، لكنهم قصروا في بعض الواجبات، أو فعلوا بعض المحرمات، فهؤلاء عندهم أصل الصلاح وأصل التقوى، فينفعهم هذا الصلاح والتقوى في عدم الخلود في النار، ولكنهم قد يدخلون النار ويعذبون، لكن في النهاية مآلهم إلى الجنة والسلامة.
(٦) رواه أحمد (١/ ٤) (١٥)، والبزار (١/ ١٤٩) (٧٦)، وابن أبى عاصم (٨١٢)، وأبو يعلى (١/ ٥٦) (٥٦)، وابن حبان (١٤/ ٣٩٣) (٦٤٧٦). قال ابن القيم في «حادي الأرواح» (٢٥٥): متواتر، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٧٧): رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه والبزار ورجالهم ثقات، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١/ ٢٩).
[ ٢٩٩ ]
• وكذا حديث أبي بكرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يحمل الناس على الصراط، فينجي الله من شاء برحمته ثم يؤذن للملائكة، والنبيين، والشهداء، والصديقين فيشفعون» الحديث (^١).
كما ثبت أيضًا حصول شفاعة المؤمنين لإخوانهم قبل يوم القيامة، وذلك في الدنيا، وهي استشفاعهم إلى الله تعالى في الصلاة على من مات منهم بالرحمة والغفران والتجاوز.
• فعن عائشة عن النبي ﷺ: «ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه» (^٢)
• وعن عبد الله بن عباس «أنه مات ابن له بقديد أو بعسفان فقال: يا كريب، انظر ما اجتمع له الناس، قال: فخرجت، فإذا ناس قد
_________________
(١) رواه أحمد (٥/ ٤٣) (٢٠٤٥٧)، والطبراني في «المعجم الصغير» (٢/ ١٤٢) (٩٢٩)، وابن أبي عاصم في «السنة» (ص: ٨٣٧). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٦٢): رجاله رجال الصحيح، وقال السيوطي في «البدور السافرة» (٢٥١): إسناده صحيح.
(٢) رواه مسلم (٩٤٧).
[ ٣٠٠ ]
اجتمعوا له، فأخبرته، فقال: تقول: هم أربعون؟ قال: نعم، قال: فأخرجوه فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم فيه». (^١)
وتمام الحديث عن ابن ماجه: «ما من أربعين من مؤمن يشفعون لمؤمن إلا شفعهم الله فيه» (^٢)
• وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من صلى عليه مائة من المسلمين غفر له» (^٣)