وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في الترغيب في الصبر على لأواء المدينة وشدتها وأن ذلك من موجبات شفاعته ﷺ فمنها:
• عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صبر على لأوائها (^٣) وشدتها كنت له شفيعًا
_________________
(١) الاستذكار لابن عبد البر ٢/ ٥٢٠، وانظر: نظم المتناثر للكتاني ص ٢٣٥.
(٢) للمدينة النبوية مكانة كبيرة، فهي مهاجر النبي ﷺ، ومهبط الوحي، ومأرز الإيمان، وهي: سيدة البلدان، وعاصمة الإسلام، ودار السلام، وقد اختارها الله ﷾ لنبيه ﷺ دار هجرة ومقام، فعلى المسلم أن يختارها لنفسه ويتقيد فيها بشرع الله ﷿ وبالآداب الشرعية، والأخلاق الحميدة، وليحذر كل الحذر من المخالفات فيها وفي غيرها، وقد خص النبي ﷺ من يصبر على لأوائها وشدتها بشفاعة، وكذلك خص من يموت فيها بشفاعة.
(٣) قال الزرقاني: قال المازري: " «اللأواء» الجوع وشدة المكسب، وضمير شدتها يحتمل أن يعود على اللأواء، ويحتمل أن يعود على المدينة. قال الأبي: الحديث خرج مخرج الحث على سكناها، فمن لزم سكناها داخل في ذلك، ولو لم تلحقه لأواء، لأن التعليل بالغالب والمظنة لا يضر فيه التخلف في بعض الصور كتعليل القصر بمشقة السفر فإن الملك يقصر وإن لم تلحقه مشقة لوجود السفر". شرح الزرقاني على الموطأ ٤/ ٢٧٣.
[ ٢٨١ ]
أو شهيدًا (^١)
_________________
(١) قال القاضي عياض: "قوله: «كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة»، كذا جاء في هذا الكتاب قيل هو على الشك، ويبعد عندي، لأن هذا الحديث رواه نحو العشرة من أصحاب النبي ﷺ بهذا اللفظ، ويبعد تطابقهم فيه على الشك، والأشبه أنه صحيح وأن أو للتقسيم، فيكون شهيدًا لبعضهم، شفيعًا للآخرين، أما شهيدًا لمن مات في حياته كما قال ﷺ، أما أنا شهيد على هؤلاء، وشفيعًا لمن مات بعده؛ أو شهيدًا على المطيعين، شفيعًا للعاصين، وشهادته لهم بأنهم ماتوا على الإسلام ووفوا بما عاهدوا الله عليه. أو تكون أو بمعنى الواو فيختص أهل المدينة بمجموع الشهادة والشفاعة وغيرهم بمجرد الشفاعة، قال: وهذه خصوصية زائدة على الشفاعة للمذنبين أو للعالمين في القيمة وعلى شهادته على جميع الأمة وقد قال ﷺ في شهداء أحد «أنا شهيد على هؤلاء»، فيكون لتخصيصهم بهذا كله مزيد أو زيادة منزلة وحظوة. قال: وقد يكون أو بمعنى الواو فيكون لأهل المدينة شفيعًا وشهيدًا. قال: وقد روى: «إلا كنت له شهيدًا أو له شفيعًا». قال وإذا جعلنا أو للشك كما قاله المشايخ فإن كانت اللفظة الصحيحة شهيدًا اندفع الاعتراض لأنها زائدة على الشفاعة المدخرة المجردة لغيره، وإن كانت اللفظة الصحيحة شفيعًا فاختصاص أهل المدينة بهذا مع ما جاء من عمومها وادخارها لجميع الأمة أن هذه شفاعة أخرى غير العامة التي هي لإخراج أمته من النار ومعافاة بعضهم منها بشفاعته ﷺ في القيامة، وتكون هذه الشفاعة لأهل المدينة بزيادة الدرجات، أو تخفيف الحساب، أو بما شاء الله من ذلك أو بإكرامهم يوم القيامة بأنواع من الكرامة كإيوائهم إلى ظل العرش، أو كونهم في روح وعلى منابر، أو الإسراع بهم إلى الجنة، أو غير ذلك من خصوص الكرامات الواردة لبعضهم دون بعض والله أعلم". مشارق الأنوار للقاضي عياض ٢/ ٢٥٨، وشرح النووي على صحيح مسلم ٩/ ١٣٦، والديباج على مسلم للسيوطي ٣/ ٤٠٧، وتحفة الأحوذي للمباركفوري ١٠/ ٢٨٧ ".
[ ٢٨٢ ]
يوم القيامة» (^١)
• وعن يحنس مولى الزبير أخبره أنه كان جالسًا عند عبد الله بن عمر في الفتنة فأتته مولاة له تسلم عليه فقالت إني أردت الخروج يا أبا عبد الرحمن اشتد علينا الزمان فقال لها عبد الله اقعدي لكاع فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة. (^٢).
• وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي إلا كنت له شفيعًا يوم القيامة أو شهيدًا» (^٣).
• وعن أبي سعيد مولى المهري أنه جاء أبا سعيد الخدري ليالي الحرة فاستشاره في الجلاء من المدينة وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله، وأخبره أن لا صبر له على جهد المدينة ولأوائها فقال له: ويحك لا آمرك بذلك، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يصبر أحد على لأوائها فيموت إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة إذا كان مسلمًا (^٤).
• وعن أسماء بنت عميس ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد إلا كنت له شهيدًا أو شفيعًا
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (١٣٧٧) ٢/ ١٠٠٤، ومالك في الموطأ رقم (١٥٦٩) ٢/ ٨٨٥، وأحمد رقم (٦٠٠١) ٢/ ١١٩، ورقم (٦١٧٤) ٢/ ١٣٣، ورقم (٥٩٣٥) ٢/ ١١٣، ورقم (٦٤٤٠) ٢/ ١٥٥، والترمذي رقم (٣٩١٨) ٥/ ٧١٩، والنسائي في السنن الكبرى رقم (٤٢٨١) ٢/ ٤٨٧، وأبو نعيم في المسند المستخرج على صحيح مسلم رقم (٣١٨٨ - ٣١٨٩) ٤/ ٤٥ - ٤٦، وأبو عوانة رقم (٣٧٤١ - ٣٧٤٢) ٢/ ٤٣٨.
(٢) أخرجه مسلم رقم (١٣٧٧) ٢/ ١٠٠٤، ومالك في الموطأ رقم (١٥٦٩) ٢/ ٨٨٥، وأحمد رقم (٦٠٠١) ٢/ ١١٩، ورقم (٦١٧٤) ٢/ ١٣٣، ورقم (٥٩٣٥) ٢/ ١١٣، ورقم (٦٤٤٠) ٢/ ١٥٥، والترمذي رقم (٣٩١٨) ٥/ ٧١٩، والنسائي في السنن الكبرى رقم (٤٢٨١) ٢/ ٤٨٧، وأبو نعيم في المسند المستخرج على صحيح مسلم رقم (٣١٨٨ - ٣١٨٩) ٤/ ٤٥ - ٤٦.
(٣) أخرجه مسلم رقم (١٣٧٨) ٢/ ١٠٠٤، والترمذي رقم (٣٩٢٤) ٥/ ٧٢٢، وابن حبان رقم (٣٧٣٩ - ٣٧٤٠) ٩/ ٥٦، وأحمد رقم (٩٦٦٨) ٢/ ٤٣٩، ورقم (٨٤٣٩) ٢/ ٣٣٨، ورقم (٧٨٥٢) ٢/ ٢٨٧، ورقم (٨٤٩٧) ٢/ ٣٤٣، ورقم (٩١٥٠) ٢/ ٣٩٧، والحميدي في مسنده رقم (١١٦٧) ٢/ ٤٩٢، وأبو عوانة رقم (٣٧٤٣ - ٣٧٤٤) ٢/ ٤٣٨، وأبو يعلى رقم (٦٤٨٧) ١١/ ٣٧٢.
(٤) أخرجه مسلم رقم (١٣٧٤) ٢/ ١٠٠٢، والنسائي في السنن الكبرى رقم (٤٢٨٠) ٢/ ٤٨٧، وأحمد رقم (١١٢٦٤) ٣/ ٢٩، ورقم (١١٦٧٧) ٣/ ٦٩، ورقم (١١٥٧١) ٣/ ٥٨، وأبو يعلى رقم (١٢٦٦) ٢/ ٤٥٥.
[ ٢٨٣ ]
يوم القيامة. (^١).
• وعن عامر بن سعد عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:» إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها» وقال: «المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة» (^٢)
• وعن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه مر بزيد بن ثابت وأبي أيوب وهما قاعدان عند مسجد الجنائز فقال أحدهما لصاحبه: تذكر حديثًا حدثناه رسول الله ﷺ في هذا المجلس الذي نحن فيه؟ قال: نعم عن المدينة سمعته وهو يزعم أنه «سيأتي على الناس زمان يفتح فيه فتحات الأرض، فيخرج إليها رجال يصيبون رخاء وعيشا وطعاما فيمرون على إخوان لهم حجاجًا أو عمارًا فيقولون: ما يقيمكم في لأواء العيش وشدة الجوع» قال رسول الله ﷺ: «فذاهب وقاعد» حتى قالها مرارًا «والمدينة خير لهم، لا يثبت بها أحد فيصبر على لأوائها وشدتها حتى يموت إلا كنت له يوم القيامة شهيدًا أو شفيعًا " (^٣)
_________________
(١) أخرجه أحمد رقم (٢٧١٣٠) ٦/ ٣٦٩، والنسائي في السنن الكبرى رقم (٤٢٨٢) ٢/ ٤٨٧، والطبراني في الكبير رقم (٣٧٣) ٢٤/ ١٤١، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني رقم (٣١٤٧) ٥/ ٤٥٧، وأخرجه عبد الرزاق من حديث عروة بن الزبير رقم (١٧١٦٣) ٩/ ٢٦٦.
(٢) أخرجه مسلم رقم (١٣٦٣) ٢/ ٩٩٢، وأحمد رقم (١٥٧٣) ١/ ١٨١، والنسائي في السنن الكبرى رقم (٤٢٧٩) ٢/ ٤٨٦، وعبد بن حميد في مسنده رقم (١٥٣) ١/ ٨١، والبيهقي في السنن الكبرى رقم (٩٧٤١) ٥/ ١٩٧.
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير رقم (٣٩٨٥) ٤/ ١٥٣، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ٣٠٠ وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات، والمنذري في الترغيب والترهيب ٢/ ١٤٦ وقال: رواه الطبراني في الكبير بإسناد جيد ورواته ثقات، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب رقم (١١٩٢).
[ ٢٨٤ ]