_________________
(١) رواه مسلم (٩٤٨).
(٢) رواه ابن ماجه (١٢١٩). وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».
(٣) رواه ابن ماجه (١٢١٨). قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (١/ ٢٢٨): هذا إسناد صحيح رجاله رجال الصحيحين، وقال العيني في «عمدة القاري» (٨/ ١٦٧): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»، وقال الوادعي في «الشفاعة» (ص: ٢٨٥): رجاله رجال الصحيح وهو على شرط الشيخين.
(٤) وقع الخلاف في توجيه هذه المسألة: قال ابن تيمية: "هذا نص صحيح صريح لشفاعته في بعض الكفار أن يخفف عنه العذاب بل في أن يجعل أهون أهل النار عذابًا كما في الصحيح أيضا عن ابن عباس أن رسول الله قال: أهون أهل النار عذابًا أبو طالب وهو منتعل بنعلين يغلى منهما دماغه". مجموع الفتاوى لابن تيمية ١/ ١١٧. وقال القاضي عياض: "قوله في أبي طالب لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة على سبيل التجوز لأن الله قد نهى عن الاستغفار لمثله وأعلمه أنه لا تنفعهم شفاعة الشافعين لا يشفع فيهم ولا لهم شفعاء وأنها شفاعة بالحال أي بركتي وكونه من سببي فيخفف عنه ويكون في ضحضاح من نار كما جاء في الحديث وهو الشيء القليل منه وضحضاح الماء الذي على وجه الأرض " مشارق الأنوار للقاضي عياض ٢/ ٢٥٦. وقال العيني: "قوله: لعله تنفعه شفاعتي قيل يشكل هذا بقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر الآية: ٤٨]. وأجيب: بأنه خص فلذلك عدُّوه من خصائص النبي ﷺ. وقيل: جزاء الكافر من العذاب يقع على كفره وعلى معاصيه فيجوز أن الله تعالى يضع عن بعض الكفار بعض جزاء معاصيه تطييبًا لقلب الشافع لا ثوابًا للكافر لأن حسناته صارت بموته على كفره هباء منثورًا". عمدة القاري للعيني ٢٣/ ١٢٦.
[ ٣٠١ ]
• عن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال للنبي ﷺ: "ما أغنيت عن عمك فإنه كان يحوطك ويغضب لك قال: «هو في ضحضاح (^١) من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» ". (^٢)
_________________
(١) قوله: «في ضحضاح» بإعجام الضادين وإهمال الحاءين ما رقّ من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين فاستعير للنار قوله يغلي منه أم دماغه وأم الدماغ أصله وما به قوامه وقيل الهامة وقيل جلدة رقيقة تحيط بالدماغ". عمدة القاري للعيني ٢٣/ ١٢٦. وقال ابن الجوزي: "قال ابن الأنباري الضحضاح القليل من العذاب، والعرب تسمى الماء القليل ضحضاحًا قيل لأعرابي: إن فلانًا يدعي الفضل عليك، فقال: لو وقع في ضحضاح مني لغرق أي في القليل من مياهي. وقال غيره: الضحضاح ما يبلغ الكعبين وكل ما رق من الماء على وجه الأرض فهو ضحضاح". كشف المشكل لابن الجوزي رقم (١٧٧٠) ٣/ ١٥٣.
(٢) أخرجه البخاري (٣٦٧٠) ٣/ ١٤٠٨، ورقم (٥٨٥٥) ٥/ ٢٢٩٣ ومسلم رقم (٢٠٩) ١/ ١٩٤، وأحمد رقم (١٧٦٣) ١/ ٢٠٦، ورقم (١٧٨٩) ١/ ٢١٠، وابن أبي شيبة رقم (٣٤١٥٨) ٧/ ٥٣، وعبد الرزاق رقم (٩٩٣٩) ٦/ ٤١.
[ ٣٠٢ ]
• وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ وذكر عنده عمه فقال لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه، وفي لفظ تغلي منه أم دماغه" (^١).
ولله بعد ذلك تفضل كثير فيمن يشاء فيخرج برحمته بقية أهل التوحيد الذين لم يشفع فيهم، كما جاء ذلك صريحا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ-أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ-فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا، أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ، فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ (^٢) ضَبَائِرَ، فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ، فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ» (^٣)
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٦٧٢) ٣/ ١٤٠٩، ورقم (٦١٩٦) ٥/ ٢٤٠٠، ومسلم رقم (٢١٠) ١/ ١٩٤، وأحمد رقم (١١٤٨٨) ٣/ ٥٠، ورقم (١١٠٧٣) ٣/ ٨، ورقم (١١٥٣٧) ٣/ ٥٥، وابن حبان رقم (٦٢٧١) ١٤/ ١٦٨.
(٢) قال محمد فؤاد عبد الباقي: (منصوب على الحال وهو جمع ضبارة بفتح الضاد وكسرها أشهرها الكسر ويقال فيها أيضا إضبارة قال أهل اللغة الضبائر جماعات في تفرقة (فبثوا) معناه فرقوا) انظر مسلم في صحيحه (١/ ١٧٢)
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ١٧٢)
[ ٣٠٣ ]
قال المصنف-رحمه الله تعالى-:
"وأن الله كلم موسى تكليمًا".
يشير المصنف ﵀ إلى ما جاء في:
قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) الأعراف: ١٤٣.
وقوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) النساء: ١٦٤.
وقوله تعالى (يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي)] الأعراف: ١٤٤ [
لا شك أن الله ﷾ كلم موسى، وموسى كليم الله ﷿، وتكليمه كان يوم الطور، وأن موسى سمع كلام الله ﷾ بصوت وقع في مسامعه، وهذا الكلام من الله ﷿ لموسى، ومن قال غير ذلك فقد كفر بالله العظيم، فنحن نؤمن بأن الله ﷾ يتكلم وأن كلامه بحرفٍ وصوتٍ مسموعين وأن الله ﷾ شاء أن يُسمع موسى كلامه، فلذلك موسى كليم الله ﷿.
[ ٣٠٤ ]
قال المصنف-رحمه الله تعالى-:
"واتخذ إبراهيم خليلا".
يشير المصنف إلى ما ورد في قوله الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ سورة النساء آية (١٢٥).
وعن جندب بن عبد الله البجلي أنه قال: سمعت النبي-ﷺ-قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلًا) (^١).
قال شارح العقيدة الطحاوية: "قوله: (ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وكلم الله موسى تكليما، إيمانا وتصديقا وتسليما).
ش: قال تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾ (النساء: ١٢٥) وقال تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾.
الخلة: كمال المحبة. وأنكرت الجهمية حقيقة المحبة من الجانبين، زعما منهم أن المحبة لا تكون إلا لمناسبة بين المحب والمحبوب، وأنه لا مناسبة بين القديم والمحدث توجب المحبة!
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٢١٦)
[ ٣٠٥ ]
وكذلك أنكروا حقيقة التكليم، كما تقدم، وكان أول من ابتدع هذا في الإسلام هو الجعد بن درهم، في أوائل المائة الثانية فضحى به خالد بن عبد الله القسري أمير العراق والمشرق بواسط، خطب الناس يوم الأضحى فقال: أيها الناس ضحوا، تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، ثم نزل فذبحه، وكان ذلك بفتوى أهل زمانه من علماء التابعين ﵃، فجزاه الله عن الدين وأهله خيرا.
وأخذ هذا المذهب عن الجعد -الجهم بن صفوان (^١)، فأظهره وناظر عليه، وإليه أضيف قول "الجهمية". فقتله سلم بن أحوز أمير خراسان بها، ثم انتقل ذلك إلى المعتزلة أتباع عمرو بن عبيد، وظهر قولهم في أثناء خلافة المأمون، حتى امتحن أئمة الإسلام، ودعوهم إلى الموافقة لهم على ذلك. وأصل هذا مأخوذ عن المشركين والصابئة، وهم ينكرون أن يكون إبراهيم خليلا، وموسى كليما؛ لأن الخلة هي كمال المحبة المستغرقة للمحب، كما قيل:
قد تخللت مسلك الروح مني … ولذا سمي الخليل خليلا
ولكن محبته وخلته كما يليق به تعالى، كسائر صفاته. ويشهد لما دلت عليه الآية الكريمة ما ثبت في الصحيح عن أبي سعيد
_________________
(١) التاريخ الكبير (١/ ٦٤ رقم ١٤٣)، خلق أفعال العباد للبخاري كلاهما (١/ ٢٩ رقم ٣)
[ ٣٠٦ ]
الخدري، عن النبي ﷺ، قال: «لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله»، يعني نفسه.
وفي رواية: «إني أبرأ إلى كل خليل من خلته، ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا».
وفي رواية: «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا».
فبين ﷺ أنه لا يصلح له أن يتخذ من المخلوقين خليلا. وأنه لو أمكن ذلك لكان أحق الناس به أبو بكر الصديق. مع أنه ﷺ قد وصف نفسه بأنه يحب أشخاصا، «كقوله لمعاذ: والله إني لأحبك». وكذلك قوله للأنصار. وكان زيد بن حارثة حب رسول الله ﷺ، وابنه أسامة حبه. وأمثال ذلك. «وقال له عمرو بن العاص: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها»، فعلم أن الخلة أخص من مطلق المحبة، والمحبوب بها لكمالها يكون محبوبا لذاته، لا لشيء آخر، إذ المحبوب لغيره هو مؤخر في الحب عن ذلك الغير، ومن كمالها لا تقبل الشركة [ولا] المزاحمة، لتخللها المحب، ففيها كمال التوحيد وكمال الحب. ولذلك لما اتخذ الله إبراهيم خليلا، وكان إبراهيم قد سأل ربه أن يهب له ولدا صالحا، فوهب له إسماعيل، فأخذ هذا الولد شعبة من قلبه، فغار الخليل على قلب خليله أن يكون فيه مكان لغيره، فامتحنه به بذبحه، ليظهر سر الخلة
[ ٣٠٧ ]
في تقديمه محبة خليله على محبة ولده، فلما استسلم لأمر ربه، وعزم على فعله، وظهر سلطان الخلة في الإقدام على ذبح الولد إيثارا لمحبة خليله على محبته، نسخ الله ذلك عنه، وفداه بالذبح العظيم؛ لأن المصلحة في الذبح كانت ناشئة من العزم وتوطين النفس على ما أمر، فلما حصلت هذه المصلحة عاد الذبح مفسدة، فنسخ في حقه، وصارت الذبائح والقرابين من الهدايا والضحايا سنة في أتباعه إلى يوم القيامة" (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان الجعد بن درهم من أهل حران، وكان فيهم بقايا من الصابئين والفلاسفة -خصوم إبراهيم الخليل ﵇-فلهذا أنكر تكليم موسى وخلة إبراهيم، موافقة لفرعون ونمرود، بناءً على أصل هؤلاء النفاة، وهو أن الرب تعالى لا يقوم به كلام، ولا يقوم به محبة لغيره، فقتله المسلمون، ثم انتشرت مقالته فيمن ضل من هذا الوجه. والمحبة متضمنة للإرادة، ومسألة الكلام والإرادة ضل فيهما طوائف). (^٢)
وقال ﵀: (وكان أول من أنكر المحبة الجعد بن درهم، فضحى به خالد بن عبد الله القسري، وقال: «ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليمًا، ولا اتخذ إبراهيم خليلًا تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا» ثم نزل فذبحه. فإن الخلة من توابع المحبة، فمن كان من أصله أن الله لا يُحِبُ ولا يُحَبُ،
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٢٠٢ - ٢٠٦).
(٢) درء تعارض العقل والنقل ٧/ ١٧٥، ١٧٦، وانظر منهاج السنة ٣/ ١٦٥، ١٦٦.
[ ٣٠٨ ]
لم يكن للخلة عنده معنى. (^١)
: هِيَ كَمَال المحبَّة المستلزمة من العَبْد كَمَال العُبُودِيَّة لله، ومن الربِّ سُبْحَانَهُ كَمَال الربوبية لِعِبَادِهِ الَّذين يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ.
ولَفظ العُبُودِيَّة يتَضَمَّن كَمَالَ الذُّلِّ وكَمَالَ الحبّ؛ فَإِنَّهُم يَقُولُونَ: قلب مُتَيَّم، إِذا كَانَ متعبدًا للمحبوب. والمتيم: المتعبد، وتيم الله: عبد الله، وهَذَا-على الكَمَال-حصل لإِبْرَاهِيمَ ومُحَمَّدٍ صَلَّى الله عَلَيْهِمَا وسَلَّم.
ولِهَذَا لم يكن لَهُ ﷺ من أهل الأَرْض خَلِيل؛ إِذْ الخُلَّة لَا تحْتَمل الشِّركَة؛ فَإِنَّهُ كَمَا قيل فِي المَعْنى:
قد تخللت مَسْلَك الرُّوح مني … وبِذَا سُمِّي الخَلِيل خَلِيلًا (^٢)
بِخِلَاف أصل الحبِّ؛ فَإِنَّهُ ﷺ قد قَالَ فِي الحَدِيث الصَّحِيح فِي الحَسَن وأُسَامَة: «اللَّهُمَّ إني أُحِبُّهما؛ فأَحبَّهما وأحبَّ مَنْ يُحبهما» (^٣)، وسَأَلَهُ عَمْرو بن العَاصِ: أَيُّ النَّاس أحبُّ إِلَيْك؟ قَالَ: «عَائِشَة». قَالَ: فَمِنْ
_________________
(١) منهاج السنة ٥/ ٣٢١، ٣٢٢، وانظر كتاب: مدارج السالكين ١/ ٩٢.
(٢) البيت لبَشَّار بن بُرد، وهو من البحر التام. انظر: «ديوانه» (ص ٩٧٩).
(٣) الحديث الذي أخرجه البخاري (٣٧٣٥): عن أسامة بن زيد ﵄، حَدَّث عن النبي ﷺ أنه كان يأخذه والحسن، فيقول: «اللهم أحبَّهما؛ فإني أُحبهما». وأما بلفظ المصنف فأخرجه الترمذي (٣٧٦٩) في حق الحسن والحسين، بلفظ: «اللهم إني أُحِبُّهما فأَحِبَّهما وأَحِبَّ مَنْ يُحبهما»، من حديث أسامة بن زيد ﵄، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٢٩٦٦).
[ ٣٠٩ ]
الرِّجَال؟ قَالَ: «أَبوهَا» (^١). وقَالَ لعَليٍّ؟: «لَأُعْطيَن الرَّايَة غَدًا رجلًا يُحبُّ اللهَ ورَسُولَه، ويُحِبُّهُ الله ورَسُوله» (^٢). وأمثال ذَلِك كثير.
وقد أخبر تَعَالَى أَنه ﴿يحبُّ المُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦]، و﴿يُحب المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، و﴿يُحب المقسطين﴾ [المائدة: ٤٢]، و﴿يُحب التوابين ويُحب المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢]، و﴿يُحب الَّذين يُقَاتلُون فِي سَبيله صفا كَأَنَّهُمْ بُنيان مرصوص﴾ [الصف: ٤]، وقَالَ: ﴿فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ ويُحِبُّونَهُ﴾ [المَائِدَة: ٥٤]؛ فقد أخبر بمحبته لِعِبَادِهِ المُؤمنِينَ ومحبة المُؤمنِينَ لَهُ، حَتَّى قَالَ: ﴿والَّذين آمنُوا أَشد حُبًّا لله﴾ [البَقَرَة: ١٦٥].
أمَّا الخلَّة فخاصَّة، وقَول بعض النَّاس: إِنْ مُحَمَّدًا حبيب الله، وإِبْرَاهِيم خَلِيل الله، وظنه أَنْ المحبَّة فَوق الخلَّة؛ قَول ضَعِيف؛ فَإِنْ مُحَمَّدًا-أَيْضًا-خَلِيل الله، كَمَا ثَبت ذَلِك فِي الأَحَادِيث الصَّحِيحَة المستفيضة.
وكَانَ رَسُول الله ﷺ يحب المُؤمنِينَ الَّذين يُحِبُّهُمْ الله؛ لِأَنَّهُ أكمل النَّاس محبَّة لله، وأحقهم بِأَنْ يحب مَا يُحِبهُ الله، ويبغض مَا يبغضه الله، والخلة لَيْسَ لغير الله فِيهَا نصيب، بل قَالَ: «لَو كنتُ متخذًا من أهل الأَرْض خَلِيلًا لاتَّخذت أَبَا بكر خَلِيلًا» (^٣) -علم مزِيد مرتبَة الخلَّة على مُطلق المحبَّة.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٦٦٢) ومسلم (٢٣٨٤) من حديث عمرو بن العاص ﵄.
(٢) أخرجه البخاري (٤٢١٠) ومسلم (٢٤٠٦) من حديث سهل بن سعد ﵁.
(٣) أخرجه مسلم (٥٣٢) من حديث جندب ﵁ وقد تقدم.
[ ٣١٠ ]
والمَقْصُود: هُو أَنْ الخلَّة والمحبة لله: تَحْقِيق عبوديته، وإِنَّمَا يغلط من يغلط فِي هَذِه من حَيْثُ يتوهمون أَنَّ العُبُودِيَّة مُجَرّد ذلٍّ وخضوع فَقَط، لَا محبَّة مَعَه، وأَن المحبَّة فِيهَا انبساط فِي الأَهْواء أَوْ إدلال لَا تَحتمله الربوبية، ولِهَذَا يُذكر عَنْ ذِي النُّون: أَنهم تكلمُوا عِنْده فِي مَسْأَلَة المحبَّة؛ فَقَالَ: «أَمْسكُوا عَنْ هَذِه المَسْأَلَة لَا تسمعها النُّفُوس فتدَّعيها».
ونعلم أن إيمان أهل السنة بالصفات إيمان وجود، فإن كانت الخلة أو المحبة أمورًا شعورية وأكثر منها أمورًا حسية، فإن تعريف هذه الصفات هكذا إنما هو بالنسبة لاتصاف المخلوقين بها، ولا يعني أن يكون هذا هو تعريفها في حق الخالق ﷾؛ وإنما يكون إثباتها للخالق إثبات وجود لا إثبات كيف.
وقال شارح الطحاوية: "ثبت له ﷺ أعلى مراتب المحبة، وهي الخلة، كما صح عنه ﷺ أنه قال: «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا. وقال: ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الرحمن». والحديثان في الصحيح وهما يبطلان قول من قال: الخلة لإبراهيم والمحبة لمحمد، فإبراهيم خليل الله ومحمد حبيبه. وفي الصحيح أيضا: «إني أبرأ إلى كل خليل من خلته». والمحبة قد ثبتت لغيره. قال تعالى: ﴿والله يحب المحسنين﴾. ﴿فإن الله يحب المتقين﴾. ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ " (^١).
_________________
(١) شرح الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٣١٣).
[ ٣١١ ]
وقال ابن تيمية: "ونعتقد أن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلا واتخذ نبينا محمدا ﷺ خليلا وحبيبا والخلة لهما منه على خلاف ما قاله المعتزلة: إن الخلة الفقر والحاجة. إلى أن قال: " والخلة والمحبة صفتان لله هو موصوف بهما ولا تدخل أوصافه تحت التكييف والتشبيه وصفات الخلق من المحبة والخلة جائز عليها الكيف؛ فأما صفاته تعالى فمعلومة في العلم وموجودة في التعريف قد انتفي عنهما التشبيه فالإيمان به واجب واسم الكيفية عن ذلك ساقط" (^١).
_________________
(١) العقيدة الحموية الكبرى (١/ ٥٨).
[ ٣١٢ ]
قال المصنف-رحمه الله تعالى-: