لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا/ أججت ناري ودعوت قنبرًا
والطائفة الثانية:
"السابة" الذين يسبون أبا بكر وعمر، فإن عليًا لما بلغه ذلك طلب ابن السوداء الذي بلغه ذلك عنه، وقيل إنه أراد قتله فهرب منه إلى أرض قرقيسيا أي ما تسمى اليوم (قرغيزيا).
والطائفة الثالثة:
"المفضلة" الذين يفضلونه على أبي بكر وعمر، فأمر بجلدهم، فقد روى عنه
أنه قال: "فلا أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ضربته حد المفتري".
وقد تواتر عنه أنه كان يقول على منبر الكوفة: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبوبكر
ثم عمر، روى هذا عنه من أكثر من ثمانين وجهًا ورواه البخاري (^١) وغيره)
قال الهروي: (وأما فتنة قصب السلف [أي الرفض] فإن الكوفة دارها التي حرفتها، ثم طار في الأفاق شررها، واستطار فيها ضررها، وإنما هاجتها أحلام فيها ضيق، وأشربتها قلوب فيها حمق، ولها عروق خفية، السلامة للقلوب في ترك إظهار بعضها، وأربابها أحمق خلق الله تعالى، عرضت تساوى بين علي بن أبي طالب وأبي بكر وعمر، ثم أخذت تفضله عليهما وتخاصمهما وتضلهما وتوليه حقهما، ثم جاءت تعدله بالمصطفى ﷺ وتشركه في
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب حدثنا الحميدي وعبد الله. ٥/ ٧
[ ٢٠٧ ]
وحي السماء، ثم خطأت جبريل ﵇ في نزوله، فخلّت الأمة من النبوة، وأحوجتها إلى علي ﵁، ثم ادعت له الإلهية ثم ادعتها لولده.
قال الإمام المطلبي: "لو كانوا دوابًا لكانوا حُمُرًا، ولو "كانوا طيرًا لكانوا رخمًا". (^١)
فاستظهرت بهؤلاء الغالية أرباب القلوب المريضة، فتظاهرت على قصب السلف الذين هم الناقلون وفيهم قانون الدين والملة، فهؤلاء الذين قالوا في السلف الصالح بالقول السيئ أرادوا القدح في الناقل لأن القدح في الناقل إبطال المنقول، فأرادوا إبطال الشرع الذي نقلوا، وإنما تعلقوا بعلي بن أبي طالب تسلحًا.
ومنذ أن ظهر التشيع واليهود (^٢) والمجوس (^٣) يوقدون ناره تحت دعوى أن للرسول ﷺ وصيًا هو علي بن أبي طالب، ولكن الصحابة تمالؤا على ظلمه وكتمان الوصية على حد زعمهم الكاذب.
"ولم يزل التشيع يتطور بتطرفه وتشيعه، حتى صار ملجأً لكل من يريد أن يحارب الإسلام والمسلمين، فقد دخل في الرافضة أهل الزندقة والإلحاد من "النصيرية" و"الإسماعيلية" وأمثالهم من الملاحدة "القرامطة" وغيرهم ممن كان
_________________
(١) منهاج السنة ١/ ٣٠٧، ٣٠٨، مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٣، ٣٤.
(٢) انظر كتاب بذل المجهود في إثبات مشابهة الرافضة لليهود، لعبد الله الجميلي.
(٣) انظر كتاب «وجاء دور المجوس» لعبد الله الغريب.
[ ٢٠٨ ]
بخراسان والعراق والشام وغير ذلك. (^١)
"ولم يزل الرفض يبتعد بأهله عن الدين والعقل والفطرة إلى يومنا هذا. (^٢)
والمسائل المتعلقة بالمفاضلة بين أصحاب النبي ﷺ يذكرها العلماء دائمًا توطئة لمسائل الخلافة والإمامة.
ومسألة تفضيل أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ على باقي الصحابة، ويدخل فيها كذلك مسألة تفضيل عثمان على علي، أهل السنة يعتقدون فيها بأن خير هذه الأمة بعد النبي ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان، ثم علي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح، ثم بعد ذلك يأتي بقية العشرة، ثم يأتي بعد هذا أهل بدر، ثم يأتي بعد ذلك أهل بيعة شجرة الرضوان، ثم بعد ذلك يأتي أهل الفتح فتح مكة ثم بعد ذلك يتوالى الفضل بحسب أقدمية ذلك الذي أسلم من الصحابة. وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة في شرح كلام المصنف المتعلق بها.
وقول المصنف عن الرافضة: "وأما الرافضة فقد أجمع من أدركنا من أهل العلم أنهم قالوا: إن علي بن أبي طالب أفضل من أبي بكر الصديق، وأن إسلام علي كان أقدم من إسلام أبي بكر"
روى الإمام أحمد بسنده عن ابن سيرين قال: "أول من أسلم من الرجال
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٥٢٨.
(٢) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ١/ ١٠.
[ ٢٠٩ ]
أبو بكر، وأول من أسلم من النساء خديجة" (^١).
وروى عن إبراهيم قال: "أول من أسلم أبو بكر" (^٢).
وروى الخلال بسنده عن ابن عطاء، عن أبيه، قال: «أول من أسلم من الرجال أبو بكر الصديق ﵁» (^٣).
قال السخاوي: "وجمع ابن عبد البر بين الاختلاف في ذلك بالنسبة إلى أبي بكر وعلي بأن الصحيح أن أبا بكر أول من أظهر إسلامه، ثم روي عن محمد بن كعب القرظي أن عليا أخفى إسلامه من أبيه أبي طالب، وأظهر أبو بكر إسلامه؛ ولذلك شبه على الناس. ونحوه قول شيخنا في قول عمار: «رأيت النبي-ﷺ-وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر» (^٤)، مراده ممن أظهر إسلامه، وإلا فقد كان حينئذ جماعة ممن أسلم، لكنهم كانوا يخفونه من أقاربهم.
وكذا قال ابن إسحاق: أول من آمن خديجة، ثم علي.
_________________
(١) فضائل الصحابة للإمام أحمد ١/ ٢٢٧ برقم (٢٧٢).
(٢) فضائل الصحابة للإمام أحمد ١/ ٢٢٧ برقم (٢٧٣).
(٣) السنة للخلال ٢/ ٣٧٧ برقم (٥٢٣).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٣٦٦٠). وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ عمَّارُ بنُ ياسرٍ ﵁ وكان منَ السَّابقين الأوَّلين في الإسلامِ أنَّه رأى النَّبيَّ ﷺ ولم يَكُنْ أسلَمَ معه إلَّا خمسةُ أعبُدٍ، يعني: خَمسةٌ منَ العَبيدِ المَمْلوكين حِينئذٍ، وامرأتانِ وأبو بكرٍ، وكان أبو بكرٍ هو أوَّلَ مَنْ أسلمَ منَ الرِّجالِ الأحرارِ البالِغين.
[ ٢١٠ ]
قال: فكان أول ذكر آمن، وهو ابن عشر سنين، ثم زيد، فكان أول ذكر أسلم بعد علي، ثم أبو بكر فأظهر إسلامه ودعا إلى الله، فأسلم بدعائه عثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة، فكأن هؤلاء النفر الثمانية أسبق الناس بالإسلام. وقيل فيما نقله أبو الحسن المسعودي عن بعضهم: أولهم إسلاما بلال; لحديث عمرو بن عبسة الماضي.
وقد جمع ابن الصلاح بين هذه الأقوال فقال: والأورع أن يقال: أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد، ومن العبيد بلال. وهو أحسن ما قيل؛ لاجتماع الأقوال به. على أنه قد سبق به ما عدا بلالا، فذكر ابن قتيبة أن إسحاق ابن راهويه ذكر الاختلاف في أول من أسلم، فقال: الخبر في كل ذلك صحيح، أما أول من أسلم من النساء فخديجة، وأما أول من أسلم من الرجال فأبو بكر، وأما أول من أسلم من الموالي فزيد، وأما أول من أسلم من الصبيان فعلي" (^١).
_________________
(١) فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٤/ ١٢٥ - ١٢٦.
[ ٢١١ ]