فجعل القول على الله بلا علم فوق الشرك.
الثاني: أنه كذب على الله؛ قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]؛ فهو متوعَّدٌ بأن يسودَّ وجهُه يوم القيامة، نعوذ بالله.
ومعنى افتراء الجهمية والمعتزلة هذا: أن الله لم يكن قبل ذلك متكلمًا، ثم تكلم، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
ومذهب أئمَّة الحديث والسنَّة: أن الله تعالى لم يَزل متكلِّمًا، إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وهو يتكلَّمُ بصوت يُسمَع، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديمًا.
وقد أثبت الله الكلام لنفسه، خلافًا لما يعتقده الضالون، فقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وكذلك أثبته لنفسه في الآخرة بعد دخول أهل الجنة؛ فعن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «بَيْنا أهلُ الجنة في نعيم إذ سطَع لهم نور، فرفعوا أبصارهم، فإذا الربُّ ﷻ قد أشرَف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة …»؛ الحديثَ (^١).
وبوَّب البخاري في «صحيحه» على ذلك فقال: «باب كلام الرب ﵎ مع
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (١٨٤)، وابن أبي الدنيا في «صفة الجنة» (٩٨) باختلاف يسير، والبزار كما في «مجمع الزوائد» للهيثمي (٧/ ١٠١) واللفظ له.
[ ٧٥ ]
أهل الجنة» (^١)، وقال لأهل النار: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
وهذه مسألة من كبريات مسائلِ باب الصفات؛ فأكبرُ مسألتين في باب الأسماء والصفات ركَّز عليها أعداءُ الإسلام تركيزًا شديدًا
• مسألةُ العلو.
• ومسألةُ الكلام.
لأنهم إذا أبطلوا كونَ القرآن كلام الله أبطلوا حقيقةَ الوحي، وإذا أبطلوا علوَّ الله تعالى أبطلوا وجوده، فهذه غايتهم وهدفهم الذي يريدون أن يصلوا إليه.
لأن أعظم ركيزتين لدى الفلاسفة هما:
١. أن العلمَ مصدره الإنسان.
وغي هذا تكذيب للوحي.
٢. وأن المعلومات والعلوم محصورةٌ في المحسوس المشاهَد.
وفي هذا إنكار للغيب وأعظم الغيب هو الله.
فلذلك وقفوا وقفةً خبيثة، وهجموا هجمةً شرسة ضد هاتين الصفتين، فإذا كنا نقول إنهم يزعمون أن العلوم مصدرها الإنسان، ونحن نقول إن العلم الشرعي مصدره الوحي فلمَّا هؤلاء يلغونَ أن الله تكلم حقيقة، ويشكَّكُّون في أن هناك وحي وقالوا: هذه عبارة محمد؛ أو عبارة جبريل، وأن الله ما تكلم
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٩/ ١٥١).
[ ٧٦ ]
حقيقة.
لأنهم إذا أسقطوا الوحي وقطعوا عليك طريق الوحي فسيتساوى قولُ محمد مع قولِ أي بشرٍ من الناس.
فتسلَّط أعداءُ الله على باب الصفات من أجلِ أن يشكِّكُّوا في كلامِ الله وأن يشكِّكُّوا في وجودِ الله وذلك بإنكارهم بأن يكون القرآن كلامُ الله حقيقة، وإنكارهم لعلو الله ﷿.
فوقفَ أهلُ السنَّة موقفًا عظيمًا صلبًا حتى إنه كما هو معلوم في زمن فتنةَ القولِ بخلقِ القرآن، فقام المأمون وهو كان من المعتزلة ويتبنَّى قول المعتزلة، فعذَّب مَنْ عذَّب من العلماء وفصَلَهم عن وظائفهم وسجنهم وقام بتعذيبهم لأجلِ أن يرفعَ هذا الشعار؛ أن القرآنَ مخلوق وأنه ليس كلامُ الله حقيقة.
صفة الكلام تأتي-من حيث الأهمية-بعد صفة العُلو لله ﷾؛ لذلك اهتم بها أئمة السلف، وأكدوا على ثُبوتها لله تعالى حقيقة، وأوردوا في ذلك أدلة كثيرة، ودفعوا شبهات المعطلة من الجهمية والمعتزلة ومَن دَار في فَلَكهم القائلين بأنَّ الله خلق القرآن في غيره، وردوا كذلك على الكلَّابية الذين قالوا: القرآن حكاية عن كلام الله، وردوا-أيضًا-على الأشاعرة الذين قالوا: القرآن عبارة عن كلام الله.
فالمعطلة أرادوا بقولهم هذا: إسقاط قيمة الوحي؛ ليصبح لدى الناس خلل في اتباع الوحي، فأهل السنة يؤمنون بأن أول مصدر للتشريع هو وحي الله تعالى إلى رسوله ﷺ، أي: كلامه بحروفه ومعانيه، وأن الله تعالى قاله بحرف وصوت.
[ ٧٧ ]
ومن أركان الإيمان السِّتة: الإيمانُ بالكُتُبِ التي أنزلها اللهُ، كما دلَّ على ذلك قولُه ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]، وكذلك جاء في حديث جبريل ﵇، وفيه: «الإيمان، قال: «أن تُؤمن باللهِ، ومَلائكتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليومِ الآخِر، وتُؤمن بالقَدَرِ؛ خَيْرِه وشَرِّه» (^١).
ومن الإيمانِ بالكتب: الإيمانُ بِأَنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ.
والقرآنُ في الأصل: مصدر قرأ قراءة وقرآنًا؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، أي: قراءته، فهو مَصدر على وزن فُعلان-بالضم-كالغُفران والشُّكران (^٢).
وفي الاصطلاح هو: «كلام الله المُنَزَّل على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ، المُعجز بلفظه ومعناه، المكتوب في المصاحف، المَنقول إلينا بالتواتر، المُتعبد بتلاوته، المَبدوء بسورة الفاتحة، المُختتم بسورة الناس» (^٣).
والقرآنُ كلامُ الله، وهو صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ ﷿؛ قال تَعَالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٠) من حديث أبي هريرة ﵁، ومسلم (٨) من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) انظر: «لسان العرب» (١/ ١٢٩)، و«مناهل العرفان» للزرقاني (١/ ٧).
(٣) انظر: «مناهل العرفان» (١/ ١٠ - ١٣)، و«مباحث في علوم القرآن» لمناع القطان (ص ٢٠ - ٢١)، ط ٥، مؤسسة الرسالة، بيروت.
[ ٧٨ ]
الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، وروي عن جَابِر بن عبد الله ﵄ أنه قَالَ: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفسَهُ فِي المَوْسِمِ؛ فَيَقُولُ: «أَلَا رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إلَى قَوْمِهِ؛ لِأُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي» (^١).
وَالذِي عَلَيهِ إِجماعُ السَّلفِ الصَّالحِ مِنَ الصَّحابةِ ﵃ وَالتَّابعِينَ لَهم بِإحسَانٍ: أَنَّ القرانَ كلامُ اللهِ غَيرُ مَخلوقٍ؛ حُرُوفه وَمَعَانِيه، مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ؛ نَزَلَ بِهِ جِبريلُ ﵇ إِلَى نَبِيِّنَا ﷺ.
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابن تيمية ﵀: «وَمَذْهَبُ سَلَفِ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَخَلَفِهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ القُرْآنَ مِنْ جِبْرِيلَ، وَجِبْرِيلُ سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ ﷿» (^٢).
ثم قال: «الآثار مُتواترة عنهم-أي: عن الصحابة والتابعين-بأنهم كانوا يقولون: القرآن كلام الله، ولمَّا ظهر مَنْ قال: إنه مخلوق، قالوا ردًّا لكلامه: إنه غير مخلوق، ولم يريدوا بذلك أنه مُفترى، كما ظنه بعض الناس؛ فإن أحدًا من المسلمين لم يَقل: إنه مفترى، بل هذا كفر ظاهر يَعلمه كل مسلم، وإنَّما قالوا: إنه مخلوق خلقه الله في غيره، فرَدَّ السلف هذا القول، كما تواترت الآثار عنهم
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٧٣٤)، والترمذي (٢٩٢٥)، وابن ماجه (٢٠١)، والحاكم (٢/ ٦٦٩) وصححه، من حديث أبي هريرة ﵁، وقال في «المجمع» (٦/ ٣٥): «رجاله ثقات».
(٢) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٢٣٣).
[ ٧٩ ]
بذلك، وصنفوا في ذلك مصنفات متعددة، وقالوا: «منه بدأ وإليه يعود».
وأوَّل مَنْ عُرف أنه قال: مخلوق-الجعد بن درهم وصاحبه الجهم بن صفوان.
وأول مَنْ عُرف أنه قال: هو قديم عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم افترق الذين شاركوه في هذا القول؛ فمنهم مَنْ قال: الكلام معنى واحد قائم بذات الرَّبِّ، ومعنى القرآن كله والتوراة والإنجيل وسائر كتب الله وكلامه هو ذلك المعنى الواحد الذي لا يَتعدد ولا يتبعض، والقرآن العربي لم يتكلم الله به، بل هو مخلوق خلقه في غيره.
وقال جمهور العقلاء: هذا القول معلوم الفساد بالاضطرار؛ فإنَّه مِنْ المعلوم بصريح العقل أن معنى (آية الكرسي) ليس معنى (آية الدَّيْن)، ولا معنى ﴿قل هو الله أحد﴾ معنى ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾؛ فكيف بمعاني كلام الله كله في الكتب المنزلة وخطابه لملائكته وحسابه لعباده يوم القيامة وغير ذلك من كلامه؟!
ومنهم مَنْ قال: هو حروف، أو حروف وأصوات قديمة أزلية لازمة لذاته لم يَزل ولا يزال موصوفًا بها.
وكلا الحزبين يقول: إن الله تعالى لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وإنه لم يزل ولا يزال يقول: يا نوح، يا إبراهيم، يا أيها المزمل، يا أيها المدثر، ولم يقل أحد من السلف بواحد من القولين، ولم يقل أحدٌ من السلف: إنَّ هذا القرآن عبارة
[ ٨٠ ]
عن كلام الله، ولا حكاية له، ولا قال أحد منهم: إن لفظي بالقرآن قديم أو غير مخلوق، فضلًا عن أن يقول: إن صوتي به قديم أو غير مخلوق؛ بل كانوا يقولون بما دلَّ عليه الكتاب والسنة من أن هذا القرآن كلام الله، والناس يَقرءونه بأصواتهم، ويكتبونه بمدادهم، وما بين اللوحين كلام الله، وكلام الله غير مَخلوق» (^١).
وأما المعتزلة والجهمية فقالوا: القرآن كلام الله مخلوق؛ فهم أضافوا الكلام إلى الله من باب إضافة الوصف على حد قولهم: (ناقة الله).
ومن المتفلسفة مَنْ يزعم أن المعاني والحروف تأليفه؛ لكنها فاضت عليه كما يفيض العلم على غيره من العلماء.
وقال شيخُ الإسلام: «وَاَلَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالأَئِمَّةُ: أَنَّ القُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَإِنَّمَا قَالَ السَّلَفُ: «مِنْهُ بَدَأَ» لِأَنَّ الجَهْمِيَّة-مِنْ المُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ-كَانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ خَلَقَ الكَلَامَ فِي المَحَلِّ. فَقَالَ السَّلَفُ: «مِنْهُ بَدَأَ». أَيْ: هُوَ المُتَكَلِّمُ بِهِ؛ فَمِنْهُ بَدَأَ، لَا مِنْ بَعْضِ المَخْلُوقَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢].
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٣٠١، ٣٠٢).
[ ٨١ ]
وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ: «إلَيْهِ يَعُودُ»: أَنَّهُ يُرْفَعُ مِنْ الصُّدُورِ وَالمَصَاحِفِ؛ فَلَا يَبْقَى فِي الصُّدُورِ مِنْهُ آيَةٌ وَلَا مِنْهُ حَرْفٌ، كَمَا جَاءَ فِي عِدَّةِ آثارٍ» (^١).
وأمَّا قوله ﵀: «وَأَنَّ هَذَا القُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً، لَا كَلَام غَيْرِهِ» فيريدُ به شيخُ الإسلامِ: أنَّ اللهَ تكلَّمَ بالقرآنِ حقيقةً، وَأَنَّهُ لَيسَ بِكَلَامِ جبريل، وَلَا كلامِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
وفي قوله ﵀: «وَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُ القَوْلِ بِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ أَوْ عِبَارَةٌ» يُشير به إِلَى الكُلَّابيَّة الذينَ قالوا: إِنَّهُ حكايةٌ، وَإِلَى الأشاعرةِ الذينَ قالوا: إِنَّهُ عبارةٌ، فالكُلَّابيَّة والأشاعرةُ متفقونَ عَلَى أنَّ هَذَا القرآنَ الذي بَينَ أيدينَا ليسَ كلامَ اللهِ، بَلْ هُوَ إِمَّا حِكَاية أَوْ عبارَة؛ فَالأشاعرةُ يقولونَ: إِنَّ اللهَ عَبَّرَ عن كلامِهِ النفسِيِّ بحروفٍ وَأصواتٍ مخلوقةٍ.
والكُلَابيَّة يقولونَ: إنَّ القرآنَ معنى قائم بذاتِ اللهِ، وأنَّهُ لا يُسْمَعُ عَلَى الحقيقةِ، والحروفُ والأصواتُ حكايةٌ لَهُ ودالَّةٌ عَلَيهِ، كَمَا يَحْكِي الصَّدَى كلامَ المتكلِّمِ.
وقوله ﵀: «بَلْ إذَا قَرَأَهُ النَّاسُ أَوْ كَتَبُوهُ فِي المَصَاحِفِ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَلَامَ اللَّهِ حَقِيقَةً؛ فَإِنَّ الكَلَامَ إنَّمَا يُضَافُ حَقِيقَةً إلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا، لَا إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا» - يريدُ به شيخُ الإسلامِ ﵀: أنَّ القرآنَ-وإن حُفِظَ في الصُّدورِ، أو تُلِي
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٥٢٨، ٥٢٩).
[ ٨٢ ]
بالألسنِ، أو كُتِبَ في المَصاحفِ، أو سُمِعَ بالآذانِ-فإنَّ ذلكَ لا يُخرجُهُ عن كونِهِ كلام اللهِ وإن بلغهُ الرسولُ المَلَكِي جبريلُ للرَّسولِ البشريِّ محمَّدٍ ﷺ، وبلغَهُ نبينا محمَّد ﷺ لأُمَّتِهِ، فإنَّ الكلامَ إنَّما يُضَافُ حقيقةً إلى مَنْ قالَهُ مُبتدئًا، لا إِلَى مَنْ قالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا.
قال العلَّامةُ ابنُ عُثَيمين ﵀: «قوله: «هو كلامُ الله؛ حُرُوفه ومَعانيه» -هذا مذهبُ أهلِ السُّنَّة والجَمَاعَة. قالوا: إنَّ اللهَ-تَعَالَى-تَكَلَّمَ بالقرآنِ بِحُرُوفِهِ وَمَعانِيهِ.
وقوله: «ليس كلامُ الله الحُرُوفُ دون المعاني». وهذا مذهبُ المعتزلَةِ وَالجهميَّةِ؛ لِأَنَّهُم يقولونَ: إِنَّ الكلامَ ليسَ معنًى يقومُ بذاتِ اللهِ، بل هُوَ شيءٌ مِنْ مَخلوقَاتِهِ؛ كَالسماءِ والأرضِ والناقةِ والبيتِ، وما أشبهَ ذلكَ؛ فليسَ معنًى قائمًا فِي نفسِهِ، فكلامُ اللهِ حروفٌ خَلَقهَا اللهُ ﷿، وَسَمَّاها كلامًا، كَمَا خَلَقَ الناقةَ، وسمَّاهَا ناقة اللهِ، وَكَمَا خَلَق البيتَ، وَسَمَّاه بَيت اللهِ.
وَلِهَذَا كانَ الكلامُ عندَ الجهميَّةِ والمعتزِلَةِ هُوَ الحروفُ؛ لِأَنَّ كلامَ اللهِ عندَهُم عبارةٌ عَنْ حروفٍ وأصواتٍ خَلَقَهَا اللهُ ﷿، وَنَسَبَهَا إِلَيهِ تَشريفًا وَتَعظِيمًا.
قوله: «ولا المَعاني دون الحُرُوف»:
وَهَذَا مَذهَبُ الكُلَابيَّةِ وَالأشعَرِيَّةِ؛ فَكَلامُ اللهِ عِنْدَهُمْ مَعنًى فِي نَفسِهِ، ثُمَّ خَلَقَ أَصوَاتًا وَحُرُوفًا تَدُلُّ عَلَى هَذَا المَعنَى؛ إِمَّا عِبَارة أَوْ حِكَايَة.
واعلم أنَّ ابنَ القيِّمِ ﵀ ذَكرَ أَنَّنَا إِذَا أَنكَرنَا أَنَّ اللهَ يتكلَّمُ فَقَد أَبطَلنَا الشَّرعَ والقَدَر.
[ ٨٣ ]
أَمَّا الشرعُ؛ فَلِأَنَّ الرِّسالاتِ إِنَّمَا جَاءَت بِالوَحي، وَالوَحي كَلامٌ مُبَلَّغٌ إِلَى المُرْسَلِ إِلَيهِ، فَإِذَا نَفَينَا الكلامَ انتفَى الوحيُ، وإذا انتَفَى الوَحيُ انتَفَى الشرعُ.
[ ٨٤ ]
قال المصنف-رحمه الله تعالى-:
"ثم من بعد كتاب الله سنة النبي-ﷺ-والحديث عنه، وعن المهديين أصحاب النبي-ﷺ والتابعين من بعدهم] (^١)، والتصديق بما جاءت به الرسل، واتباع [السنة نجاة (^٢)] وهي التي نقلها أهل العلم كابرًا عن كابر".
بعد بين المصنف المصدر الأول من مصادر التشريع الذي هو القرآن الكريم ذكر هنا المصدر الثاني من مصادر التشريع ألا وهو سنة النبي ﷺ، فلم يمت النبي ﷺ إلا وقد علم الأمة كل ما تحتاج إليه من أمر دينها، فقد بين ووضح حتى أنه في حجة الوداع أشهد الناس فقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ» (^٣)، فقالوا: بلى، فكان النبي ﷺ يرفع أصبعه السبابة إلى السماء فيقول: اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاثًا» فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فيقول: وقال ﷺ: «تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ» (^٤)،
_________________
(١) ما بين معكوفتين موجودة في كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٢٢٥).
(٢) مابين المعكوفتين مأخوذ من ومختصر الحجة على تارك المحجة (٢/ ٣٦٩) وفي الطبقات (سنة النجاة).
(٣) انظر صحيح البخاري كِتَابُ المَغَازِي، بَابُ حَجَّةِ الوَدَاعِ، برقم (٤٤٠٦)، ومسلم كِتَابُ الْقَسَامَةِ وَالْمُحَارِبِينَ وَالْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ، بَابُ تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ (١٦٧٩)، والإمام أحمد في المسند أَوَّلُ مُسْنَدِ الْبَصْرِيِّينَ (٢٠٣٨٦)، والدارمي (١٩٥٧).
(٤) تقدم تخريجه، انظر صفحة رقم (٧).
[ ٨٥ ]
ويقول: «إنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبيٌّ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ»، أي واجبًا عليه «أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ» (^١).
هذا كلامه ﷺ، أخبر أنه قد بين ووضح وبلغ، فهل يُعقل أنه ترك هذا الباب ولم يوضح ما يجب فيه ولم يبين ما يجب اعتقاده فيه؟ هذا محال، وأصحابه ﷺ شهدوا بأن النبي ﷺ قد علمهم وبلغهم وأفهمهم أمور دينهم حتى يقول أبو ذر: "لَقَدْ تَرَكَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ، وَمَا يُحَرِّكُ طَائِرٌ جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاءِ إِلَّا أَذْكَرَنَا مِنْهُ عِلْمًا " (^٢) بمعنى أن النبي ﷺ كان يبين لهم كل شيء.
وقال عمر: "قَامَ فينا رسولُ اللَّهِ ﷺ-مَقَاما، فَأخبَرَنَا عنْ بَدءِ الخَلقِ حتى دَخَلَ أهلُ الجنةِ مَنَازِلَهُم، وأهلُ النَّارِ منازِلَهم " (^٣) أي تحدث من بدء الخليقة إلى دخول الناس إلى الجنة وإلى النار. "حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ".
ويقول الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي زمنين "ت: ٣٩٩ هـ": "اعلم رحمك الله أن السنة دليل القرآن، وأنها لا تدرك بالقياس، ولا تؤخذ بالعقول، وإنما
_________________
(١) انظر صحيح مسلم كِتَابُ الْإِمَارَةِ، بَابُ الْأَمْرِ بالْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ، الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، برقم (١٨٤٤)، وابن ماجه (٣٩٥٦)، والنسائي (٤١٩١)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٦٧٩٣).
(٢) انظر مسند الإمام أحمد مُسْنَدُ الْأَنْصَارِ برقم (٢١٣٦١)، قال الشيخ شعيب الأرنؤوط في حاشية المسند الجزء (٣٥) صفحة (٢٩٠): حديث حسن.
(٣) انظر صحيح البخاري كِتَابُ بَدْءِ الخَلْقِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، برقم (٣١٩٢).
[ ٨٦ ]
هي في الاتباع للأئمة، ولما مشى عليه جمهور هذه الأمة" (^١)
ويقول الإمام أبو نصر السجزي "ت ٤٤٤ هـ": "ولا خلاف بين العقلاء في أن سنة رسول الله ﷺ لا تعلم بالعقل، وإنما تعلم بالنقل" (^٢).
وقال: " … فكل مدع للسنة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله فإن أتى بذلك علم صدقه، وقبل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف، علم أنه محدث زائغ" (^٣).
وقال أبو المظفر السمعاني "٤٨٩ هـ": " … فلابد من تعرف ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وليس طريق معرفتنا إلا النقل، فيجب الرجوع إلى ذلك … " (^٤).
وأجمع سلف الأمة وأئمتها على وجوب الأخذ بسنة المصطفى ﷺ والتمسك بها في كل الجوانب واتباع ما جاء به ﷺ اعتقادا وقولا وعملا. والتحذير من مخالفة السنة والابتداع فيها وتقديم الهوى والرأي عليها.
فقد بعث الله ﵎ رسوله ﷺ بالرسالة الجامعة الخاتمة ألا وهي رسالة الإسلام التي ارتضاها ﷿ لتكون دينا ومنهاجا، يسير عليه الجن
_________________
(١) أصول السنة (١/ ٢٠).
(٢) الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص ٩٩).
(٣) الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص ١١).
(٤) الانتصار لأهل الحديث (ص ١٦٥).
[ ٨٧ ]
والإنس في حياتهم الدنيا حتى يتم لهم صلاح معاشهم الذي هم فيه، ومعادهم الذي سيصيرون إليه.
ولقد شاء ﵎ أن يجعل لهذه الرسالة مصدرين للتلقي هما:
١ - القرآن الكريم، ٢ - السنة النبوية.
فالقرآن الكريم هو المصدر التشريعي الأول في الإسلام وهو كلام الله المنزل على رسوله ﷺ بواسطة جبريل ﵇.
والسنة هي المصدر الثاني لأنها مبينة لأحكامه موضحة لإبهامه ومخصصة لعمومه ومقيدة لإطلاقه وشارحة لأحكامه وأهدافه.
قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (^٢).
فالرسول ﷺ كما خص بالوحي المتلو وهو القرآن الكريم كذلك خص بالوحي غير المتلو وهو السنة التي لا مندوحة عن اتباعها.
قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. وقال ﷺ: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه" (^٣).
_________________
(١) الآية (٤٤) من سورة النحل.
(٢) الآية (٦٤) من سورة النحل.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة: باب في لزوم السنة (٥/ ١٠) ح ٤٦٠٤ وأخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٢٤٣).
[ ٨٨ ]
وبناء على ذلك فإن القرآن والسنة هما المنهلان العظيمان اللذان تستقي منهما الأمة المسلمة عقيدتها وشريعتها وكل ما فيه صلاح شؤونها في دنياها وآخرتها وهما المنهاج والنبراس الذي سار عليه السلف من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم، في طاعتهم واتباعهم للنبي ﷺ، وذلك لاعتقادهم أن النبي ﷺ قد جاء بهذين الأصلين وحيا من عند الله ﷿، كما أنه أمر باتباعهما والأخذ بما فيهما اعتقادا وقولا وعملا. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، فهم من هذا المنطلق التزموا وتمسكوا بالقرآن والسنة وتلقوهما بالقبول والتسليم والإيمان والتعظيم فأحلوا حلالهما وحرموا حرامهما واتخذوا منهما منهجا لجميع شؤونهم وأحوالهم يرجعون إليه امتثالا لنداء الله حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.
قال ابن القيم: "إن الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته" (^١).
ومن هذين الأصلين-الكتاب والسنة-استقى السلف المسلك القويم والمنهج السليم الذي ساروا عليه في طاعتهم واتباعهم لرسولهم ونبيهم محمد ﷺ
_________________
(١) إعلام الموقعين (١/ ٤٩، ٥٥).
[ ٨٩ ]
وهذا المنهج يمكن تلخيصه في النقاط الرئيسية التالية:
أولا: اتباع القرآن الكريم:
فالقرآن الكريم هو كلام الله المنزل على نبيه محمد ﷺ وحيا بواسطة جبريل ﵇، والذي تولى الله ﷾ حفظه بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (^١).
كما جعله نظاما ومنهجا يهتدي به عباده المؤمنون كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^٢).
ولقد اعتنى السلف بكتاب الله ﷿ فحفظوه في صدورهم ومصاحفهم وصاروا يتلونه آناء الليل وأطراف النهار، وينفذون أحكامه وشرائعه جيلا بعد جيل في جميع جوانب حياتهم الفردية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، وغيرها من الأمور الدنيوية والأخروية.
كما تفرغ عبر القرون ثلة من خيارهم لدراسته وتفسيره واستنباط أحكامه ومعرفة ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، والاعتبار بدعوته وقصصه، ووعظه وإرشاداته وأمثاله.
وهذا الموقف من السلف الصالح يمثل مظهرا من مظاهر التأسي والاقتداء بما كان عليه النبي ﷺ، كما يعد تطبيقا عمليا لما أوصى به ﵊ أمته حيث قال: "تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله … " (^٣)
_________________
(١) الآية (٩) من سورة الحجر.
(٢) الآية (٢) من سورة البقرة.
(٣) تفدم تخريجه ص ١٢٠
[ ٩٠ ]