قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح حديث النزول عند الكلام عن هذه الرواية: "وَأَمَّا رِسَالَةُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ إلَى مُسَدَّدِ بْنِ مسرهد فَهِيَ مَشْهُورَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ تَلَقَّوْهَا بِالْقَبُولِ، وَقَدْ ذَكَرَهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ فِي كِتَابِ" الْإِبَانَةِ"، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهَا غَيْرُ وَاحِدٍ كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَكَتَبَهَا بِخَطِّهِ. (^١) "
وحسبك بهذه الشهادة من ابن تيمية فهذه شهادة من عالم من علماء هذا الفن، يفقهها من يفهم مراده منها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإذا كان الشيء مشهورًا عند أهل الفن، وقد تعددت طرقه فهذا مما يرجع إليه أهل العلم بخلاف غيره" (^٢)
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٥/ ٣٩٥.
(٢) تلخيص كتاب الاستغاثة المعروف بالرد على البكري ص ١٦ - ١٧. ط: الدار العلمية، الهند.
[ ١٩ ]
فهذه معايير يبينها ابن تيمية لقبول بعض الروايات:
١ - أن يكون الشيء مشهورًا عند أهل الفن.
٢ - تعدد طرقه.
وقد أكد ابن تيمية تحقق شرط الشهرة بقوله نصًا: "مَشْهُورَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ تَلَقَّوْهَا بِالْقَبُولِ".
٢ - وأما الشرط الثاني الذي ذكره شيخ الإسلام فهو "تعدد الطرق" فهذا ما يجده من يتتبع طرق هذه الرسالة مع الروايات الأخرى المتشابهة معها، فهذه الرواية جاءت من عدة طرق كما سيأتي، كما أن نص هذه الرواية متقارب إلى حد كبير مع رواية عبدوس بن مالك، ورواية الحسن بن إسماعيل الربعي، ورواية محمد بن عوف الطائي، ورواية مُحَمَّد بن حبيب الأندراني؛ مع اختلاف في النص من حيث الطول والقصر واختلاف بعض العبارات.
فهي بهذا-كما ذكر شيخ الإسلام-تكون معتبرة عند أهل الفن، ولا يضرها كونها مرسلة أو منقطعة أو غير ذلك من العلل التي يمكن اعتبارها سببًا في رد الأحاديث المرفوعة، ومن المعلوم أن الأخبار التاريخية يتسامح فيها بما لا يتسامح فيه فيما يتصل بالسنة، ويا ليت بعض الباحثين يمعنوا النظر في معايير الفنين فن الحديث وفن التاريخ. فلكل واحد منهما قواعد وضوابط تخصه.
قال ابن تيمية ﵀: "فعلماء الدين أكثر ما يحررون النقل فيما نقل عن النبي ﷺ لأنه واجب القبول أو فيما ينقل عن الصحابة، وأما
[ ٢٠ ]
الإسرائيليات ونحوها فهم لا يكترثون بضبطها ولا بأحوال نقلها" (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قال الإمام أحمد "ثلاثة علوم ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير" وفي لفظ "ليس لها أسانيد" ومعنى ذلك أن الغالب عليها أنها مرسلة ومنقطعة، فإذا كان الشيء مشهورًا عند أهل الفن وقد تعددت طرقه فهذا مما يرجع إليه أهل العلم بخلاف غيره" (^٢).
وما كان ينبغي لمن اطلع على كلام شيخ الإسلام في شأن هذه الرسالة-والذي هو شهادة واضحة جلية تؤكد صحتها وسلامتها من الطعن-أن يشكك أو يطعن في ثبوتها وسلامتها.