طعن بعض المتقدمين والمعاصرين في هذه الرسالة سندًا ومتنًا، ومن أولئك المتقدمين أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ منده.
وقد تبعه على هذا الرأي من المعاصرين عدد من الباحثين منهم الباحث الدكتور عبد العزيز الحميدي في كتابه براءة الأئمة الأربعة من مسائل المتكلمين المبتدعة. عند حديثه عن رسالة الإمام أحمد إلى مسدد بن مسرهد البصري (^٣)؛ ووافقه على ذلك الدكتور عبد الله الدميجي في تحقيقه لمجموعة رسائل
_________________
(١) الرد على البكري ص ٢٠.
(٢) "تلخيص كتاب الاستغاثة المعروف بالرد على البكري" ص ١٦ - ١٧. ط: الدار العلمية، الهند.
(٣) كتاب براءة الأئمة الأربعة من مسائل المتكلمين المبتدعة (١/ ١٠٠ - ١٠٥).
[ ٢١ ]
الشيخ أبي بكر خوقير (^١) حيث قال: "وفي صحة نسبتها للإمام أحمد نظر باعتبار سندها، وباعتبار ما تضمنته من عقائد مخالفة للمشهور عن أحمد"؛ وأحال إلى ما ذكره الدكتور عبد العزيز الحميدي في كتابه براءة الأئمة الأربعة من مسائل المتكلمين المبتدعة.
ولا شك أن كلام المعاصرين تابع لكلام ابن مندة ومستمد منه.
الجواب على ذلك:
لكي يسهل الفهم على الناظر في هذه المسألة يحسن التعرف على أن الطعن في هذه الرسالة جاء من جهتين
الجهة الأولى: الطعن في سندها.
والجهة الثانية الطعن في متنها.
أما الطعن في سندها:
قال ابن تيمية: "ومنهم من أنكر ما روي عن أحمد في رسالته إلى مسدد وقال: راويها عن أحمد مجهول لا يعرف في أصحاب أحمد من اسمه أحمد بن محمد البردعي" (^٢).
إلى أن قال: "وزعم عبد الرحمن أن هذا اللفظ لفظ منكر في الحديث عنهما
_________________
(١) انظر: مجموعة رسائل الشيخ أبي بكر خوقير (انظر: ص ٥١٢ حاشية رقم: ١).
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٨٠).
[ ٢٢ ]
وعن غيرهما وحكمه عند أهل الأثر حكم حديث منكر، وقال: أحمد بن محمد البردعي مجهول لا يعرف في أصحاب أحمد من اسمه " أحمد بن محمد ": فيمن روى عن أحمد بن محمد بن حنبل كأحمد بن محمد بن هانئ وأبي بكر الأثرم وأحمد بن محمد بن الحجاج وأبي بكر المروذي (^١) وأحمد بن محمد بن عيسى البراني القاضي وأحمد بن محمد الصائغ وأحمد بن محمد بن غالب القاص غلام خليل وأحمد بن محمد بن مزيد الوراق. وزاد ابن الجوزي: أحمد بن محمد بن خالد أبا بكر القاضي وأحمد بن خالد أبا العباس البراني وأحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة وأحمد بن محمد بن عبد الله بن صالح الأسدي وأحمد بن محمد بن عبد الحميد الكوفي وأحمد بن محمد بن يحيى الكحال وأحمد بن محمد بن البخاري وأحمد بن محمد بن بطة وذكر أحمد بن الحسن أبا الحسن الترمذي؛ وأحمد بن سعيد وقيل: أبو الأشعبة الترمذي. وذكر في المحمدين: محمد بن إسماعيل الترمذي قال: ولم يعد هذا فيمن روى عن مسدد أيضا" (^٢).
وقال في موطن أخر: "وقد صنف أبو القاسم عبد الرحمن بن منده في ذلك مصنفا وزيف قول من قال: إنه ينزل ولا يخلو منه العرش وضعف ما نقل في
_________________
(١) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص ٥٢): "الواو مقحمة بين اسم الأثرم وكنيته، وبين اسم المروذي وكنيته، وصواب العبارة (كأحمد بن محمد بن هانئ أبي الأثرم وأحمد بن محمد الحجاج أبي بكر المروذي".
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٨١ - ٣٨٢).
[ ٢٣ ]
ذلك عن أحمد في رسالة مسدد وقال: إنها مكذوبة على أحمد وتكلم على راويها البردعي أحمد بن محمد وقال: إنه مجهول لا يعرف في أصحاب أحمد" (^١).
والجواب على ذلك من وجوه
أولًا: أن الناقل لهذه النصوص هو شيخ الإسلام ابن تيمية ويلاحظ أن ابن تيمية لم يتبنى هذا الرأي وإنما حكاه عن قائلة، وقد سبق ذكر رأيه في الرسالة وأنه لم يسلم لابن منده طعنه في سند هذه الرواية، بل دافع عنها وقال: وأما "رسالة أحمد بن حنبل" إلى مسدد بن مسرهد فهي مشهورة عند أهل الحديث والسنة من أصحاب أحمد وغيرهم تلقوها بالقبول وقد ذكرها أبو عبد الله بن بطة في كتاب " الإبانة " واعتمد عليها غير واحد كالقاضي أبي يعلى وكتبها بخطه" (^٢)
ولو كان لدى شيخ الإسلام ابن تيمية نظر في رسالة الإمام أحمد إلى مسدد لذكر ذلك، فقد ذكر عند ذكره لرسالة الاصطخري ما نصه: "ويروى هذا الكلام عن أحمد نفسه في رسالة أحمد بن سعيد الاصطخري عنه-إن صحت-" (^٣) فذكر مسألة النظر في صحة سند هذه الرسالة وأشار إليها باستدراكه بقوله: "إن صحت".
_________________
(١) مجموع الفتاوى: (٥/ ١٣١ - ١٣٢).
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٩٦).
(٣) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (ص: ٤٢١).
[ ٢٤ ]
ثانيًا: أن هذه الرسالة مرت على صيارفة الفن ومنهم:
١. ابن بطة وهو الإمام الحنبلي المشهور أبو عبد الله عبيد الله العكبري صاحب الإبانة الكبرى، (المتوفي: ٣٨٧) هـ.
٢. أبو سعيد محمد بن علي بن عمرو النقاش الأصبهاني الحنبلي، الإمام الحافظ من أئمة الحديث، قال عنه الذهبي كان من أئمة الأثر، وقال الصفدي كان من الثقات المشهورين، (المتوفي ٤١٤ هـ).
٣. الحافظ أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن محمد القراب، محدث هراة، الذي وصفه الذهبي بقوله: "الشيخ الإمام الحافظ الكبير"، (المتوفي: ٤٢٩ هـ).
٤. القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف ابن الفراء (المتوفى: ٤٥٨ هـ) في كتابه إبطال التأويلات.
٥. شيخ الإسلام، أبو إسماعيل، عبد الله بن محمد بن علي بن محمد، الأنصاري، الهروي. المعروف بناصر السنة، (المتوفى: ٤٨١ هـ).
٦. شيخ الإسلام أبو الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر بن إبراهيم بن داود النابلسي المقدسي الشافعي (المتوفى: ٤٩٠ هـ). وقد ذكر نص الرسالة في كتابه "الحجة على تارك المحجة".
٧. القاضي أبو الحسين محمد بن محمد (أبي يعلى) بن الحسين بن محمد أبو الحسين ابن الفراء، المعروف ابن أبي يعلى، وهو ابن أبي يعلى
[ ٢٥ ]
الحنبلي. (المتوفى: ٥٢٦ هـ).
٨. الإمام جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي. (المتوفى: ٥٩٧ هـ).
٩. الإمام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام النميري الحراني (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، كما تقدم النقل عنه.
١٠. الإمام أَبُو عَبْدِ الله شَمْسُ الدَّينَ مُحَمَّدُ بْنْ أَبِي بَكرِ بْنْ أَيُّوبَ بْنِ سَعْدِ بْنِ حرَيزْ الزُّرْعِيَّ ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ). فقد أشار إليها في كتابه أعلام الموقعين.
ولم يشكك واحد منهم في صحة نسبة الرسالة بل على العكس من ذلك تلقوها بالقبول. ونقلوها بكاملها أو بأخذ نصوص منها والاستشهاد بها.
ثالثًا: لو نظرنا إلى كلام العلماء في شخصية الطاعن فهو أبو القاسم، عبد الرحمن بن محمد بن إسحق بن منده العبدي الأصبهاني (^١)، ابن الحافظ المعروف، كان شديدًا في السنة، لكنه أفرط في تشدده حتى توهم في التجسيم. كانت ولادته في أصبهان سنة ٣٨١ هـ، وتوفي فيها (ت ٤٧٠ هـ) من أهم مؤلفاته: أخبار أصبهان.
قال الذهبي عنه: "أطلق عبارات بدَّعه بعضهم بها، الله يسامحه، وكان زَعِرًا
_________________
(١) ينظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٣٤٩)، طبقات الحنابلة (٢/ ٢٤٢)، شذرات الذهب (٣/ ٣٣٧).
[ ٢٦ ]
على من خالفه، فيه خارجية، وله محاسن، وهو في تواليفه حاطب ليل، يروي الغث والسمين، وينظم رديء الخرز مع الدر الثمين (^١) ".
قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقال: "وكذلك ما يجمعه عبد الرحمن بن منده -مع أنه أكثر الناس حديثا-، لكن يروي شيئًا كثيرًا من الأحاديث الضعيفة، ولا يميز بين الصحيح والضعيف، وربما جمع بابًا وكلّ أحاديثه ضعيفة، كأحاديث أكل الطين وغيرها، وهو يروي عن أبي علي الأهوازي، وقد وقع ما رواه من الغرائب الموضوعة إلى حسن بن عدي، فبنى على ذلك عقائد باطلة وادعى أن الله يرى في الدنيا عيانا. ثم الذين يقولون بهذا من أتباعه يكفرون من خالفهم. وهذا كما تقدم من فعل أهل البدع كما فعلت الخوارج. " (^٢).
وقال الذهبي: "وقال شيخ الإسلام عبد الله بن محمد الأنصاري: (كانت مضرته في الإسلام أكثر من منفعته) (^٣)
قال ابن رجب: (وهذا ليس بقادح-إن صح-فإن الأنصاري والتيمي وأمثالهما يقدحون بأدنى شيء ينكرونه من مواضع النزاع، كما هجر التيمي عبد الجليل الحافظ على قوله: (ينزل بالذات)، وهو في الحقيقة يوافقه في اعتقاده، لكن أنكر إطلاق اللفظ لعدم ورود الأثر به) اه (^٤).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١٨/ ٣٥٤).
(٢) مجموع الفتاوى (١٦/ ٤٣٤).
(٣) انظر تذكرة الحفاظ (٣/ ١١٥٦)
(٤) وذيل طبقات الحنابلة (١/ ٢٦).
[ ٢٧ ]
رابعًا: أن ما يتمسك به من شكك في صحة الرسالة من أن مدارها على شخص مجهول وهو أحمد بن محمد التميمي الزرندي، فهذا الأمر لم يجهله شيخ الإسلام ابن تيمية بل ذكره نصًا ومع ذلك لم يأخذ به ولم يجعله سببًا لرد الرسالة أو الطعن فيها بل على العكس من ذلك دافع عنها وقال بصحتها.
خامسًا: أم الطعن في الرسالة من حيث المتن.
فالرد عليه من وجهين:
الوجه الأول: أنه لا وجود لهذه العبارة في متن الرسالة.
فقول ابن مندة "ثمَّ ذَكَرَ فِيهَا؛ وَيَنْزِلُ اللَّهُ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَلَا يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ" هذا النص لا وجود له في جميع النسخ التي وقفت عليها لرسالة الإمام أحمد لمسدد ولا يدرى من أين أتى ابن مندة بهذا النص.
فهذا النص لا وجود له في رسائل الإمام أحمد فهو غير موجود في رسالة الإمام أحمد إلى مسدد بن مسرهد في جميع مواردها التي تقدم ذكره، ولا حتى في رسالة عبدوس بن مالك الواردة في طبقات الحنابلة (^١)، ولا في برواية الحسن بن إسماعيل الربعي الواردة في طبقات الحنابلة (^٢)، ولا في رواية محمد بن عوف الطائي الواردة في طبقات الحنابلة (^٣)، ولا في رواية: مُحَمَّد بن حبيب الأندراني الواردة في طبقات الحنابلة (^٤)، ولا في برواية: أحمد بن جعفر
_________________
(١) طبقات الحنابلة: (١/ ٢٤١ - ٢٤٦).
(٢) طبقات الحنابلة: (١/ ١٣٠ - ١٣١)
(٣) طبقات الحنابلة: (١/ ٣١١ - ٣١٣).
(٤) طبقات الحنابلة: (١/ ٢٩٤ - ٢٩٥).
[ ٢٨ ]
الإصطخرى الواردة في طبقات الحنابلة (^١).
وإن كان القاضي أبو يعلى ذكره في كتابه "إبطال التأويلات" حيث قال: (وقد قال أحمد في رسالته إلى مسدد: إن الله ﷿ ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا ولا يخلو من العرش. فقد صرح أحمد بالقول إن العرش لا يخلو منه) (^٢).
ولكن ما نقله ابن تيمية في مسألة النزول عن الإمام أحمد نصه: "ونقلوه عن أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدد [يقول]: "وهم متفقون على أن الله ليس كمثله شيء، وأنه لا يعلم كيف ينزل، ولا تمثل صفاته بصفات خلقه" (^٣)
وليس فيه ذكر خلو العرش، أما بقية الروايات التي نقلت لنا الرسالة بتمامها فليس فيها ذكر لمسالة النزول أصلًا.
بل أوضح شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لم ينقل على أحد من الأئمة المعروفين بالسنة بإسناد صحيح ولا ضعيف أن العرش يخلو منه (^٤).
الوجه الثاني: أن عبارة "خلو العرش" لا ترتقي لأن تكون سببًا لرد الرسالة "باعتبار أن ما تضمنته من عقائد مخالفة للمشهور عن أحمد" كما يفهم من كلام ابن منده وكما ذكره بعض الباحثين.
_________________
(١) طبقات الحنابلة: (١/ ٢٤ - ٣٦).
(٢) إبطال التأويلات (١/ ٢٦١).
(٣) منهاج السنة: ٢/ ٢٣٩.
(٤) شرح حديث النزول (ص ٢٠١).
[ ٢٩ ]
فمسألة هل يخلو العرش منه حال نزوله لأهل السنة فيها ثلاثة أقوال:
القول الأول: ينزل ويخلو منه العرش (^١)
وهو قول طائفة من أهل الحديث (^٢).
القول الثاني: ينزل ولا يخلو منه العرش (^٣)
وهو قول جمهور أهل الحديث (^٤).
ومنهم الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وحماد بن زيد، وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم (^٥).
القول الثالث: نثبت نزولًا، ولا نعقل معناه هل هو بزوال أو بغير زوال.
وهذا قول ابن بطة، والحافظ عبد الغني المقدسي وغيرهما (^٦).
أما القول الأول: وهو أنه ينزل ويخلو منه العرش، فمن قال به: أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق بن منده (^٧) (^٨).
_________________
(١) شرح حديث النزول (ص ١٦١، ٢٠١). مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٣).
(٢) شرح حديث النزول (ص ٢٠١).
(٣) شرح حديث النزول (ص ١٦١، ٢٠١). مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٣).
(٤) شرح حديث النزول (ص ٢٠١)، ومنهاج السنة (٢/ ٦٣٨).
(٥) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٧٥).
(٦) شرح حديث النزول (ص ١٦١). مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٤).
(٧) شرح حديث النزول (ص ٢٠١).
(٨) عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن منده العبدي الأصبهاني، =
[ ٣٠ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد صنف أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن محمد بن منده، مصنفًا في الإنكار على من قال لا يخلو منه العرش وسماه "الرد على من زعم أن الله في كل مكان، وعلى من زعم أن الله ليس له مكان، وعلى من تأول النزول على غير النزول) (^١).
وقد لخص شيخ الإسلام جملة ما احتج به أبو القاسم ابن منده وبين أنه احتج بأحاديث النزول، وببعض أقوال السلف العامة كقولهم (يفعل ما يشاء) وذكر بعض اعتراضاته على بعض النقول الواردة عن الأئمة (^٢).
وأوضح شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لم ينقل على أحد من الأئمة المعروفين بالسنة بإسناد صحيح ولا ضعيف أن العرش يخلو منه (^٣).
_________________
(١) = قال عنه الذهبي: (الحافظ العالم المحدث)، وقال عنه إسماعيل التيمي كما في طبقات الحنابلة: (خالف أباه في مسائل وأعرض عنه مشايخ الوقت)، وقال شيخ الإسلام عبد الله بن محمد الأنصاري: (كانت مضرته في الإسلام أكثر من منفعته)، وقال ابن رجب: (وهذا ليس بقادح-إن صح-فإن الأنصاري والتيمي وأمثالهما يقدحون بأدنى شيء ينكرونه من مواضع النزاع، كما هجر التيمي عبد الجليل الحافظ على قوله: (ينزل بالذات)، وهو في الحقيقة يوافقه في اعتقاده، لكن أنكر إطلاق اللفظ لعدم ورود الأثر به) اه. توفي سنة (٤٧٠ هـ). انظر تذكرة الحفاظ (٣/ ١١٥٦)، وذيل طبقات الحنابلة (١/ ٢٦). وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٥٦)، وذيل طبقات الحنابلة (١/ ٢٦).
(٢) شرح حديث النزول (ص ١٦١ - ١٦٢).
(٣) شرح حديث النزول (ص ١٦١ - ٢٠١).
(٤) شرح حديث النزول (ص ٢٠١).
[ ٣١ ]
وذكر أن كلام أبو القاسم بن منده من جنس كلام طائفة تظن أنه لا يمكن إلا أحد القولين:
١ قول من يقول: إنه ينزل نزولًا يخلو منه العرش.
٢ وقول من يقول: ما ثم نزول أصلًا، كقول من يقول: ليس له فعل يقوم بذاته واختياره.
وهاتان الطائفتان ليس عندهما نزول إلا النزول الذي يوصف به أجساد العباد الذي يقتضي تفريغ مكان وشغل آخر.
ثم منهم من ينفي النزول عنه، وينزهه عن مثل ذلك.
ومنهم من أثبت له نزولًا من هذا الجنس، يقتضي تفريغ مكان وشغل آخر (^١).
والقول بخلو العرش حال نزوله مرتبط (^٢) بمسألة: هل يقال في النزول والإتيان والمجيء إنه بحركة وانتقال؟
وقد اختلف أصحاب الإمام أحمد وغيرهم من المنتسبين إلى السنة والحديث في المسألة على ثلاثة أقوال ذكرها القاضي أبو يعلى في كتاب "اختلاف الروايتين والوجهين" (^٣)، وهذه الأقوال هي:
_________________
(١) شرح حديث النزول (ص ٢٠١).
(٢) ربط شيخ الإسلام بين المسألتين في شرح حديث النزول (ص ٢١٠ - ٢١١)، وكذا ابن القيم كما في مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٣).
(٣) قام الدكتور سعود بن عبد العزيز الخلف بتحقيق الجزء المتعلق بمسائل أصول الديانات من كتاب "الروايتين والوجهين"، وطبعته مكتبة أضواء السلف. وانظر المسألة (ص ٥٢ - ٥٧) من الكتاب المذكور.
[ ٣٢ ]
١ - أنه نزول انتقال وهو قول أبي عبد الله بن حامد.
٢ - أنه نزول بغير انتقال وهو قول أبي الحسن التميمي وأهل بيته، وأن معناه: قدرته (^١).
٣ - الإمساك عن القول في المسألة، وهو قول أبي عبد الله بن بطة (^٢) وغيره. ثم هؤلاء فيهم من يقف عن إثبات اللفظ مع الموافقة على المعنى وهو قول كثير منهم، ومنهم من يمسك عن إثبات المعنى وعن اللفظ (^٣).
والذي يخصنا من الأقوال الثلاثة قول ابن حامد الذي ذهب إلى أنه نزول انتقال وقال لأن هذا حقيقة النزول عند العرب، وهو نظير قوله في الاستواء بمعنى قعد.
قال القاضي أبو يعلى: (فذهب شيخنا أبو عبد الله -يعني ابن حامد-أنه نزول انتقال، وقال: لأن هذا حقيقة النزول عند العرب، وهذا نظير قوله في
_________________
(١) انظر الرد على هذا القول في مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٩ - ٢٦٢).
(٢) قال ابن بطة: (فنقول كما قال: (ينزل ربنا ﷿ ولا نقول: إنه يزول، بل ينزل كيف يشاء، ولا نصف نزوله، ولا نحده، ولا نقول إن نزوله زواله). انظر المختار من الإبانة (ص ٢٤٠).
(٣) شرح حديث النزول (ص ٢١٠ - ٢١١). مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤).
[ ٣٣ ]
الاستواء، يعني قعد، وهذا على ظاهر حديث عبادة بن الصامت (^١)، ولأن أكثر ما في هذا أنه من صفات الحدث في حقنا، وهذا لا يوجب كونه في حقه محدثًا، كما الاستواء على العرش، هو موصوف به مع اختلافنا في صفته، وإن كان هذا الاستواء لم يكن موصوفًا به في القدم، وكذلك نقول تكلم بحرف وصوت، وإن كان هذا يوجب الحدث في صفاتنا، ولا يوجبه في حقه، كذلك النزول) (^٢).
وقال ابن القيم ﵀: (أما قول ابن حامد أنه نزول انتقال فهو موافق لقول من يقول يخلو منه العرش، والذي حمله على هذا إثبات النزول حقيقة، وأن حقيقته لا تثبت إلا بالانتقال، ورأى أنه ليس في العقل ولا في النقل ما يحيل الانتقال عليه، فإنه كالمجيء والإتيان والذهاب والهبوط، وهذه أنواع الفعل اللازم القائم به، كما أن الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، والقبض، والبسط أنواع للفعل المتعدي، وهو سبحانه موصوف بالنوعين، وقد يجمعهما كقوله ﴿خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش﴾ [الأعراف ٥٤].
والانتقال جنس لأنواع المجيء، والإتيان، والنزول، والهبوط، والصعود، والدنو، والتدلي ونحوها؛ وإثبات النوع مع نفي جنسه جمع بين النقيضين.
قالوا: وليس في القول بلازم النزول والمجيء والإتيان والاستواء والصعود محذور ألبتة ولا يستلزم ذلك نقصًا، ولا سلب كمال، بل هو الكمال نفسه،
_________________
(١) يعني بحديث عبادة بن الصامت الذي فيه «ثم يعلو ﵎ على كرسيه».
(٢) كتاب اختلاف الروايتين والوجهين-مسائل من أصول الديانات- (ص ٥٥).
[ ٣٤ ]
وهذه الأفعال كمال ومدح، فهي حق دل عليه النقل ولازم الحق حق) (^١).
القول الثاني: أنه ينزل ولا يخلو منه العرش
وهذا القول ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قول جمهور أهل الحديث (^٢).
وقال: (ونقل ذلك عن الإمام أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدد، وعن إسحاق بن راهويه، وحماد بن زيد، وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم) (^٣).
قال القاضي أبو يعلى: (وقد قال أحمد في رسالته إلى مسدد: إن الله ﷿ ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا ولا يخلو من العرش. فقد صرح أحمد بالقول إن العرش لا يخلو منه) (^٤).
وسأل بشر بن السري حماد بن زيد، فقال: (يا أبا إسماعيل الحديث الذي جاء «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا». يتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد بن زيد، ثم قال: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف يشاء) (^٥).
_________________
(١) مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٤ - ٢٥٥).
(٢) شرح حديث النزول (ص ٢٠١)، ومنهاج السنة (٢/ ٦٣٨).
(٣) المصدر السابق (ص ١٤٩).
(٤) إبطال التأويلات (١/ ٢٦١).
(٥) أخرجه العقيلي في الضعفاء (١/ ١٤٣). وأخرجه ابن بطة في الإبانة، كما في المختار من الإبانة (ص ٢٠٣ - ٢٠٤، برقم ١٥٨). وأورده ابن تيمية في شرح حديث النزول (ص ١٥٠ - ١٥١)، وفي درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٢٤)، وفي الأصفهانية (ص ٢٥)، وعزاه للخلال في السنة وابن بطة في الإبانة.
[ ٣٥ ]
وقال إسحاق بن راهويه: (دخلت على عبد الله بن طاهر، فقال: ما هذه الأحاديث التي تروونها؟
قلت: أي شيء أصلح الله الأمير؟
قال: تروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا.
قلت: نعم، رواه الثقات الذين يروون الأحكام.
قال: أينزل ويدع عرشه؟
قال: فقلت: يقدر أن ينزل من غير أن يخلو العرش منه؟
قال: نعم.
قلت: ولم تتكلم في هذا؟) (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن قول إسحاق وقول حماد بن زيد: (وهذه والتي قبلها حكايتان صحيحتان رواتهما ثقات، فحماد بن زيد يقول: هو في مكانه، يقرب من خلقه كيف يشاء، فأثبت قربه مع كونه فوق عرشه.
وعبد الله بن طاهر وهو من خيار من ولي الأمر بخراسان كان يعرف أن الله فوق العرش، وأشكل عليه أنه ينزل، لتوهمه أن ذلك يقتضي أن يخلو منه العرش، فأقره الإمام إسحاق على أنه فوق العرش، وقال له: يقدر أن ينزل من
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٨٦) مختصرًا. وأخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٥٢). وأورده ابن تيمية في شرح حديث النزول (ص ١٥٢) وصحح إسناده.
[ ٣٦ ]
غير أن يخلو منه العرش؟ فقال له الأمير: نعم. فقال له إسحاق: لم تتكلم في هذا؟
يقول: فإذا كان قادرًا على ذلك لم يلزم من نزوله خلو العرش منه، فلا يجوز أن يعترض على النزول بأنه يلزم منه خلو العرش، وكان هذا أهون من اعتراض من يقول: ليس فوق العرش شيء، فينكر هذا وهذا) (^١).
القول الثالث: من يقول نثبت نزولًا ولا نعقل معناه، هل هو بزوال أو بغير زوال.
وهذ القول قال به ابن بطة (^٢)، وعبد الغني المقدسي (^٣)، وغيرهما.
قال ابن بطة: (فنقول كما قال: «ينزل ربنا عزو جل». ولا نقول: إنه يزول، بل ينزل كيف يشاء، لا نصف نزوله ولا نحده، ولا نقول: إن نزوله زواله).
وروى بسنده عن حنبل بن إسحاق قال: (قلت لأبي عبد الله: ينزل الله تعالى إلى سماء الدنيا؟
قال: نعم.
قلت: نزوله بعلمه أم بماذا؟
قال: فقال لي: اسكت عن هذا، وغضب غضبًا شديدًا، وقال: مالك ولهذا؟
_________________
(١) شرح حديث النزول (ص ١٥٣).
(٢) انظر المختار من الإبانة (ص ٢٤٠). ومجموع الفتاوى (٥/ ٤٠٢).
(٣) شرح حديث النزول (ص ١٦١).
[ ٣٧ ]
أمض الحديث كما روي بلا كيف) (^١).
وقال القاضي أبو يعلى: (وحكى شيخنا-يعني ابن حامد-عن طائفة أخرى من أصحابنا أنهم قالوا: نثبت نزولًا لا يعقل معناه هل هو زوال أو بغير زوال، كما جاء الخبر، ومثل هذا ليس يمتنع في صفاته، كما يثبت له ذاتًا ينفي عنها ماهيتها، وهذه الطريقة هي المذهب، وقد نص أحمد عليها في مواضع) (^٢). وذكر الأثر الذي ذكره ابن بطة عن حنبل.
قال ابن القيم ﵀: (وأما الذين أمسكوا عن الأمرين وقالوا: لا نقول يتحرك وينتقل، ولا ننفي ذلك عنه، فهم أسعد بالصواب والاتباع، فإنهم نطقوا بما نطق به النص، وسكتوا عما سكت عنه، وتظهر صحة هذه الطريقة ظهورًا تامًا فيما إذا كانت الألفاظ التي سكت عنها النص مجملة، محتملة المعنيين صحيح وفاسد، كلفظ (الحركة)، و(الانتقال)، و(الحوادث)، و(العلة)، و(التغير)، و(التركيب)، ونحو ذلك من الألفاظ التي تحتها حق وباطل.
فهذه لا تقبل مطلقًا، ولا ترد مطلقًا، فإن الله سبحانه لم يثبت لنفسه هذه المسميات، ولم ينفيها عنه، فمن أثبتها مطلقًا فقد أخطأ، ومن نفاها مطلقًا فقد أخطأ، فإن معانيها منقسمة إلى ما يمتنع إثباته لله، وما يجب إثباته له.
فإن الانتقال يراد به:
١ - انتقال الجسم والعرض من مكان هو محتاج إليه إلى مكان آخر يحتاج
_________________
(١) المختار من الإبانة (ص ٢٤٠ - ٢٤٢).
(٢) كتاب الروايتين والوجهين (ص ٥٦ - ٥٧).
[ ٣٨ ]
إليه. وهو يمتنع إثباته للرب ﵎، وكذلك الحركة إذا أريد بها هذا المعنى امتنع إثباتها لله تعالى.
٢ - ويراد بالحركة والانتقال حركة الفاعل من كونه غير فاعل إلى كونه فاعلًا، وانتقاله أيضًا من كونه غير فاعل إلى كونه فاعلًا، فهذا المعنى حق في نفسه لا يعقل كون الفاعل فاعلًا إلا به فنفيه عن الفاعل نفي لحقيقة الفعل وتعطيل له.
٣ - وقد يراد بالحركة والانتقال ما هو أعم من ذلك، وهو فعل يقوم بذات الفاعل يتعلق بالمكان الذي قصد له وأراد إيقاع الفعل بنفسه فيه.
وقد دل القرآن والسنة والإجماع على أنه سبحانه يجيء يوم القيامة، وينزل لفصل القضاء بين عباده، ويأتي في ظلل من الغمام والملائكة، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وينزل عشية عرفة، وينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، وينزل إلى أهل الجنة، وهذه أفعال يفعلها بنفسه في هذه الأمكنة فلا يجوز نفيها عنه بنفي الحركة والنقلة المختصة بالمخلوقين، فإنها ليست من لوازم أفعاله المختصة به، فمن كان من لوازم أفعاله لم يجز نفيه عنه، وما كان من خصائص الخلق لم يجز إثباته له.
وحركة الحي من لوازم ذاته، ولا فرق بين الحي والميت إلا بالحركة والشعور، فكل حي متحرك بالإرادة وله شعور فنفي الحركة عنه كنفي الشعور، وذلك يستلزم نفي الحياة) (^١).
_________________
(١) مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨).
[ ٣٩ ]