أصل النزاع في المسألة:
مسألة خلق القرآن حدثت في زمن محنة الجهمية والفتنة المشهورة فهي وليدة هذه الفتنة ومنها نشأ النزاع فيها هل الإيمان مخلوق أم لا؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما سئل: هل الإيمان مخلوق أم غير مخلوق؟
(فالجواب أن هذه المسألة نشأ النزاع فيها لما ظهرت محنة الجهمية في
_________________
(١) المصدر: مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية - ١/ ٤٧٤
[ ١٣٨ ]
القرآن هل هو مخلوق أم غير مخلوق؟ وهي محنة الإمام أحمد وغيره من علماء المسلمين، وقد جرت بها أمور يطول وصفها هنا، لكن لما ظهر القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأطفأ الله نار الجهمية المعطلة.
صارت طائفة يقولون: إن كلام الله الذي أنزله مخلوق، ويعبرون عن ذلك باللفظ، فصاروا يقولون ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، أو تلاوتنا أو قراءتنا مخلوقة، وليس مقصودهم مجرد كلامهم وحركاتهم بل يدخلون فيه نفس كلام الله الذي نقرؤه بأصواتنا وحركاتنا.
وعارضهم طائفة أخرى فقالوا: ألفاظنا بالقرآن غير مخلوقة.
فرد الإمام أحمد على الطائفتين وقال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع. وتكلم الناس حينئذ بالإيمان فقالت طائفة: الإيمان مخلوق وأدرجوا في ذلك ما تكلم الله به من الإيمان مثل (قول لا إله إلا الله)، فصار مقتضى قولهم أن هذه الكلمة مخلوقة، ولم يتكلم الله بها، فبدع الإمام أحمد هؤلاء، وقال: قال النبي ﷺ:» الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها: قول لا إله إلا الله (^١) «أفيكون قول لا إله إلا الله مخلوقا؟.
ومراده أن من قال: إن ألفاظنا وتلاوتنا وقراءتنا للقرآن مخلوقة، كان
_________________
(١) رواه البخاري (٩) ومسلم (٣٥)
[ ١٣٩ ]
مقتضى كلامه أن الله لم يتكلم بالقرآن الذي أنزله. وأن القرآن المنزل ليس هو كلام الله) (^١)
وقال ﵀: (وإذا قال: الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟ قيل له: ما تريد (بالإيمان)؟ أتريد شيئا من صفات الله وكلامه، كقول (لا إله إلا الله) و(إيمانه) الذي دل عليه اسمه المؤمن، فهو غير مخلوق. أو تريد شيئا من أفعال العباد وصفاتهم فالعباد كلهم مخلوقون، وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقة، ولا يكون للعبد المحدث المخلوق صفة قديمة غير مخلوقة، ولا يقول هذا من يتصور ما يقول، فإذا حصل الاستفسار والتفصيل ظهر الهدى وبان السبيل، وقد قيل أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وأمثالها مما كثر فيه تنازع الناس بالنفي والإثبات إذا فصل فيها الخطاب، ظهر الخطأ من الصواب.
والواجب على الخلق أن ما أثبته الكتاب والسنة أثبتوه، وما نفاه الكتاب والسنة نفوه، وما لم ينطق به الكتاب والسنة لا بنفي ولا إثبات استفصلوا فيه قول القائل: فمن أثبت ما أثبته الله ورسوله، فقد أصاب، ومن نفى ما نفاه الله ورسوله فقد أصاب، ومن أثبت ما نفاه الله أو نفى ما أثبته الله فقد لبس دين الحق بالباطل، فيجب أن يفصل ما في كلامه من حق أو باطل، فيتبع الحق ويترك الباطل، وكل من خالف الكتاب والسنة فإنه مخالف أيضا لصريح المعقول، فإن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، كما أن المنقول عن
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٧/ ٦٥٥
[ ١٤٠ ]
الأنبياء ﵈ لا يخالف بعضه بعضا، ولكن كثيرا من الناس يظن تناقض ذلك، وهؤلاء من الذين اختلفوا في الكتاب ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة الآية: ١٧٦]، ونسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) (^١)
قال الإمام أحمد-﵁: من قال: الإيمان مخلوق كفر، ومن قال: غير مخلوق ابتدع. فقيل: بالوقف مطلقا، وقيل: أقواله قديمة وأفعاله مخلوقة. قال ابن حمدان في نهاية المبتدئين: وهو أصح، ونقله عن ابن أبي موسى وغيره. ونقل الإمام الحافظ ابن رجب في طبقات الأصحاب في ترجمة الحافظ عبد الغني المقدسي-قدس الله روحه -ما لفظه قال: روي عن إمامنا أحمد-﵁-أنه قال: من قال: الإيمان مخلوق فهو كافر، ومن قال: قديم فهو مبتدع.
قال الحافظ عبد الغني: وإنما كفر من قال بخلقه؛ لأن الصلاة من الإيمان، وهي تشتمل على قراءة وتسبيح وذكر الله-﷿-ومن قال بخلق ذلك كفر، وتشتمل على قيام وقعود وحركة وسكون ومن قال بقدم ذلك ابتدع. انتهى بحروفه، والله-تعالى-الموفق) (^٢)
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٧/ ٦٦٤
(٢) لوامع الأنوار البهية ١/ ٤٤٦
[ ١٤١ ]
وأما مسألة: هل اللفظ بالقرآن مخلوق أو لا؟ هل يجوز أن يقول القائل: لفظي بالقرآن مخلوق؟
فاللفظ يأتي بمعنى: التلفظ، ويأتي بمعنى الملفوظ؛ هل هو الملفوظ الخارج، أو حركة اللسان التلفظ؟
فمعلوم أنه إن أريد الأول وهو التلفظ: فالتلفظ من أفعال العبد، وأفعال العباد مخلوقة.
وإن عُني باللفظ الملفوظ فالملفوظ هو القرآن.
لهذا صارت الكلمة محتملة، واستعمال المحتملات في العقيدة بدعة؛ فإنه لا يجوز أن تستعمل مثل هذه العبارة التي قد تحتمل شيئًا آخر؛ فيفهم الناس منها فهمًا غير سليم.
ولهذا كان الإمام أحمد يقول: «مَنْ قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع أيضًا»؛ لأنها تحتمل هذه وهذه، وقد سكت السلف عن الإطلاق؛ لأنَّ الألفاظ المحتملة فيما يتصل بذات الله جل وعلا أو صفاته أو أفعاله أو أمور العقيدة والغيبيات لا يجوز استعمالها، وينهى عنها.
ولهذا قال ابن القيم ﵀:
وَعَلَيْكَ بِالتَّفْصِيلِ وَالتَّبْيِينِ فَالْ … إِطْلَاقُ وَالإِجْمَالُ دُونَ بَيَانِ
[ ١٤٢ ]
قَدْ أَفْسَدَا هَذَا الوُجُودَ وَخَبَّطَا ال … أَذْهَانَ وَالآرَاءَ كُلَّ زَمَانِ (^١)
ومعلوم أنه ثَمَّ فرق ما بين التلاوة وبين المتلو، وما بين الدراسة والمدروس، وما بين القراءة والمقروء، فكما قال أئمة السلف: الصوت صوت القاري والكلام كلام الباري جل وعلا، فالجهة منفكة لا تلازم بين التلاوة والمتلو؛ لأن التلاوة فِعل العبد والمتلو كلام الله جل وعلا، ولهذا بدَّع السلف من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ لأن كلمة (لفظي) تحتمل أن يكون المراد التلفظ الذي هو عمل العبد؛ فتكون الكلمة صحيحة، وأما الملفوظ فهو كلام الحق جل وعلا فليس بمخلوق.
لذا استعمل هذه اللفظة بعض أهل البدع والاعتزال والجهمية ليستروا قولهم بخلق القرآن؛ فاستعملوا قولًا محتملًا حتى لا يقعوا في المساءلة والعقاب.
وقد رأي الإمام أحمد وبعض الأئمة أنه لا يُقال: اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال: غير مخلوق؛ لأن الكلام هنا محتمل، فعندما يقول القائل: لفظي بالقرآن مخلوق، فهل يقصد به القرآن الذي هو كلام الله تعالى، أو يقصد فعل المخلوق؟
فإن قال: اللفظ بالقرآن غير مخلوق، فقد لا يقصد هنا كلام الله تعالى، وإنما يقصد كلامه هو، وهذا خطأ؛ لأن نطق الإنسان مخلوق، فالمسألة تكون
_________________
(١) انظر: «الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية» لابن القيم.
[ ١٤٣ ]
محتملة، فمن هذا الباب باب منع الإمام أحمد والأئمة من أهل السنة أن يُقال: لفظي القرآن مخلوق أو غير مخلوق؛ لأن هذا اللفظ محتمل.
بينما ينص الإمام البخاري وبعض أهل السنة على أن اللفظ بالقرآن الذي هو نطق الإنسان مخلوق، فإذًا فَصَّلوا وبيَّنوا أنه إذا قصد النطق فهذا مخلوق، وإذا قصد الأصل الذي هو كلام الله ﷾ الملفوظ، فهذا غير مخلوق.
وحدثت في هذه المسألة فتنة للبخاري، أثارها عليه شيخه محمد بن يحيى الذهلي، ودافع عنه ابن القيم في كتابه «الصواعق»، وقال: «إن البخاري في هذه المسألة أقعد وبيَّن ووضَّح وفصَّل في هذه المسألة، وتشنيع الذهلي عليه هذا من باب الغيرة والحسد الذي بين الشيخ وتلميذه؛ لأن البخاريَّ تفوق عليه.
فالمسألة محل خلاف، مثل مسألة الاسم والمسمَّى؛ لأن المخرج فيهما واحد؛ لأن كِلا المسألتين تعودان إلى صفة الكلام، والكلام: صفة من صفات الله ﷾ غير مخلوق، وبناء على ذلك ترتَّب خلاف في مسألة اللفظ وفي مسألة الاسم والمسمى؛ لأن أسماء الله تعالى من كلامه، والقرآن من كلامه ﷿، فحصل خلاف في هذه المسألة بناءً على ذلك.
"وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رجل قال: إن الله لم يكلم موسى تكليمًا، وإنما خلق الكلام والصوت في الشجرة وموسى ﵇ سمع من الشجرة لا من الله، وأن الله ﷿ لم يكلم جبريل بالقرآن وإنما أخذه من اللوح المحفوظ، فهل هو على الصواب أم لا؟
[ ١٤٤ ]
فأجاب: الحمد الله، ليس هذا على الصواب، بل هذا ضال مفتر كاذب باتفاق سلف الأمة وأئمتها، بل هو كافر يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وإذا قال لا أكذب بلفظ القرآن وهو قوله (وكلم الله موسى تكليمًا) بل أقر بأن هذا اللفظ حق لكن، فإن هؤلاء هم الجهمية الذين اتفق السلف والأئمة على أنهم من شر أهل الأهواء والبدع حتى أخرجهم كثير من الأئمة عن الثنتين والسبعين فرقة.
وهذه المسألة في أصول أهل الإيمان والسنة التي فارقوا بها الجهمية من المعتزلة والفلاسفة ونحوهم، والكلام عليها مبسوط في غير هذا الموضع والله أعلم " (^١)
_________________
(١) المصدر: مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية - ١/ ٤٧٤
[ ١٤٥ ]
قال المصنف-رحمه الله تعالى-: