القول الأول: ذهب بعض العلماء إلى أن القضاء والقدر مترادفان.
وهذا موافق لقول بعض أئمة اللغة الذين فسروا القدر بالقضاء، قال الفيروزآبادي:
القدر: "القضاء والحكم". (^٢)
القول الثاني: وذهب آخرون من العلماء إلى التفريق بينهما.
ولكن اختلفوا في أيهما أعم وأسبق
فمنهم من ذهب إلى أن القضاء سابق على القدر.
فقال:
القضاء: هو ما علمه الله وحكم به في الأزل.
والقدر: هو وجود المخلوقات موافقة لهذا العلم والحكم.
قال الحافظ ابن حجر: "قال العلماء:
القضاء: هو الحكم الكلي الإجمالي
_________________
(١) ما بين معكوفتين من كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٧) ومختصر الحجة على تارك المحجة (٢/ ٣٧٢).
(٢) "القاموس" المحيط (ص ٥٩١).
[ ٢١٢ ]
في الأزل.
والقدر: جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله". (^١)
وقال في موضع آخر: "
القضاء: الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل.
والقدر: الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل" (^٢)
وقال الجرجاني "
القدر: خروج الممكنات من العدم إلى الوجود، واحدا بعد واحد، مطابقا للقضاء.
والقضاء في الأزل، والقدر فيما لا يزال.
والفرق بين القدر والقضاء: هو أن
القضاء: وجود جميع الموجودات في اللوح المحفوظ مجتمعة.
والقدر: وجودها متفرقة في الأعيان بعد حصول شرائطها". (^٣)
ومن العلماء فريق آخر عكس هذا القول، فجعلوا القدر سابقا على القضاء:
فالقدر: هو الحكم السابق الأزلي.
والقضاء: هو الخلق.
قال الراغب الأصفهاني: "والقضاء من الله تعالى أخص من القدر؛ لأنه الفصل بين التقدير، فالقدر هو التقدير، والقضاء هو الفصل والقطع.
_________________
(١) "فتح الباري" (١١/ ٤٧٧)
(٢) (١١/ ١٤٩).
(٣) "التعريفات" (ص ١٧٤).
[ ٢١٣ ]
وقد ذكر بعض العلماء أن القدر بمنزلة المُعَدِّ للكيل، والقضاء بمنزلة الكيل، ويشهد لذلك قوله تعالى: (وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا)، وقوله: (كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا)، وقوله: (وَقُضِيَ الأَمْرُ). أي فصل، تنبيهًا أنه صار بحيث لا يمكن تلافيه ". (^١)
القول الثالث: ومن العلماء من اختار أنهما بمعنى واحد إذا افترقا، فإذا اجتمعا في عبارة واحدة: صار لكل واحد منهما معنى.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "
القدر في اللغة؛ بمعنى: التقدير؛ قال تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [القمر: ٤٩]، وقال تعالى: (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) [المرسلات: ٢٣].
وأما القضاء؛ فهو في اللغة: الحكم.
ولهذا نقول: إن القضاء والقدر متباينان إن اجتمعا، ومترادفان إن تفرقا؛ على حد قول العلماء: هما كلمتان: إن اجتمعتا افترقتا، وإن افترقتا اجتمعتا.
فإذا قيل: هذا قدر الله؛ فهو شامل للقضاء، أما إذا ذكرا جميعًا؛ فلكل واحد منهما معنى.
فالتقدير: هو ما قدره الله تعالى في الأزل أن يكون في خلقه.
وأما القضاء؛ فهو ما قضى به الله ﷾ في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير، وعلى هذا يكون التقدير سابقًا.
_________________
(١) "المفردات" (ص ٦٧٥).
[ ٢١٤ ]
فإن قال قائل: متى قلنا: إن القضاء هو ما يقضيه الله ﷾ في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير، وإن القدر سابق عليه إذا اجتمعا؛ فإن هذا يعارض قوله تعالى: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) [الفرقان: ٢]؛ فإن هذه الآية ظاهرها أن التقدير بعد الخلق؟
فالجواب على ذلك من أحد وجهين:
- إما أن نقول: إن هذا من باب الترتيب الذكري لا المعنوي، وإنما قدم الخلق على التقدير لتتناسب رؤوس الآيات.
ألم تر إلى أن موسى أفضل من هارون، لكن قدم هارون عليه في سورة طه في قوله تعالى عن السحرة: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى) [طه: ٧٠]؛ لتتناسب رؤوس الآيات.
وهذا لا يدل على أن المتأخر في اللفظ متأخر في الرتبة.
-أو نقول: إن التقدير هنا بمعنى التسوية؛ أي: خلقه على قدر معين؛ كقوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى) [الأعلى: ٢]؛ فيكون التقدير بمعنى التسوية.
وهذا المعنى أقرب من الأول؛ لأنه يطابق تمامًا لقوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى)؛ فلا إشكال". (^١)
والخلاصة: أن الخطب في هذه المسألة يسير جدا، وليس وراءها كبير فائدة، ولا تتعلق بعمل ولا اعتقاد، وغاية ما فيها اختلاف في التعريف، ولا دليل
_________________
(١) "شرح العقيدة الواسطية" (٢/ ١٨٩).
[ ٢١٥ ]
من الكتاب والسنة يفصل فيها، والمهم هو الإيمان بهذا الركن العظيم من أركان الإيمان، والتصديق به.
قال الخطابي ﵀ بعد أن ذكر أن القدر هو التقدير السابق وأن القضاء هو الخلق، قال: "جماع القول في هذا الباب -أي القضاء والقدر-أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه" (^١) انتهى.
وقال الشيخ عبد الرحمن المحمود: "لا فائدة من هذا الخلاف؛ لأنه قد وقع الاتفاق على أن أحدهما يطلق على الآخر … فلا مشاحة من تعريف أحدهما بما يدل عليه الآخر". (^٢)
وعلى المسلم أن يتيقن أن كل شيء بقضاء الله وقدره، فالآجال والأعمار والذوات والأشخاص والصفات والحركة والسكون والأفعال وكل شيء قد قضاه الله وقدره وكتبه في اللوح المحفوظ، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
فلا بد للمسلم أن يؤمن بقضاء الله وقدره في كل شيء، وأن الله قد علم
_________________
(١) "معالم السنن" (٢/ ٣٢٣)
(٢) "القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة" (ص ٤٤).
[ ٢١٦ ]
الأشياء قبل كونها، وكتبها في اللوح المحفوظ، وأراد كل شيء في هذا الوجود قضاءً وقدرًا، وخلق كل شيء في هذا الوجود.
والإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة، وقد ورد ذكر القدر في القرآن ومنه ما جاء في قوله تعالى: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ [القمر: ٤٩]. وقوله تعالى: ﴿وكان أمر الله قدرا مقدورا﴾ [الأحزاب: ٣٨].
القَدَرُ في اللغة: التقديرُ، وهو مصدرٌ، يقال: قَدَرتُ الشيءَ أَقْدُرُه قَدْرًا وقَدَرًا إذا أحَطْتُ بمقداره، والقَدَرُ: وقتُ الشيءِ أو مكانُه المقدَّرُ له، ويُطْلَقُ القَدَرُ على القضاء الذي يقضي به اللهُ على عِبَادِه، وجمعُه أقدارٌ. (^١)
قال الأزهريُّ: «قال الليث: القَدَرُ: القضاءُ الموفَّق، يقال: قدَّر اللهُ هذا تقديرًا، قال: وإذا وافَقَ الشيءُ الشيءَ قلتَ: جاء قَدَرُه» (^٢).
وَقَدَرُ اللهِ تَعَالَى هُوَ: تَعَلُّقُ عِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ أَزَلًا بِالكَائِنَاتِ كُلِّهَا قَبْلَ وُجُودِهَا؛ فَلَا حَادِثَ إِلَّا وَقَدْ قَدَّرَهُ اللهُ تَعَالَى، أَيْ: سَبَقَ بِهِ عِلْمُهُ وَتَقَدَّمَتْ بِهِ إِرَادَتُهُ؛ فَكُلُّ حَادِثٍ فَهُوَ حَادِثٌ عَلَى وَفْقِ مَا سَبَقَ بِهِ عِلْمُ اللهِ وَمَضَتْ بِهِ إِرَادَتُهُ
والإيمانُ بالقَدَرِ ركنٌ عظيمٌ مِنْ أركانِ الإسلام، لا يَصِحُّ إيمانُ المسلمِ إلَّا بتحقيقه، وقد انعقد إجماعُ السلفِ قاطبةً ومَن بَعْدَهم مِنْ أئمَّةِ السنَّةِ العدولِ
_________________
(١) انظر: «لسان العرب» لابن منظور (١١/ ٥٥)، «المعجم الوسيط» (٢/ ٧١٨)، «فتح الباري» لابن حجر (١/ ١١٨).
(٢) «تهذيب اللغة» (٩/ ٣٧).
[ ٢١٧ ]
الأثباتِ على وجوبِ الإيمان بالقَدَر، وأنَّ الأمور كُلَّها: خيرَها وشرَّها، نَفْعَها وضَرَّها بتقديرِ الله تعالى، قال عبدُ الغنيِّ المقدسيُّ ﵀ في: «وأَجْمَعَ أئمَّةُ السلفِ مِنْ أهل الإسلام على الإيمانِ بالقَدَرِ خيرِه وشرِّه، حُلْوِه ومُرِّه، قليلِه وكثيرِه، بقضاءِ الله وقَدَرِه، لا يكون شيءٌ إلَّا بإرادته، ولا يجري خيرٌ وشرٌّ إلَّا بمَشيئته، خَلَقَ مَنْ شاءَ للسعادة واستعمله بها فضلًا، وخَلَقَ مَنْ أراد للشقاء واستعمله به عدلًا؛ فهو سرٌّ استأثر به، وعِلْمٌ حَجَبَه عن خَلْقِه، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، قال اللهُ ﷿ ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وقال-تعالى-: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، وقال-﷿ ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩ [" (^١).
وأكَّد ابنُ تيمية ﵀ هذا الإجماعَ بقوله: "وأمَّا السلفُ والأئمَّةُ كما أنهم مُتَّفِقون على الإيمانِ بالقَدَر، وأنه ما شاءَ كان وما لم يَشَأْ لم يكن، وأنه خالِقُ كُلِّ شيءٍ مِنْ أفعال العباد وغيرِها، وهُمْ مُتَّفِقون على إثباتِ أَمْرِه ونَهْيِه، ووَعْدِه ووَعِيدِه، وأنه لا حُجَّةَ لأَحَدٍ على الله في تركِ مأمورٍ ولا فعلِ محظورٍ؛ فهُمْ أيضًا مُتَّفِقون على أنَّ اللهَ حكيمٌ رحيمٌ، وأنه أَحْكَمُ الحاكمين وأَرْحَمُ الراحمين" (^٢).
_________________
(١) الاقتصاد في الاعتقاد) ١٥١ (.
(٢) «مجموع الفتاوى» (٨/ ٤٦٦).
[ ٢١٨ ]