وإنما عمدتهم في الشرعيات على ما يظنونه إجماعا، مع كثرة خطئهم فيما يظنونه إجماعًا، وليس بإجماع. وعمدتهم في أصول الدين على ما يظنونه عقليات، وهي جهليات» (^١).
فخلاصة القول إن الجهم كان يدعو لأمور منها:
١ - إنكار الأسماء والصفات.
فالجهم بن صفوان أنكر الأسماء والصفات.
٢ - قوله بأن الإيمان هو المعرفة.
فقد كان في مسائل الإيمان على الإرجاء يقول: "إن الإيمان هو مجرد المعرفة" (^٢).
٣ - القول بفناء الجنة والنار.
كذلك كان يدعو للقول بفناء الجنة والنار معًا.
٤ - القول بالجبر في باب القدر.
فقد كان كذلك جبريًا في باب القدر، يقول: "إن العبد مجبور" (^٣).
والمعتزلة كانوا في الصفِّ المقابل إذ ذاك لأنهم يقولون بمقالة القدرية،
_________________
(١) من كلام شيخ الإسلام في درء التعارض (٧/ ٢٩).
(٢) انظر كتاب سير اعلام النبلاء الجزء السادس، صفحة (٢٧).
(٣) انظر كتاب الملل والنحل الجزء الأول، صفحة (٨٥).
[ ١٢٢ ]
أي إنكار قدرة الله ﷾، وأما الجهم فهو ينكر قدرة العبد ويقول: إن العبد مجبور على فعله، والناس في القدر ثلاثة: إما أن يكونوا قدرية، أو جبرية، أو أهل السنة والجماعة.
فالجبرية الذين ينكرون قدرة العبد ويقولون: إن العبد مجبور على فعله وهذا قول الجهمية، أتباع جهم.
والقدرية الذين يقولون: إن الله ﷾ ليس له قدرة ولا تصرُّف في فعل العبد وإنما العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، وليس لله تعالى قدرة أو تصرُّف في فعل العبد، فهم في مقابل الجهمية إذ ذاك.
فهذه أشهر ما عند الجهم من المقالات، ومقالات الجهم كان لها أتباعها، وكان أتباعها في المشرق جهة خرسان.
لذلك كان أئمة السنة في المشرق أقوالهم وآثارهم أكثر في مسائل الجهمية من العلماء في الشام، أو العلماء في الحجاز، أو علماء السنة كذلك في مصر وغيرها؛ لأن ظهور المقالة كان في جهة المشرق جهة خرسان. ولذلك كان تأثر الأحناف بهذه المقالة أكثر من تأثر غيرهم في ذلك الحين، حتى أن بشر المريسي كان من الحنفية ولذلك أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة عنَّف بشرًا وحاكمه على مقولته هذه.
فكان تأثر الأحناف بهذه المقالة باعتبار أن ظهورها كان في المشرق، وكان لمذهب أبي حنيفة قبولًا في ذلك الاتجاه أي في خرسان.
[ ١٢٣ ]
فالمعتزلة في ذلك الحين لم يكونوا بعد قد تأثروا بمقالة الجهمية في نفي الصفات، ولذلك فإن العلماء إذا نسبوا هذه المقالة قالوا: مقالة الجهمية.
ومقالة التجهم تشمل: أتباع الجهم الجهمية، والمعتزلة، والكلابية، والأشاعرة، والماتريدية.
إذًا كما أن أهل الإرجاء خمسة، فإن أهل التجهم خمسة. فلذلك لفظ الجهمية تارة يراد به معنىً عامًّا يشمل كل من قال بنفي الصفات، فيدخل في ذلك أتباع الجهم، والمعتزلة، والكلابية، والأشاعرة، والماتريدية، وتارة يراد به الجهمية المحضة.
فعلى المعنى الأول يقسمونهم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الغالية أتباع الجهم.
القسم الثاني: المعتزلة.
القسم الثالث: الصفاتية.
أو يقسمونهم إلى ثلاث درجات:
الدرجة الأولى: الغالية ويراد بهم أتباع الجهم؛ لأن هؤلاء يقولون بإنكار جميع الأسماء والصفات، لا يثبتون اسمًا، فالجهم يقول: "إن الله لا يسمَّى بشيء" (^١)،
_________________
(١) انظر كتاب العرش للذهبي الجزء الأول، صفحة (٧٨).
[ ١٢٤ ]
وهناك قول آخر يقول فيه: "إن الله يسمَّى باسمين فقط: الخالق، والقادر" (^١)؛ لأنه يزعم أن هذين الاسمين ليس فيهما تشبيه، باعتبار أنه جبري فبالتالي يرى أن القدرة أمر يختص له الخالق، وأن العبد لا قدرة له ولا اختيار، فيقول: لأن الله تعالى يتفرد بالخلق والقدرة، فبالتالي لا تشبيه في هذين الاسمين فلا مانع من ذلك.
فهو تارة يقول: إن الله لا يسمَّى بشيء، وتارة يجيز اسمين فقط وهما الخالق والقادر، وأما الصفات فإنه ينفيها جميعًا، ينفي جميع الصفات، فلذلك يقال عنهم: الغالية.
والدرجة الثانية: وهم المعتزلة وتعطيلهم أقل درجة، لأنهم يقتصرون على نفي الصفات، ويثبتون الأسماء، وإن كان ينبغي أن تفهم أن إثباتهم للأسماء إنما هو إثبات شكلي، لأنهم يثبتون ألفاظها وينفون معانيها، وهم يقولون: سميع بلا سمع، ويثبتون الأسماء إثباتًا شكليًّا وينفون الصفات.
الدرجة الثالثة: هم الصفاتية، وإذا قيل: الصفاتية، فإن هذا المصطلح يعني الكلابية، والأشاعرة، والماتريدية.
وهؤلاء ينقسمون إلى قسمين:
القسم الأول: الكلابية ومعهم قدماء الأشاعرة، وإثباتهم أكثر من إثبات المتأخرين، فهم يثبتون الصفات ما عدا الصفات الاختيارية، صفات الأفعال مثل: النزول، والاستواء، والغضب، والرضا، والضحك، وغير ذلك هذه يحرِّفونها، وأما الصفات الذاتية فإنهم يثبتونها.
_________________
(١) انظر كتاب العرش للذهبي الجزء الأول، صفحة (٨٢).
[ ١٢٥ ]
القسم الثاني: متأخرو الأشاعرة لأن الأشاعرة ينقسمون إلى قسمين: متقدمين، ومتأخرين. فمن طبقة الجويني ومن بعده كالغزالي والرازي، إلى يومنا هذا هؤلاء هم المتأخرون الذين يقولون بإثبات سبع صفات فقط، ونفي ما عدا السبع.
ولذلك لو جمعت بين كتاب للبيهقي وكتاب للجويني أو الغزالي أو الرازي، تجد أن إثبات البيهقي وهو من قدماء الأشاعرة أكثر بكثير مما عند الجويني أو الغزالي أو الرازي لأن المتأخرين كانوا أكثر قربًا إلى المعتزلة، فلذلك نفيهم كان أكثر وأكثر، هؤلاء المتأخرون كانوا أكثر قربًا إلى المعتزلة، فلذلك هم في النفي أكثر. أما المتقدمون من الأشاعرة فكانوا أقرب إلى أهل السنة فلذلك كان إثباتهم أكثر.
فهذا من حيث إطلاق لفظ الجهمية، فتارة يراد به جميع من قال بنفي الصفات، فلفظ الجهمية كلفظة الإرجاء، يشمل عددًا من الفرق وهي خمسة، كما أن الإرجاء خمسة. فإذا قيل الجهمية على هذا، فإن المقصود به المقالة، وفرقٌ بين المقالة والفرقة، فالمقالة قد يشترك فيها أكثر من طائفة، والفرقة تختص بطائفة معينة لها عدد من الأقوال والمقالات.
والجهمية استمرت مقالاتهم حتى القرن الخامس الهجري تقريبًا، كان يذكرون أنه ما يزال منهم في المشرق من يقول بمقالتهم، وكان آخر ما ذكر في ذلك أنها كانت في نهاوند إلى أن تلاشت ودخل أتباعها في الأشعرية، هذا أخر ما ذكر عن تاريخ الجهمية. فهذا يعني أنه كان لهم وجود.
[ ١٢٦ ]