بعد اتفاق أهل السنة والجماعة على أن الله تعالى لا يراه أحد في الدنيا يقظة فقد اختلفوا في رؤية نبينا ﷺ ربه ليلة المعراج.
رؤية النبي ﷺ لربه في ليلة المعراج فقد وقع الخلاف فيها بين أحد قولين:
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٤٨٦).
(٢) انظر سنن ابن ماجه برقم (١٨١)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمَدَنِيِّينَ (١٦١٨٧)، ذكره الشيخ الالباني في السلسلة الصحيحة الجزء السادس، صفحة (٧٣٢)، وضعفه الأرنؤوط كما في المسند.
[ ٢٧٠ ]
إما إنكار هذه الرؤيا وأنها لم تقع.
وإما إثباتها ولكن على أنها رؤية بالقلب، وليست رؤية بالعين، فقد حصل الاختلاف بين الصحابة في هذه المسألة، فعائشة-﵂-ومن معها لم يثبتوا هذه الرؤية.
وابن عباس أثبتها، ولكن رواية عند عباس بين أن تكون مطلقة حيث قال: "رأى محمد ربه" ومقيده بقوله: "رأى محمد ربه بقلبه" (^١)
والصواب: كما يرى شيخ الإسلام بن تيمية أن الرؤيا وقعت بالقلب ولم تقع بالعين.
قال الإمام ابن القيم: «حكى عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب (الرؤية) له: إجماع الصحابة على أنه لم ير ربه ليلة المعراج، وبعضهم استثنى ابن عباس فيمن قال ذلك، وشيخنا-أي: ابن تيمية-يقول: ليس ذلك بخلاف في الحقيقة، فإن ابن عباس لم يقل: رآه بعيني رأسه، وعليه اعتمد أحمد في إحدى الروايتين حيث قال: إنه-ﷺ-رآه ﷿، ولم يقل: بعيني رأسه، ولفظ أحمد لفظ ابن عباس ﵄، ويدل على صحة ما قال شيخنا في معنى حديث أبي ذر-﵁ عن النبي-ﷺ-في الحديث الآخر: «حجابُه النُّورُ» (^٢)، فهذا النور هو-والله
_________________
(١) انظر صحيح مسلم كِتَابُ الْإِيمَانَ، بَابُ مَعْنَى قَوْلِ اللهُ ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]، وَهَلْ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، برقم (١٧٦)، والترمذي (٣٢٨١) وقال عقبه هذا حديث حسن، والإمام أحمد في المسند مِنْ مُسْنَدِ بَنِي هَاشِمٍ (١٩٥٦).
(٢) أخرجه مسلم (١٧٩) من حديث أبي موسى ﵁.
[ ٢٧١ ]
أعلم-النور المذكور في حديث أبي ذر-﵁: «رأيتُ نُورًا» " (^١) (^٢).
وهو ما رجَّحه-أيضًا-شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى»، حيث قال ﵀: «ولم يتنازعوا إلا في النبي-ﷺ-خاصة مع أن جماهير الأئمة على أنَّه لم يَره بعينه في الدنيا، وعلى هذا دَلَّت الآثار الصحيحة الثابتة النبي-ﷺ-والصحابة وأئمة المسلمين، ولم يثبت عن ابن عباس ولا عن الإمام أحمد وأمثالهما أنهم قالوا: إن محمدًا رأى ربه بعينه، بل الثابت عنهم:
إمَّا إطلاق الرؤية.
وإمَّا تقييدها بالفؤاد.
وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة أنه رآه بعينه، وقوله: «أتاني البارحةَ رَبِّي في أحسن صورة» (^٣) الحديث الذي رواه الترمذي وغيره إنما كان بالمدينة في المنام هكذا جاء مفسرًا) (^٤).
فحملوا الآثار المُطلقة الواردة في الرؤية؛ كأثر ابن عباس: «رأى محمدٌ ربَّه» على الرؤية القلبية، وحملوا الآثار النافية للرؤية؛ كأثر عائشة-﵂-على الرؤية البصرية؛ لأنه-من خلال التَّتبع-لم يَرِد عن أحد منهم أنه قال: رآه بعينه، وعليه فلا تعارض بين هذه النصوص.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٧٨) من حديث أبي ذر ﵁.
(٢) «اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية» (١/ ٣).
(٣) أخرجه الترمذي (٣١٥٧)، وأحمد (٣٣٠٤) وغيرهما، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٩).
(٤) «مجموع الفتاوى» (١/ ١٦٩).
[ ٢٧٢ ]
قال المصنف-رحمه الله تعالى-:
"وأن الله يخرج أقوامًا من النار بشفاعة محمد-ﷺ" (^١).
جاء في إثبات الشفاعة أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ بلغت حد التواتر، وصرحت هذه الأحاديث بأنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر، من أهل التوحيد، مؤمنون موحدون، لكن دخلوا النار بذنوب ومعاص ارتكبوها ولم يتوبوا منها.