القول الأول: قول من قال الإيمان يزيد وتوقف في النقصان.
جاء عن الإمام مالك رحمه الله تعالى في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه روايتان، قال في إحداهما: إن الإيمان يزيد أما النقصان فتوقف فيه وطلب من السائل أن يكف عن السؤال عنه، لأنه لم يجد عليه دليلًا من كتاب الله.
_________________
(١) رواه ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد (ص ٢٢٨) وابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ١٣٠) بلفظ أجمع تسعون … إلخ.
(٢) ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٤٧)، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٢/ ٢٥٦) وعزواه للالكائي في السنة، وصححا إسناده، قلت: وهو في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "المطبوع" (٥/ ٨٨٩ رقم: ١٥٩٧) بنحوه، وليس فيه "ويزيد وينقص"، فلعل هذه اللفظة سقطت من المطبوع، أو أن الحافظ والزبيدي اطلعا على نسخة اشتملت على ما حكياه.
[ ١٧٠ ]
أما الرواية الأخرى: فقد جاءت عنه من طرق متعددة صحيحة، قال فيها: إن الإيمان يزيد وينقص، كقول أهل السنة والجماعة سواء (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكان بعض الفقهاء من أتباع التابعين لم يوافقوا في إطلاق النقصان عليه. لأنهم وجدوا ذكر الزيادة في القران، ولم يجدوا ذكر النقص، وهذا إحدى الروايتين عن مالك" (^٢).
القول الثاني: قول من قال الإيمان يزيد ولا ينقص.
وهذا قول طائفة من الأشاعرة، رواية عن أبي حنيفة، والغسانية، النجارية، الإباضية.
أما قول الطائفة من الأشاعرة: فقد أشار إليه البغدادي في "أصول الدين" فقال: "وأما من قال: إنه التصديق (^٣) بالقلب فقد منعوا من النقصان فيه، واختلفوا في زيادته فمنهم من منعها ومنهم من أجازها" (^٤).
وأما الرواية عن أبي حنيفة: أن الإيمان يزيد ولا ينقص، فقد ذكرها غير واحد ممن كتب في المقالات، من طريق غسان وغيره عن أبي حنيفة ﵀.
قال الأشعري: "فأما غسان وأكثر أصحاب أبي حنيفة فإنهم يحكون عن
_________________
(١) انظر: كتاب زيادة الإيمان ونقصانه ص: ٢٧٧ - ٢٩٠ وقد ناقش هذا القول بالتفصيل.
(٢) الفتاوى (٧/ ٥٠٦).
(٣) القول بأن الإيمان هو التصديق هو قول الأشاعرة.
(٤) أصول الدين (ص ٢٥٢).
[ ١٧١ ]
أسلافهم أن الإيمان هو الإقرار والمحبة لله والتعظيم له والهيبة منه وترك الاستخفاف بحقه وأنه يزيد ولا ينقص" (^١).
وقال الزبيدي: "وحكى غسان وجماعة من أصحاب أبي حنيفة أنه يزيد ولا ينقص" (^٢)
وأما الغسانية: فقد ذكر البغدادي عن الغسانية، وهم أتباع غسان المرجئ أن من أقوالهم إن الإيمان يزيد ولا ينقص، ثم قال: "وزعم غسان هذا في كتابه أن قوله في هذا الكتاب كقول أبي حنيفة" (^٣).
وأما النجارية: فلهم أصول باطلة جانبوا فيها الحق وفارقوه منها: قولهم إن الإيمان يزيد ولا ينقص، وقد حكى ذلك عنهم غير واحد ممن كتب في مقالات الفرق كالأشعري والإسفرايني والبغدادي وغيرهم (^٤).
وأما الأباضيه: فقد ذكر أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي من الأباضية في كتابه مشارق أنوار العقول: "الإيمان بالمعنى الشرعي الذي هو أداء الواجبات مطلقًا ليس ينقص نظرًا إلى إيمان كل مؤمن، فإنه في ذاته غير
_________________
(١) مقالات الإسلاميين (ص ١٣٩).
(٢) إتحاف السادة المتقين (٢/ ٢٥٦).
(٣) الفرق بين الفرق (ص ٢٠٣). وانظر: انظر مقالات الإسلاميين للأشعري (ص ١٣٩)، والتبصير في الدين للإسفراييني (ص ٩٨)، والفرق بين الفرق للبغدادي (ص ٢٠٣).
(٤) انظر مقالات الإسلاميين (ص ١٣٦) والتبصير في الدين (ص ١٠١)، والفرق بين الفرق (ص ٢٠٨) والفتاوى لابن تيمية (٧/ ٥٤٦).
[ ١٧٢ ]
متفاوت بالنسبة إلى إيمان غيره" (^١)
القول الثالث: قول من قال الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
لقد قال بهذا القول طوائف كثيرة من أهل الكلام والإرجاء، والتجهم، وممن نسب له هذا القول:
أبو حنيفة وأصحابه:
لقد اشتهر عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى وغفر له أنه يقول بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، واستفاض هذا عنه، بحيث لا يدع مجالًا للشك أو التردد في نسبته إليه، ويمكن أن أبرز أهم الأسباب المؤكدة لصحة نسبة هذا القول إليه في النقاط التالية:
١ - إن عامة كتب الفرق والمقالات تنسب هذا القول إليه، كالمقالات لأبي الحسن الأشعري، والفَرْق بين الفِرَق للبغدادي، والمِلَلْ والنِحَلْ للشهرستاني، وغيرها (^٢).
٢ - إن الكتب المؤلفة في العقيدة والمنسوبة إلى أبي حنيفة ﵀ تذكر هذا القول، كالفقه الأكبر، وكتاب العالم والمتعلم، والوسيطين الصغير والكبير والوصية ورسالته إلى البتي (^٣).
_________________
(١) مشارق الأنوار (ص ٣٥ - ٣٦).
(٢) المقالات (ص ١٣٩)، الفَرْق بين الفِرَق (ص ٢٠٣)، ونقله عنه الزبيدي في الإتحاف (٢/ ٢٦٥)، الملل والنحل (١/ ١٤١).
(٣) انظر فيض الباري للكشميري (١/ ٥٩).
[ ١٧٣ ]
وهذه الكتب إن لم يصح نسبتها جميعًا إليه، فلا بد أن يصح نسبة بعضها أو واحد منها على أقل تقدير إليه، وعلى كل إن لم يصح لا هذا ولا ذاك فإن هذه الكتب مطبوعة متداولة، وقد احتفى بها الأحناف شرحًا ونشرًا ونقلًا، فهي عند عامتهم مسلم بما فيها، وقد شرح بعضها شروح مطولة عديدة، ونقل منها نقولٌ متكاثرة، واعتمد على ما فيها من عقائد (^١).
وممن قال بهذا القول: الجهمية.
ومن مقولاتهم الفاسدة وآرائهم المنحرفة زعمهم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل أهله فيه.
قال الأشعري: "وزعمت الجهمية أن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه" (^٢).
وقال الشهرستاني: "قال أي الجهم: والإيمان لا يتبعض أي لا ينقسم إلى عقد وقول وعمل، قال: ولا يتفاضل أهله فيه، فإيمان الأنبياء وإيمان الأمة على نمط واحد، إذ المعارف لا تتفاضل " (^٣).
وجهم وأتباعه إنما قالوا بهذا القول لأن الإيمان عندهم مجرد التصديق، فمن صدق بقلبه فهو عندهم مؤمن كامل الإيمان وإن تكلم بالكفر، وسب الله
_________________
(١) انظر كتاب زيادة الإيمان ونقصانه ص ٣١٨. ٣١٩
(٢) المقالات (ص ١٣٢).
(٣) الملل والنحل (١/ ٨٨).
[ ١٧٤ ]
ورسوله ﷺ وسخر بالدين، وأحل المحرمات، وفعل غير ذلك من الأمور التي هي كفر بواح.
والتصديق عندهم يتساوى فيه العباد، ولا يقبل الزيادة والنقصان فهو إما أن يعدم وإما أن يوجد، ولا يقبل التبعض، فإذا ذهب بعضه ذهب كله، ولا يتفاضل الناس فيه، فإيمان الملائكة والأنبياء والصديقين وإيمان فساق الأمة وأهل الخنا والفجور سواء (^١).
وممن قال بهذا القول: الخوارج والمعتزلة:
ذهبت الخوارج والمعتزلة مذهب أهل السنة والجماعة في تعريف الإيمان من حيث إنه شامل للأعمال والأقوال والاعتقادات، إلا أنهم فارقوا أهل السنة والجماعة بقولهم إن الإيمان كل واحد لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله، وأنه لا يقبل التبعض.
ومن هنا كان الإخلال بالأعمال وارتكاب الكبائر عندهم مخرجًا من الإيمان كلية، على خلاف بينهم في تسميته كافرًا، فالخوارج قطعوا بكفره، ونازعهم المعتزلة في الاسم وقالوا نحن لا نسميه مؤمنًا ولا كافرًا، وإنما هو في منزلة بين المنزلتين أي: بين منزلة الإيمان والكفر، وإن كانوا قد اتفقوا جميعًا أنه يوم القيامة خالد مخلد في نار جهنم (^٢).
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى (٧/ ٥٨٢).
(٢) انظر الفتاوى (٧/ ٢٢٣، ٢٥٧) وشرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية (ص ١٣٧).
[ ١٧٥ ]
قال شيخ الإسلام: "قالت الخوارج والمعتزلة قد علمنا يقينًا أن الأعمال من الإيمان فمن تركها فقد ترك بعض الإيمان، وإذا زال بعضه زال جميعه؛ لأن الإيمان لا يتبعض ولا يكون في العبد إيمان ونفاق، فيكون أصحاب الذنوب مخلدين في النار إذ كان ليس معهم من الإيمان شيء" (^١).
وأصل غلط هؤلاء ومنشأ ضلالهم كما قال شيخ الإسلام: "أنهم ظنوا أن الشخص الواحد لا يكون مستحقًا للثواب والعقاب والوعد والوعيد والحمد والذم، بل إما لهذا وإما لهذا فأحبطوا جميع حسناته بالكبيرة التي فعلها، وقالوا: "الإيمان هو الطاعة فيزول بزوال بعض الطاعة، ثم تنازعوا هل يخلفه الكفر على القولين ووافقتهم المرجئة والجهمية على أن الإيمان يزول كله بزوال شيء منه، وأنه لا يتبعض ولا يتفاضل فلا يزيد ولا ينقص وقالوا إن إيمان الفساق كإيمان الأنبياء والمؤمنين" (^٢).
فهذه الشبهة هي التي أفسدت على هؤلاء قولهم، بل وعلى جميع المرجئة، كما قال شيخ الإسلام: "وإنما أوقع هؤلاء كلهم أي المرجئة بأقسامهم-ما أوقع الخوارج والمعتزلة في ظنهم أن الإيمان لا يتبعض بل إذا ذهب بعضه ذهب كله، ومذهب أهل السنة والجماعة أنه يتبعض وأنه ينقص ولا يزول جميعه" (^٣).
_________________
(١) الفتاوى (١٣/ ٤٨).
(٢) شرح العقيدة الأصفهانية (ص ١٣٧، ١٣٨)، وانظر الفتاوى (٧/ ٤٠٤).
(٣) شرح العقيدة الأصفهانية (ص ١٤٣، ١٤٤).
[ ١٧٦ ]
وقال شيخ الإسلام: "وجماع شبهتهم في ذلك أن الحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها كالعشرة فإنه إذا زال بعضها لم تبق عشرة، وكذلك الأجسام كالسكنجبين (^١) إذا زال أحد جزئيه خرج عن كونه سكنجبين، قالوا فإذا كان الإيمان مركبًا من أقوال وأعمال ظاهرة وباطنة لزم زواله بزوال بعضها" (^٢).
وممن قال بهذا القول: الأشاعرة والماتريدية:
لقد ذهب جمهور الأشاعرة وجميع الماتريدية إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لشبه عقلية وأدلة نظرية، وذهب بعض الأشاعرة إلى أن الإيمان يزيد وينقص (^٣).
قال الزبيدي: "وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يزيد الإيمان ولا ينقص واختاره أبو منصور الماتريدي ومن الأشاعرة إمام الحرمين وجمع كثير" (^٤).
وقال ابن أبي شريف الحنفي: "وهذا القول-أي أن الإيمان لا يزيد
_________________
(١) السكنجبين: شراب مركب من حامض وحلوا-معرب-فارسيته: سركا انكبين انظر المعجم الوسيط (١/ ٤٤٠).
(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٥١١).
(٣) انظر شرح مسلم للنووي (١/ ١٤٨)، وفتح الباري لابن حجر (١/ ٤٦)، وعمدة القاري للعيني (١/ ١٣٦) وتحفة القاري "للكاندهلوي" (ص ٤٤) مجموع "شروح البخاري" (١/ ١١٢)، النبراس شرح العقائد (ص ٤٠٢)، المسامرة شرح المسايرة (ص ٣٦٧)، أصول الدين للبغدادي (ص ٢٥٢)، وأصول الدين للبزدوي (ص ١٥٣)، والاقتصاد للغزالي (ص ٢٠٨)، والمواقف للإيجي (ص ٣٨٨)، والإنصاف للباقلاني (ص ٨٦)، والإرشاد للجويني (ص ٣٣٥) وغيرها.
(٤) إتحاف السادة المتقين (٢/ ٢٥٦).
[ ١٧٧ ]
ولا ينقص-اختاره من الأشاعرة أمام الحرمين وجمع كثير، وذهب عامتهم أي أكثر الأشاعرة إلى زيادته ونقصانه" (^١).
وقال الفرهاري: "مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ والمتكلمين من أهل السنة أنه لا يزيد ولا ينقص" (^٢).
فالماتريدية لهم قول واحد في المسألة وهو أن الإيمان غير قابل للزيادة والنقصان، وأما الأشاعرة فلهم في المسألة قولان: فجمهورهم على أنه لا يقبل الزيادة والنقصان، وذهب بعضهم إلى أنه يقبلهما، والأشاعرة يعرفون الإيمان بأنه التصديق وحده، فلا يدخل فيه القول والعمل، فبحثهم هنا هو في التصديق هل يقبل الزيادة والنقصان أو لا؟
فالذين قالوا لا يزيد ولا ينقص فبناء على أن الإيمان هو التصديق اليقيني الغير قابل للتفاوت، فإن نقص فنقصه شك وكفر، ولشبه أخرى.
ومن قال منهم يزيد وينقص فللقطع بأن تصديق آحاد الأمة ليس كتصديق النبي ﷺ، واختاره النووي وعزاه التفتازاني في شرح العقائد لبعض المحققين وقال في المواقف إنه الحق (^٣)
_________________
(١) المسامرة (ص ٣٦٧).
(٢) النبراس شرح العقائد (ص ٤٠٢).
(٣) انظر شرح مسلم للنووي (١/ ١٤٢) وشرح العقائد النسفية للتفتازاني (ص ١٢٦) والمواقف للأيجي (ص ٣٨٨) وانظر إرشاد الساري للقسطلاني (١/ ١١٢) ضمن مجموع شروح البخاري.
[ ١٧٨ ]