أنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، قال الله تعالى:﴾ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴿[النساء: ١٧١]. وقال ﷺ: «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» (^٣).
فقوله: عبد الله: رد على الغالين، وقوله: ورسوله: رد على الجافين، ومعنى: كلمته: أي: كن؛ فعيسى خلق بكن، وليس هو كن.
وقوله: وكلمته، وروح منه. ليس معنى ذلك أنه جزء من الله؛ لأن ما أضيف
_________________
(١) في مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: ٢٢٧ ومخت ٢ ر الحجة (٢/ ٣٧٣) (وعيسى بن مريم عبد الله ورسوله).
(٢) المصدر: موقع الدرر السنية، موسوعة الأديان، فصل بعنوان عقيدة المسلمين في عيسى ﵇.
(٣) رواه البخاري (٣٤٣٥)، ومسلم (٢٨).
[ ٣٥٤ ]
إلى الله أو جاء بلفظ: منه. فإنه على وجهين:
أ-إن كان عينًا قائمة بنفسها فهو مملوك له، والإضافة من باب إضافة الشيء إلى مالكه أو المخلوق إلى خالقه، وقد تقتضي تلك الإضافة تشريفًا كناقة الله، ورسول الله، وبيت الله، وكليم الله، وقد لا تقتضي تشريفًا مثل أرض الله، وسماء الله.
ب-وإن كان المضاف إلى الله عينًا غير قائمة بنفسها فهي صفة من صفات الله مثل: سمع الله، يد الله، كلام الله.
وقوله: منه: أي: مخلوقة منه صادرة من عنده.
أنه ولد من غير أب كما خُلق آدم من غير أب ولا أم:﴾ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون ﴿[آل عمران: ٥٩].
أنه أحد أولي العزم من الرسل، قال الله ﷿:﴾ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا ﴿[الأحزاب: ٧].
أنه عبد ليس له من خصائص الربوبية والألوهية شيء:﴾ إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿[الزخرف: ٥٩].
أن الله أظهر على يديه المعجزات والآيات، كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه، وكلامه وهو في المهد صبيًّا.
[ ٣٥٥ ]
أنه دعا قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ودعاهم إلى العقيدة الصحيحة، والأخلاق القويمة:﴾ إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴿[آل عمران: ٥١].
أنه بشَّر بنبوة محمد ﷺ:﴾ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ﴿[الصف: ٦].
أنه ليس بينه وبين محمد-عليهما الصلاة والسلام-نبي؛ لقوله تعالى:﴾ مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ﴿[الصف: ٦].
أنه لم يصلب ولم يقتل، بل رفعه الله إليه، كما قال تعالى:﴾ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴿[آل عمران: ٥٥]، وكما قال: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: ١٥٧، ١٥٨].
صفة نزوله ﵇ (^١):
بعد خروج الدَّجَّال، وإفساده في الأرض، يبعث الله عيسى ﵇، فينزل إلى الأرض، ويكون نزوله عند المنارة البيضاء شرقي دمشق الشام، وعليه مهرودتان (^٢)، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه
_________________
(١) المصدر: المادة المتعلقة بنزول المسيح منقولة من كتاب أشراط الساعة ليوسف الوابل، ص ٣٣٧ - ٣٦٤
(٢) (مهردوتان): روي بالدال المهملة والذال المعجمة، والمهملة أكثر، والمعنى: لابس مهرودتين؛ أي: ثوبين مصبوغين بورس ثم زعفران. انظر: "شرح النووي لمسلم" (١٨/ ٦٧)، و"لسان العرب" (٣/ ٤٣٥)؛ و"النهاية في غريب الحديث" (٥/ ٢٥٨).
[ ٣٥٦ ]
تحدر منه جمان كاللؤلؤ، ولا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه.
ويكون نزوله على الطائفة المنصورة، التي تقاتل على الحق، وتكون مجتمعة لقتال الدَّجَّال، فينزل وقت إقامة الصلاة، يصلي خلف أمير تلك الطائفة.
قال ابن كثير: "هذا هو الأشهر في موضع نزوله أنه على المنار البيضاء الشرقية بدمشق، وقد رأيت في بعض الكتب أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي جامع دمشق، فلعل هذا هو المحفوظ … وليس بدمشق منارة تعرف بالشرقية سوى التي إلى جانب الجامع الأموي بدمشق من شرقية، وهذا هو الأنسب والأليق؛ لأنه ينزل وقد أقيمت الصلاة، فيقول له إمام المسلمين: يا روح الله! تقدم. فيقول: تقدم أنت؛ فإنه أقيمت لك. وفي رواية: بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله هذه الأمة (^١) (^٢).
وذكر ابن كثير أنه في زمنه سنة إحدى وأربعين وسبع مئة جدَّد المسلمون منارة من حجارة بيض، وكان بناؤها من أموال النصارى الذين حرقوا المنارة
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الإيمان، باب بيان نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد ﷺ، (٢/ ١٩٣ - ١٩٤ - مع شرح النووي).
(٢) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٤٤ - ١٤٥)، تحقيق د. طه زيني.
[ ٣٥٧ ]