ثانيا: اتباع سنته ﷺ والعمل بها:
فلقد أوجب الله على العباد طاعة رسوله ﷺ واتباعه ولقد عمل السلف بما أوجبه الله تعالى فأخذوا بسنة نبيهم ﷺ وعملوا بها أمرا ونهيا وخبرا، فكانت أقواله وأفعاله وتقريراته هي المصدر الثاني بعد كتاب الله ﷿ الذي تستقي منه الأمة أحكامها وتشريعاتها في شتى شؤون حياتها. ويعتقد السلف أن للسنة استقلاليتها في تشريع الأحكام وهي كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام، فالأحكام التي سكت القرآن عن بيان حكمها وورد في السنة بيانها، فإن السلف يعملون بهذه الأحكام ويأخذون بها، ولا يرون أن هناك تعارضا البتة بين الأصلين.
كما يعتقد السلف أن علاقة السنة بالمصدر الأول الذي هو القرآن تسير وفق الأوجه الثلاثة التالية:
١ - أن تكون السنة موافقة للقرآن من كل وجه، فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتضافرها وذلك مثل الأحاديث التي تفيد وجوب الصلاة والزكاة والحج والصوم من غير تعرض لشرائطها وأركانها.
٢ - أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن وتفسيرا له، وذلك مثل الأحاديث التي فصلت أحكام وهيئات الصلاة والصيام والحج والبيوع والمعاملات التي وردت مجملة في القرآن، وهذا القسم هو أغلب ما في السنة وأكثرها ورودا.
٣ - أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن على إيجابه، أو محرمة لما سكت عن تحريمه، كالأحاديث التي أثبتت حرمة الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها،
[ ٩١ ]
وأحكام الشفعة وغير ذلك.
فالسنة الصحيحة لا تخرج عن هذه الضوابط، كما أنها لا تعارض القرآن بوجه ما، فما كان منها زائدا على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي ﷺ تجب طاعته فيه ولا تحل معصيته، وليس هذا تقديما لها على كتاب الله، بل امتثال لما أمر الله به من طاعة رسوله التي أمر الله بها على جهة الاستقلال فقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ فهذه الطاعة المأمورون بها هي طاعة مختصة به ﷺ (^١)، ويجب علينا العمل بها.
فالسلف يؤمنون "بأن الله سبحانه نصَّب رسول الله ﷺ منصب المبلغ المبين عنه، فكل ما شرعه للأمة فهو بيان منه عن الله أن هذا شرعه ودينه، ولا فرق بين ما يبلغه عنه من كلامه المتلو ومن وحيه الذي هو نظير كلامه في وجوب الاتباع، ومخالفة هذا كمخالفة هذا.
فعلى سبيل المثال فإن الله أمرنا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان، ثم جاء البيان عن رسوله ﷺ بمقادير ذلك وصفاته وشروطه، فوجب على الأمة قبوله، إذ هو تفصيل لما أمر الله به، كما يجب علينا قبول الأصل المفصل، وهكذا أمر الله سبحانه بطاعته وطاعة رسوله، فإذا أمر
_________________
(١) إعلام الموقعين (٢/ ٣٠٧، ٣٠٨).
[ ٩٢ ]