انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتقع به أو ولد صالح يدعو له" (^١)
قال ابن القيم ﵀: "وهذا من أعظم الأدلة على شرف العلم وفضله وعظم ثمرته، وإن ثوابه يصل إلى الرجل بعد موته ما دام ينتفع به، فكأنه حي لم ينقطع علمه، مع ما له من حياة الذكر والثناء، فجريان أجره عليه إذا انقطع عن الناس ثواب أعمالهم حياة ثانية" (^٢).
ومما ورد عن السلف:
• فعن علي-﵁-قال: "كفى بالعلم شرفًا أن يدعيه من لا يحسنه، ويفرح به إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ذمًا أن يتبرأ منه من هو فيه" (^٣)
• وكان عبد الله بن مسعود-﵁-يقول إذا رأى الشباب يطلبون العلم: "مرحبًا بينابيع الحكمة ومصابيح الظُّلَم جدد القلوب حلس البيوت ريحان كل قبيلة". (^٤)
• قال أبو الدرداء: "لو أن العالم طلب العلم لازداد علمًا وما نقص العلم شيئًا.
ولو أن الجاهل طلب العلم لوجد العلم قائمًا.
فمالي أراكم شبعًا
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ١٦٣١
(٢) مفتاح دار السعادة ١/ ١٧٥.
(٣) تذكرة السامع ص ١٠
(٤) جامع بيان العلم وفضله (١/ ٢٣٢ رقم ٢٥٧)
[ ٥٢ ]
من الطعام جياعًا من العلم" (^١).
• وقال وهب بن منبه: "يتشعب من العلم الشرف وإن كان صاحبه دنيًا، والعز وإن كان مهينًا، والقرب وإن كان قصيًا، والغنى وإن كان فقيرًا، والمهابة وإن كان وضيعًا" (^٢)
• وقال سفيان بن عيينة: "أرفع الناس عند الله منزلة من كان بين الله وبين عباده وهم الأنبياء والعلماء"
• وقال أيضًا: "لم يعط أحد في الدنيا شيئًا أفضل من النبوة، وما بعد النبوة شيء أفضل من العلم والفقه" فقيل: عمن هذا؟ قال: "عن الفقهاء كلهم" (^٣)
• وعن سفيان الثوري والشافعي قالا: "ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم" (^٤)
• وقال بدر الدين بن جماعة: "إن الاشتغال بالعلم لله أفضل من نوافل العبادات البدنية من صلاة وصيام وتسبيح ودعاء ونحو ذلك، لأن نفع العلم يعم صاحبه والناس، والنوافل البدنية مقصورة على صاحبها، ولأن العلم مصحح لغيره من العبادات فهي تفتقر إليه وتتوقف عليه ولا يتوقف هو عليها، ولأن العلماء ورثة الأنبياء-عليهم الصلاة والتسليم-وليس ذلك للمتعبدين،
_________________
(١) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ١/ ٦٠٢.
(٢) تذكرة السامع ص ١٠.
(٣) نفس المصدر ص ١١
(٤) جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٢٣ - ١٢٤ رقم ١١٨، ١١٩، ١٢٠)
[ ٥٣ ]
ولأن طاعة العالم واجبة على غيره فيه، ولأن العلم يبقى أثره بعد موت صاحبه، وغيره من النوافل تنقطع بموت صاحبها، ولأن في بقاء العلم إحياء الشريعة وحفظ معالم الملة" (^١)
• قال ابن تيمية: «أهل السنة يموتون ويحيا ذكرهم، وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم؛ لأن أهل السنة أحيوا ما جاء به الرسول ﷺ فكان لهم نصيب من قوله: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾، وأهل البدعة شنئوا ما جاء به الرسول فكان لهم نصيب من قوله: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾» (^٢)
• وقال ابن القيم: "السعادة الحقيقية هي سعادة العلم النًّافِعِ ثَمَرَتُهُ، فإنها هي الباقية على تقلب الأحوال، والمصاحبة للعبد في جميع أسفاره وفي دوره الثلاثة أعني: دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار، وبها يرتقي معارج الفضل ودرجات الكمال.
وإنما رغب أكثر الخلق عن اكتساب هذه السعادة وتحصيلها وعورة طريقها ومرارة مباديها وتعب تحصيلها، وأنها لا تنال إلا عن جد من التعب، فإنها لا تحصل إلا بالجد المحض" (٥).
• قال ابن الجوزي: "ولقد دخل إبليس على طائفة من المتزهدين بآفات، أعظمها أنه صرفهم عن العلم، فكأنه شرع في إطفاء المصباح ليسرق في الظلمة، حتى إنه أخذ قومًا من كبار العلماء، فسلك بهم من ذلك ما ينهى عنه
_________________
(١) تذكرة السامع ص ١٣.
(٢) مجموع الفتاوى ١٦/ ٥٢٨
[ ٥٤ ]
العلم.
فرأيت أبا حامد الطوسي (الغزالي) يحكي عن نفسه في بعض مصنفاته، قال: شاورت متبوعًا مقدمًا من الصوفية في المواظبة على تلاوة القرآن؟ فمنعني منه! وقال: السبيل أن تقطع علائقك من الدنيا بالكلية، بحيث لا يلتفت قلبك إلى أهل وولد ومال وعلم، بل تصير إلى حالة يستوي عندك وجود ذلك وعدمه، ثم تخلو بنفسك في زاوية، فتقتصر من العبادة على الفرائض والرواتب، وتجلس فارغ القلب، ولا تزال تقول: الله، الله، إلى أن تنتهي إلى حالة، لو تركت تحريك اللسان، رأيت كأن الكلمة جارية على لسانك، ثم تنظر ما يفتح عليك مما فتح مثله على الأنبياء والأولياء!!
قلت: وهذا أمر لا أتعجب أنا فيه من الموصي به؛ وإنما أتعجب من الذي قبله مع معرفته وفهمه!! وهل يقطع الطريق بالإعراض عن تلاوة القرآن؟! وهل فتح للأنبياء ما فتح بمجاهدتهم ورياضتهم؟! وهل يوثق بما يظهر من هذه المسالك؟! ثم ما الذي يفتح؟! أثم اطلاع على علم الغيب؟ أم هو وحي؟!
فهذا كله من تلاعب إبليس بالقوم، وربما كان ما يتخايل لهم من أثر الماليخوليا أو من إبليس.
فعليك بالعلم، وانظر في سير السلف، هل فعل أحد منهم من هذا شيئًا أو أمر به؟! وإنما تشاغلوا بالقرآن والعلم، فدلهم على إصلاح البواطن وتصفيتها. نسأل الله ﷿ علمًا نافعًا، ودفعًا للعدو مانعًا، إنه قادر" (^١).
فالله-سبحانه-جعل العلماء وكلاءَ وأمناءَ على دينه ووحيه وارتضاهم لحفظه
_________________
(١) صيد الخاطر ١/ ٣٥٥.
[ ٥٥ ]
والقيام به والذبِّ عنه، وناهيك بها منزلة شريفة ومنقبة عظيمة
ولهذه النصوص وغيرها كانت قلوب أهل السنة نقية تجاه حَمَلة ميراث النبوة من العلماء الصَّادقين والدُّعاة المخلصين والمقتفين للآثار النبي الأمين ﷺ؛ لأن النبي ﷺ قال: «العلماء ورثة الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يُورثوا دينارًا ولا درهمًا، وَرَّثوا العلم؛ فمَن أَخَذَه أَخَذَ بحظٍّ وافرٍ» (^١).
وقد عرف عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى حرصه على نشر السنة والحث على التمسك بها، وهذا الحرص توارثه أتباعه من بعده وفي هذا يقول ابن تيمية-﵀: "وأهل البدع في غير الحنبلية أكثر منهم في الحنبلية بوجوه كثيرة، لأن نصوص أحمد في تفاصيل السنة ونفى البدع أكثر من غيره بكثير" (^٢).
وهذه المقدمة من كلام الإمام أحمد وردت كذلك في كتابه الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ولهذا قال الإمام أحمد في أول ما كتبه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله، مما كتبه في حبسه قال في أوله: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضلَّ إلي الهدى ويبصرون
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٦٤١) والترمذي (٢٦٨٢)، وحسنه الألباني في «المشكاة» (٢١٢).
(٢) مجموع الفتاوى ٢٠/ ١٨٦.
[ ٥٦ ]
منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمي، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من تائه ضالٍّ قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم! ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتن المضلين" (^١)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في تعليقه على كلام الإمام أحمد ﵀: "المبتدعة يستعملون ألفاظ الكتاب والسنة واللغة ولكن يقصدون بها معاني أخر.
والمقصود هنا قوله: "يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم" (^٢) وهذا الكلام المتشابه الذي يخدعون به جهال الناس هو الذي يتضمن الألفاظ المتشابهة المجملة، التي يعارضون بها نصوص الكتاب والسنة، وتلك الألفاظ تكون موجودة مستعملة في الكتاب والسنة وكلام الناس، لكن بمعانً أُخر غير المعاني التي قصدوها هم بها، فيقصدون هم
_________________
(١) الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد ص ١/ ٦. ومجموع الفتاوى ج ١/ ٣ وج ٤/ ٢١٧ وج ١١/ ٤٣٥، وج ١٥/ ٢٨٤ وج ١٧/ ٣٠٠ ومنهاج السنة ج ٥/ ٢٧٣.
(٢) الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد بن حنبل ﵀-ص ١٧٣ - ١٧٤.
[ ٥٧ ]
بها معاني أخر، فيحصل الاشتباه والإجمال" (^١)
وقول المصنف: "ينفون عن دين الله ﷿ تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الضالين الذين عقدوا ألوية البدع وأطلقوا عنان الفتنة يقولون على الله وفي الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا وفي كتابه بغير علم فنعوذ بالله من كل فتنة مضلة، وصلى الله على محمد".
قيض الله لهذه الأمة علماء أجلاء حملوا هذا العلم وبلغوه ونافحوا عنه ودافعوا عنه حتى يصل للناس صافيًا نقيًا لا تشوبه شائبة، ومما لا يخفى أنه في كل زمان ومكان هناك أعداء لهذا الدين حالوا بكل وسيلة إلى إبطاله والتشكيك فيه والخوض في نصوص بألوان من الباطل تناولت أصوله وتقريراته وحملته في محاولات شتى تهدف للصد عنه وإبطاله، ولكن الله حافظ هذا الدين بحفظه ببقاء أصوله وتسخير صيارفة هذا العلم من العلماء الربانيين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وما بدلوا تبديلا، فخاض هؤلاء العلماء الأجلاء معاركة شرسة لا هوادة فيها مع أهل الزيغ والباطل فصدوا باطلهم وردوا ما جاؤا به من أراء فاسدة وبدع مضلة فبقوا -بحمد الله- متمسكين بكتاب الله وسنة نبيه-ﷺ-وبما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين مؤكدين بذلك ثبات هذا الدين وكماله واستمراره إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وقد كان شغل هؤلاء العلماء المتمسكون بنصوص الكتاب والسنة هو رد
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (١/ ٢٢٢) (٦/ ١٩٢)
[ ٥٨ ]
الناس إلى هذين الأصلين، مع عرض الأقوال الباطلة على النصوص لبيان زيف تلك الأقوال وفسادها.
يقول ابن أبي العز: «ولا شكَّ أن مشايخ المعتزلة وغيرهم من أهل البدع معترفون بأن اعتقادهم في التوحيد والصفات والقدر لم يتلقوه لا عن كتاب ولا عن سنة، ولا عن أئمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما يزعمون أن عقلهم دلَّهم عليه». ولا ريب أن عقيدة لم يأخذها صاحبها لا من الكتاب ولا من السنة، ولا من فهم أئمة الصحابة والتابعين لا ريب أنها عقيدة إبليسيَّة مستقاة من منهج إبليسيٍّ، ليست بأفضل من عقيدة أبي جهل وأضرابه كما قال الحافظ الذهبي: «وإذا رأيت المتكلم المبتدع يقول دعنا من الكتاب وأحاديث الآحاد وهات العقل فاعلم أنه أبو جهل» (^١).
ومعلوم أن أراء المخالفين للكتاب والسنة هي أراء باطلة لا تخرج عن أحد هذه الأصناف التي قال عنها ابن القيم: "الرَّأْيُ الْبَاطِلُ أَنْوَاعٌ:
أَحَدُهَا: الرَّأْيُ الْمُخَالِفُ لِلنَّصِّ، وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ فَسَادُهُ وَبُطْلَانُهُ، وَلَا تَحِلُّ الْفُتْيَا بِهِ وَلَا الْقَضَاءُ، وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ مَنْ وَقَعَ بِنَوْعِ تَأْوِيلٍ وَتَقْلِيدٍ.
النَّوْعُ الثَّانِي: هُوَ الْكَلَامُ فِي الدِّينِ بِالْخَرْصِ وَالظَّنِّ، مَعَ التَّفْرِيطِ وَالتَّقْصِيرِ
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٧٢
[ ٥٩ ]
فِي مَعْرِفَةِ النُّصُوصِ وَفَهْمِهَا وَاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا، فَإِنَّ مَنْ جَهِلَهَا وَقَاسَ بِرَأْيِهِ فِيمَا سُئِلَ عَنْهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ، بَلْ لِمُجَرَّدِ قَدْرٍ جَامِعٍ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ أَلْحَقَ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ، أَوْ لِمُجَرَّدِ قَدْرِ فَارِقٍ يَرَاهُ بَيْنَهُمَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ، مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى النُّصُوصِ وَالْآثَارِ؛ فَقَدْ وَقَعَ فِي الرَّأْيِ الْمَذْمُومِ الْبَاطِلِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: الرَّأْيُ الْمُتَضَمِّنُ تَعْطِيلَ أَسْمَاءِ الرَّبِّ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ بِالْمَقَايِيسِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي وَضَعَهَا أَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ مِنْ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَمَنْ ضَاهَاهُمْ، حَيْثُ اسْتَعْمَلَ أَهْلُهُ قِيَاسَاتِهِمْ الْفَاسِدَةَ وَآرَاءَهُمْ الْبَاطِلَةَ وَشُبَهَهُمْ الدَّاحِضَةَ فِي رَدِّ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ؛ فَرَدُّوا لِأَجْلِهَا أَلْفَاظَ النُّصُوصِ الَّتِي وَجَدُوا السَّبِيلَ إلَى تَكْذِيبِ رُوَاتِهَا وَتَخْطِئَتِهِمْ، وَمَعَانِي النُّصُوصِ الَّتِي لَمْ يَجِدُوا إلَى رَدِّ أَلْفَاظِهَا سَبِيلًا، فَقَابَلُوا النَّوْعَ الْأَوَّلَ بِالتَّكْذِيبِ، وَالنَّوْعَ الثَّانِيَ بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّأْوِيلِ، فَأَنْكَرُوا لِذَلِكَ رُؤْيَةَ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ فِي الْآخِرَةِ، وَأَنْكَرُوا كَلَامَهُ وَتَكْلِيمَهُ لِعِبَادِهِ، وَأَنْكَرُوا مُبَايَنَتَهُ لِلْعَالَمِ، وَاسْتِوَاءَهُ عَلَى عَرْشِهِ، وَعُلُوَّهُ عَلَى "الْمَخْلُوقَاتِ، وَعُمُومَ قُدْرَتِهِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، بَلْ أَخْرَجُوا أَفْعَالَ عِبَادِهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ عَنْ تَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَتَكْوِينِهِ لَهَا، وَنَفَوْا لِأَجْلِهَا حَقَائِقَ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَأَخْبَرَ بِهِ رَسُولُهُ مِنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ وَنُعُوتِ جَلَالِهِ؛ وَحَرَّفُوا لِأَجْلِهَا النُّصُوصَ عَنْ مَوَاضِعِهَا، وَأَخْرَجُوهَا عَنْ مَعَانِيهَا وَحَقَائِقِهَا بِالرَّأْيِ الْمُجَرَّدِ الَّذِي حَقِيقَتُهُ أَنَّهُ ذُبَالَةُ الْأَذْهَانِ وَنُخَالَةُ الْأَفْكَارِ وَعُفَارَةُ الْآرَاءِ وَوَسَاوِسُ الصُّدُورِ، فَمَلَئُوا بِهِ الْأَوْرَاقَ سَوَادًا، وَالْقُلُوبَ شُكُوكًا، وَالْعَالَمَ فَسَادًا،
[ ٦٠ ]
وَكُلُّ مَنْ لَهُ مَسْكَةٌ مِنْ عَقْلٍ يَعْلَمُ أَنَّ فَسَادَ الْعَالَمِ وَخَرَابِهِ إنَّمَا نَشَأَ "مِنْ تَقْدِيمِ الرَّأْيِ عَلَى الْوَحْيِ، وَالْهَوَى عَلَى الْعَقْلِ، وَمَا اسْتَحْكَمَ هَذَانِ الْأَصْلَانِ الْفَاسِدَانِ فِي قَلْبٍ إلَّا اسْتَحْكَمَ هَلَاكُهُ، وَفِي أُمَّةٍ إلَّا فَسَدَ أَمْرُهَا أَتَمَّ فَسَادٍ، فَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَمْ نُفِيَ بِهَذِهِ الْآرَاءِ مِنْ حَقٍّ، وَأُثْبِتَ بِهَا مِنْ بَاطِلٍ، وَأُمِيتَ بِهَا مِنْ هُدًى، وَأُحْيِيَ بِهَا مِنْ ضَلَالَةٍ؟ وَكَمْ هُدِمَ بِهَا مِنْ مَعْقِلِ الْإِيمَانِ، وَعُمِّرَ بِهَا مِنْ دِينِ الشَّيْطَانِ؟ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ هُمْ أَهْلُ هَذِهِ الْآرَاءِ الَّذِينَ لَا سَمْعَ لَهُمْ وَلَا عَقْلَ، بَلْ هُمْ شَرٌّ مِنْ الْحُمُرِ، وَهُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠].
النَّوْعُ الرَّابِعُ: الرَّأْيُ الَّذِي أُحْدِثَتْ بِهِ الْبِدَعُ، وَغُيِّرَتْ بِهِ السُّنَنُ، وَعَمَّ بِهِ الْبَلَاءُ، وَتَرَبَّى عَلَيْهِ الصَّغِيرُ، وَهَرَمَ فِيهِ الْكَبِيرُ.
فَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ الرَّأْيِ الَّذِي اتَّفَقَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا عَلَى ذَمِّهِ وَإِخْرَاجِهِ مِنْ الدِّينِ.
والنَّوْعُ الْخَامِسُ: مَا ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ "جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الرَّأْيَ الْمَذْمُومَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ عَنْ النَّبِيِّ-ﷺ-وَعَنْ أَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ-﵃-أَنَّهُ الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ شَرَائِعِ الدِّينِ بِالِاسْتِحْسَانِ وَالظُّنُونِ، وَالِاشْتِغَالُ بِحِفْظِ الْمُعْضِلَاتِ وَالْأُغْلُوطَاتِ وَرَدِّ الْفُرُوعِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ قِيَاسًا، دُونَ رَدِّهَا عَلَى أُصُولِهَا وَالنَّظَرِ فِي عِلَلِهَا وَاعْتِبَارِهَا، فَاسْتُعْمِلَ فِيهَا الرَّأْيُ قَبْلَ أَنْ
[ ٦١ ]
يَنْزِلَ، وَفُرِّعَتْ وَشُقِّقَتْ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ، وَتُكُلِّمَ فِيهَا قَبْلَ أَنْ تَكُونَ بِالرَّأْيِ الْمُضَارِعِ لِلظَّنِّ، قَالُوا: وَفِي الِاشْتِغَالِ بِهَذَا وَالِاسْتِغْرَاقِ فِيهِ تَعْطِيلُ السُّنَنِ، وَالْبَعْثُ عَلَى جَهْلِهَا، وَتَرْكُ الْوُقُوفِ عَلَى مَا يَلْزَمُ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ مِنْهَا وَمِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﷿ وَمَعَانِيهِ، احْتَجُّوا عَلَى مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ بِأَشْيَاءَ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ طَرِيقِ أَسَدِ بْنِ مُوسَى ثنا شَرِيكٌ عَنْ لَيْثٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا تَسْأَلُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ؛ فَإِنِّي سَمِعْت عُمَرَ يَلْعَنُ مَنْ يَسْأَلُ عَمَّا لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيّ ثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ" (^١)
فأهلُ الباطل جاؤوا بأصول عقلية، هم ابتدأوها ابتداءً، هذه الأصول العقلية رتَّبُّوا عليها قواعد، ورتِّبوا لها نتائج، وما تفرع عن الباطل فهو باطل.
وقول المصنف: "يقولون على الله وفي الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا وفي كتابه بغير علم"
عد الله ﷿ المحرمات في قوله ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
فجعل التقول على الله ﷿ أخطر من الشرك، فقال العلماء: إن الله تعالى
_________________
(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين ١/ ٥٤ - ٥٦.
[ ٦٢ ]
في هذه الآية تدرج في المحرمات من الأدنى إلى الأعلى، فكان أعلاها وأخطرها أن نتقول على الله تعالى بغير علم، فالذي يخوض بفكره في ذات الله تعالى يكون قد وقع في أشد الأمور خطرا.
قال ابن القيم: "قال الله تعالى في المحرم لذاته ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴿ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال﴾ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴿، ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال﴾ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ﴿، ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال﴾ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾، فهذا أعظم المحرمات عند الله وأشدها إثمًا فإنه يتضمن الكذب على الله، ونسبته إلى ما لا يليق به، وتغيير دينه وتبديله، ونفي ما أثبته، وإثبات ما نفاه، وتحقيق ما أبطله، وإبطال ما حققه، وعداوة من والاه، وموالاة من عاداه، وحب ما أبغضه، وبغض ما أحبه، ووصفه بما لا يليق به في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله؛ فليس في أجناس المحرمات أعظم عند الله منه ولا أشد إثمًا، وهو أصل الشرك والكفر ووعليه أسست البدع والضلالات فكل بدعة مضلة في الدين أساسها القول على الله بلا علم، ولهذا اشتد نكير السلف والأئمة لها وصاحوا بأهلها من أقطار الأرض، وحذروا فتنتهم أشد التحذير وبالغوا في ذلك ما لم يبالغوا مثله في إنكار الفواحش والظلم والعدوان إذ مضرة البدع وهدمها للدين ومنافاتها له أشد) (^١).
_________________
(١) مدارج السالكين ٢/ ٣٧٢.
[ ٦٣ ]