قال المصنف-رحمه الله تعالى-:
"وأما المعتزلة الملعونة (^١) فقد أجمع من أدركنا من أهل العلم أنهم يكفرون بالذنب، ومن كان منهم كذلك فقد زعم أن آدم كان كافرًا، وأن إخوة يوسف حين كذبوا أباهم يعقوب كانوا كفارًا، وأجمعت المعتزلة أن من سرق حبة فهو كافر تبين منه امرأته ويستأنف الحج إن كان حج؛ فهؤلاء الذين يقولون بهذه المقالة كفار لا يناكحون ولا تقبل شهادتهم" (^٢).
ذهبت الخوارج والمعتزلة مذهب أهل السنة والجماعة في تعريف الإيمان إلى إنه شامل للأعمال والأقوال والاعتقادات، إلا أنهم فارقوا أهل السنة والجماعة بقولهم إن الإيمان كل واحد لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله، وأنه لا يقبل التبعض.
ومن هنا كان الإخلال بالأعمال وارتكاب الكبائر عندهم مخرجًا من الإيمان كلية، على خلاف بينهم في تسميته كافرًا، فالخوارج قطعوا بكفره،
_________________
(١) كلمة (الملعونة) غير مذكورة في مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٦) ولا ومختصر الحجة على تارك المحجة (٢/ ٣٧١).
(٢) في كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٢٢٦) وفي مختصر الحجة على تارك المحجة (٢/ ٣٧١). العبارة: (وحكمهم أن لا يكلموا ولا تؤكل ذبائحهم حتى يتوبوا). بدلًا من (لا يناكحون ولا تقبل شهادتهم).
[ ٢٠١ ]
ونازعهم المعتزلة في الاسم وقالوا نحن لا نسميه مؤمنًا ولا كافرًا، وإنما هو في منزلة بين المنزلتين أي: بين منزلة الإيمان والكفر، وإن كانوا قد اتفقوا جميعًا أنه يوم القيامة خالد مخلد في نار جهنم (^١).
قال شيخ الإسلام: "قالت الخوارج والمعتزلة قد علمنا يقينًا أن الأعمال من الإيمان فمن تركها فقد ترك بعض الإيمان، وإذا زال بعضه زال جميعه؛ لأن الإيمان لا يتبعض ولا يكون في العبد إيمان ونفاق، فيكون أصحاب الذنوب مخلدين في النار إذ كان ليس معهم من الإيمان شيء" (^٢).
وأصل غلط هؤلاء ومنشأ ضلالهم كما قال شيخ الإسلام: "أنهم ظنوا أن الشخص الواحد لا يكون مستحقًا للثواب والعقاب والوعد والوعيد والحمد والذم، بل إما لهذا وإما لهذا فأحبطوا جميع حسناته بالكبيرة التي فعلها، وقالوا: "الإيمان هو الطاعة فيزول بزوال بعض الطاعة، ثم تنازعوا هل يخلفه الكفر على القولين ووافقتهم المرجئة والجهمية على أن الإيمان يزول كله بزوال شيء منه، وأنه لا يتبعض ولا يتفاضل فلا يزيد ولا ينقص وقالوا إن إيمان الفساق كإيمان الأنبياء والمؤمنين" (^٣).
فهذه الشبهة هي التي أفسدت على هؤلاء قولهم، بل وعلى جميع المرجئة،
_________________
(١) انظر الفتاوى (٧/ ٢٢٣، ٢٥٧) وشرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية (ص ١٣٧).
(٢) الفتاوى (١٣/ ٤٨).
(٣) شرح العقيدة الأصفهانية (ص ١٣٧، ١٣٨)، وانظر الفتاوى (٧/ ٤٠٤).
[ ٢٠٢ ]
كما قال شيخ الإسلام: "وإنما أوقع هؤلاء كلهم أي المرجئة بأقسامهم-ما أوقع الخوارج والمعتزلة في ظنهم أن الإيمان لا يتبعض بل إذا ذهب بعضه ذهب كله، ومذهب أهل السنة والجماعة أنه يتبعض وأنه ينقص ولا يزول جميعه" (^١).
وقال شيخ الإسلام: "وجماع شبهتهم في ذلك أن الحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها كالعشرة فإنه إذا زال بعضها لم تبق عشرة، وكذلك الأجسام كالسكنجبين (^٢) إذا زال أحد جزئيه خرج عن كونه سكنجبين، قالوا فإذا كان الإيمان مركبًا من أقوال وأعمال ظاهرة وباطنة لزم زواله بزوال بعضها" (^٣).
_________________
(١) شرح العقيدة الأصفهانية (ص ١٤٣، ١٤٤).
(٢) السكنجبين: شراب مركب من حامض وحلوا-معرب-فارسيته: سركا انكبين انظر المعجم الوسيط (١/ ٤٤٠).
(٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٥١١).
[ ٢٠٣ ]