قال ابن القيم-﵀: "ولا ريب أن كل من له التفات إلى سنة رسول الله صلى الله وعليه وسلم واعتناء بها يشهدون شهادة جازمة أن المؤمنين يرون ربهم عيانا يوم القيامة، وإن قومًا من أهل التوحيد يدخلون النار ثم يخرجون منها بالشفاعة، وأن الصراط حق، وتكليم الله لعباده يوم القيامة كذلك" (^١)
وروي عن الإمام سفيان بن عيينة في اعتقاده قوله: السنة عشرة فمن كن فيه فقد استكمل السنة ومن ترك منها شيئا فقد ترك السنة: إثبات القدر وتقديم أبي بكر وعمر والحوض والشفاعة والميزان والصراط والإيمان قول وعمل والقرآن كلام الله وعذاب القبر والبعث يوم القيامة ولا تقطعوا بالشهادة على مسلم. (^٢)
وقال شيخ الاسلام: "إذا ثبتت الرسالة ثبت ما أخبر به الرسول مما ينكره بعض أهل البدع كعذاب القبر وسؤال منكر ونكير وكالصراط والشفاعة" (^٣).
حديث أبي بكرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يحمل
_________________
(١) "مختصر الصواعق للموصلي" ٤٨٠.
(٢) رواه الإمام اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٥٦)
(٣) الأصفهانية (٢/ ٢١٤).
[ ٣١٣ ]
الناس على الصراط، فينجي الله من شاء برحمته ثم يؤذن للملائكة، والنبيين، والشهداء، والصديقين فيشفعون» الحديث (^١).
الصِّراط: جِسر منصوب على مَتن جهنم بين الجَنَّة والنَّار، يَمُرُّ النَّاسُ عليه على قَدْرِ أعمالِهم.
قال السفاريني ﵀: «والصراط شرعًا: جِسر ممدود على مَتن جهنم يَرده الأولون والآخرون، فهو قنطرة جهنم بين الجنة والنار، وخُلِق مِنْ حين خُلِقت جهنم» (^٢).
وفي قوله ﷾: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١، ٧٢].
قال الشيخ السعدي: «هذا خطابٌ لسائر الخلائق؛ بَرِّهم وفاجرهم، ومؤمنهم وكافرهم: أنَّه ما منهم مِنْ أحدٍ إلا سيرد النار حكمًا حَتمه الله على نفسه، وأوعد به عباده، فلا بد مِنْ نفوذه، ولا محيد عن وقوعه» (^٣).
فالناس سيردون جهنم؛ لأنَّ الصراط مَنصوب على مَتْنِها.
_________________
(١) رواه أحمد (٥/ ٤٣) (٢٠٤٥٧)، والطبراني في «المعجم الصغير» (٢/ ١٤٢) (٩٢٩)، وابن أبي عاصم في «السنة» (ص: ٨٣٧). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٦٢): رجاله رجال الصحيح، وقال السيوطي في «البدور السافرة» (٢٥١): إسناده صحيح.
(٢) لوامع الأنوار البهية» للسفاريني (٢/ ١٨٩).
(٣) «تفسير السعدي» (٥٨٠).
[ ٣١٤ ]
وتختلف أحوال الناس في المرور عليه، كما جاء عن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يَرِدُ الناس النَّارَ، ثم يَصدرون عنها بأعمالهم؛ فأولهم كلمح البَرق، ثم كالرِّيح، ثم كحُضْر الفرس (^١)، ثم كالرَّاكب في رَحْلِه، ثم كَشَدِّ الرَّجل ثم كمَشيه» (^٢).
وقد جاء في وصفه أنه: صراطٌ دقيق جدًّا، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: «بَلغني أنَّ الجسر أدق من الشعرة، وأحَدُّ من السيف» (^٣).
والصِّراط مِنْ عرصات وأهوال يوم القيامة، وأول مَنْ يجوز عليه: النبيُّ ﷺ وأمته؛ فعن أبي هريرة ﵁: «… ويُضْرَبُ الصِّراط بين ظَهْري جَهَنَّم فأكونُ أنا وأُمَّتي أَوَّل مَنْ يُجيزها، ولا يتكلم يومئذ إلَّا الرُّسل، ودَعوى الرُّسل يَومئذ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وفي جهنم كلاليب مِثل شَوْك السَّعدان؛ هل رأيتم السَّعدان؟»، قالوا: نَعم يا رسول الله. قال: «فإنَّها مِثل شَوك السَّعدان غَير أنَّه لا يَعلم قَدْرَ عِظَمِها إلَّا الله ﷿، تَخطف النَّاسَ بأعمالهم، فمَنهم المُوبق بعملِه، والمُوثق بعمله، ومنهم المُخَرْدَل والمُجَازَى» (^٤).
_________________
(١) أي: جريه، وهو العَدْوُ الشَّديد.
(٢) أخرجه الترمذي (٣١٥٩)، والدارمي (٢٨٥٢)، وقال: «حديث حسن»، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٢٥٢٦).
(٣) أخرجه مسلم (١٨٣).
(٤) أخرجه البخاري (٧٤٣٧) ومسلم (١٨٢).
[ ٣١٥ ]
قال الإمامُ القرطبيُّ رحمه الله تعالى: «فَتَفَكَّر الآن فيما يَحِلُّ بك من الفَزع بفؤادك إذا رأيتَ الصِّراط ودِقَّتَه، ثُمَّ وَقَعَ بصرُك على سَوَادِ جَهنم من تحته، ثم قَرَعَ سَمْعَك شَهِيقُ النارِ وتَغَيُّظُها، وقد كُلِّفْت أن تَمشي على الصِّراط مع ضَعف حالك، واضطراب قلبِك، وتَزَلزُلِ قَدَمِك، وثِقَل ظَهْرك بالأوزار المانعة لك مِنْ المَشي على بساط الأرض فضلًا عن حِدَّة الصِّراط، فكيف بك إذا وَضَعْتَ عليه إحدى رِجليك فَأَحْسَسْتَ بِحِدَّتِه، واضطررت إلى أن تَرفع القَدَم الثاني، والخلائق بين يديك يَزِلُّون ويَعثرون، وتتناولهم زبانيةُ النَّار بالخطاطيف والكلاليب، وأنت تنظر إليهم كيف ينكسون فَتَسْفُل إلى جهة النار رُءوسهم، وتَعْلُو أَرْجُلُهم؛ فَيَا له مِنْ مَنظر ما أَفْظَعَه! ومُرْتَقًى ما أَصْعَبَه! ومَجاز ما أَضْيَقَه!» (^١).
ومع كل هذا فالمؤمن يمر عليه مرورًا سريعًا جدًّا.
ولذلك لا بد أن يعلم الإنسان أنه إذا أراد اجتياز الصراط إلى الجنة: أنه مطالب بمجاهدة نفسه في هذه الحياة؛ للثبات على منهج الله، وعليه النظر فيما هو مُقدم عليه من هذه الأهوال؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨]؛ وإذا كان الإنسان يحتاط جدًّا في سفر الدنيا وخاصة إذا سَمِع أن فيه مشقة، وأنه قد يُصيبه العنت فيه-فماذا قَدَّم ليوم القيامة وما فيه من كربات وأهوال؟
_________________
(١) «التذكرة» (ص ٢٨٩).
[ ٣١٦ ]
وليحاسب نفسه هنا: لماذا هذه الغشاوة التي على عينيه، ولماذا هذه الغفلة التي في قلبه عن هذا المصير المحتوم؟! ولماذا الركون إلى الدنيا وعدم استثمار الأنفاس فيما ينفع وينجي في هذا اليوم؟!
فكيف يوقن العبد بهذه الحقائق ومع ذلك يفرط في جنب الله؟!
ولماذا لا يجتهد في تحصيل مرضاة الله؟!
وليعلم كل امرئ أن نفسه إن لم يشغلها بالحق شغلته بالباطل، وأن الله قد أعطاه قوة كامنة في نفسه؛ إمَّا أن يُوجهها للخير، وإما أن يوجهها للشر، ولا ينفعه يوم القيامة إلا ما قَدَّمه من أعمال صالحة في هذه الحياة صار قلبه بها سليمًا؛ كما قال الله ﷾ عن الخليل إبراهيم ﵇: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٧ - ٨٩].
فعلى حسب حال المؤمن هنا من التنافس في فعل الخيرات، والمسارعة إلى مغفرة الله-سيكون حاله في الآخرة على الصراط؛ فمن استقام على صراط الله (منهجه) في الدنيا-ثَبَّته الله على الصراط المنصوب على ظهر جهنم؛ فاللهم ثَبِّتنا وسَلِّمنا دنيا وآخرة.
[ ٣١٧ ]
قال المصنف-﵀: