فقد ثَبت فِي «الصَّحِيح» أَنَّ جِبْرِيل لما جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فِي صُورَة أَعْرَابِي وسَأَلَهُ عَنْ الإِسْلَام قَالَ: «الإِسْلَامُ: أَنْ تشهد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا الله وأَن مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وتقيمَ الصَّلَاةَ، وتؤتي الزَّكَاة، وتصوم رَمَضَانَ، وتحجَّ البَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلا». قَالَ: فَمَا الإِيمَان؟ قَالَ: «أَنْ تؤمن بِاللَّه ومَلَائِكَته وكُتُبه ورُسُله والبَعث بعد المَوْتِ، وتؤمن بِالقدرِ؛ خَيره وشره». قَالَ: فَمَا الإِحْسَان؟ قَالَ: «أَنْ تعبدَ الله كَأَنَّك ترَاهُ، فَإِنْ لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك»، ثمَّ قَالَ فِي آخر الحَدِيث: «هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَكُم يُعَلِّمُكم دينَكُمْ»، فَجعل هَذَا كُلَّه مِنْ الدَّين».
فحديث جبريل هذا تَضَمَّن مراتبَ الدِّين، وهي: (الإسلام، والإيمان، والإحسان)، وفيه خص النبي ﷺ الإسلام بالأمور الظاهرة، وخَصَّ الإيمان بالأمور الباطنة، وجعل الإحسانَ مجموعَ الأمرين؛ لأن الإحسان في
_________________
(١) أخرجه ابنُ أبي شيبة في «مصنفه» (٧/ ٤٨١)، والخَلَّال في «السُّنَّة» (١٣١٤).
[ ١٨٩ ]
اللغة: الإتقان، والمراد هنا: إتقان الظاهر والباطن.
والإسلام يطلق أحيانًا ويُراد به جميع الدِّين، كما في قوله تعالى: ﴿إنَّ الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩]، ويُطلق تارة ويُراد به الأمور الظاهرة، كما في هذا الحديث حيث قال: «الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله …»، إلخ.
والإيمان كذلك يُطلق ويراد به جميع الدِّين، كما في حديث: «الإيمانُ بِضْعٌ وسَبعون شُعبة …»، ويُطلق الإيمان ويراد به: الأمور الباطنة، كما هنا في حديث جبريل حيث قال ﷺ: «الإيمان: أن تُؤمن بالله وملائكته وكُتُبه ورسله …».
فلفظ الإسلام والإيمان إذا ذُكِرا معًا افترقا؛ فصار للإسلام معنى خاص، وللإيمان معنى خاص، كما هنا في حديث جبريل ﵇؛ فالإسلام خاص بالأعمال الظاهرة، والإيمان خاص بما يتعلق بأعمال القلوب.
أما إذا ذُكِر الإسلام وحده أو الإيمان وحده؛ فإنَّ أحدهما يدخل في الآخر؛ لهذا يقول أهل العلم: «إنَّهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا»؛ فالإيمان عند أهل السنة والجماعة: هو عملٌ بالأركان، وقول باللسان، وتصديق بالجَنان، ويدخل فيه الإسلام؛ يكون قولًا باللسان وعملًا بالأركان وتصديقًا بالجنان؛ إذا ذكر وحده" (^١).
_________________
(١) انظر: «المنتقى من فتاوى الفوزان» أول المجلد الثاني، أول فتاوى الإيمان.
[ ١٩٠ ]
ففيما يتعلق بدخول الإنسان إلى هذا الدين متى ينتقل في مراتب الدين؛ لأن مراتب الدين ثلاثة: الإسلام، الإيمان، الإحسان، فهي عبارة عن ثلاث دوائر أول دائرة فيه هي الإسلام، ثم هناك دائرة أضيق منها هي الإيمان، ويعني هذا الضيق أن من هو مؤمن هو مسلم، ولكن ليس بالضرورة من كان مسلمًا أن يكون مؤمنا، ثم تأتي الدائرة الأضيق هي دائرة الإحسان؛ لأن الإحسان فحواه ومعناه أن تُتقن الظاهر والباطن، فعندما أقول أحسنت بمعنى أتقنت فالإحسان إتقان الظاهر والباطن، فإذا أُتقن الظاهر والباطن فهذه مرتبة عليا، فكل مسلم مؤمن مسلم، ولكن ليس كل مؤمن محسن، قد يكون محسن وقد لا يكون محسنا، فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة في هذه المسألة.
كما أنه مرتبط بتفاضل الناس في إيمانهم وتفاضل درجاتهم في الآخرة إلى غير ذلك من المسائل ذات الصلة.
وقول المصنف: "فإن تركها كسلا أو تهاونا كان في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه".
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "الإيمان مركب، من قول وعمل، والقول قسمان: قول القلب، وهو: اعتقاده; وقول اللسان، وهو: التكلم بكلمة الإسلام; والعمل قسمان: عمل القلب، وهو: قصده، واختياره، ومحبته، ورضاه، وتصديقه; وعمل الجوارح، كالصلاة، والزكاة، والحج، والجهاد، ونحو ذلك من الأعمال الظاهرة؛ فإذا زال تصديق القلب، ورضاه، ومحبته لله، وصدقه، زال الإيمان بالكلية; وإذا زال شيء من
[ ١٩١ ]
الأعمال، كالصلاة، والحج، والجهاد، مع بقاء تصديق القلب، وقبوله، فهذا محل خلاف، هل يزول الإيمان بالكلية، إذا ترك أحد الأركان الإسلامية، كالصلاة، والحج، والزكاة، والصيام، أو لا يزول؟ وهل يكفر تاركه أو لا يكفر؟ وهل يفرق بين الصلاة، وغيرها، أو لا يفرق؟
فأهل السنة مجمعون على أنه لا بد من عمل القلب، الذي هو: محبته، ورضاه، وانقياده؛ والمرجئة، تقول: يكفي التصديق فقط، ويكون به مؤمنا; والخلاف، في أعمال الجوارح، هل يكفر، أو لا يكفر؟ واقع بين أهل السنة؛
والمعروف عند السلف: تكفير من ترك أحد المباني الإسلامية، كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج.
والقول الثاني: أنه لا يكفر إلا من جحدها.
والثالث: الفرق بين الصلاة، وغيرها.
وهذه الأقوال، معروفة.
وكذلك المعاصي والذنوب، التي هي فعل المحظورات، فرقوا فيها: بين ما يصادم أصل الإسلام، وينافيه، وما دون ذلك؛ وبين ما سماه الشارع كفرا، وما لم يسمه؛ هذا ما عليه أهل الأثر، المتمسكون بسنة رسول الله ﷺ وأدلة هذا مبسوطة في أماكنها". (^١)
وتعد الصلاة من أهم العبادات وأوجبها وأفرضها ومسألة ترك الصلاة
_________________
(١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية ١/ ٤٧٩.
[ ١٩٢ ]
لها أحوال بينها العلماء ومن تلك الأحوال:
من ترك الصلاة متعمدًا حتى خرج وقتها فهذه الصورة من صور الترك وردت في السنة والآثار ما يبين حكمها ومن ذلك:
• قوله ﷺ "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" (^١)
• وفي المسند: " من ترك الصلاة متعمدًا فقد برئت منه الذمة" (^٢)
• وقوله: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" (^٣)
• وقال عمر بن الخطاب-﵁ -يقول: "لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة " (^٤)
• وقال عبد الله بن شقيق يقول: "كان أصحاب رسول الله ﷺ-لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة " (^٥).
_________________
(١) أخرجه النسائي (١/ ٢٣١) والترمذي (٧/ ٣٦٨ - تحفة) وابن ماجه (١٠٧٩) عن بريدة ﵁.
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٨) وابن ماجه (٢/ ١٣٣٩)، وأنظر: التلخيص الحبير (٢/ ١٤٨).
(٣) رواه مسلم (١/ ٨٨). وقد ذكر شيخ الإسلام-﵀-الفرق بين الكفر المعرف بأل والكفر المنكر في الاقتضاء (ص: ٢٠٧) قلت: الكفر المعرف هو الأكبر، وهو المعهود في ألفاظ الشارع وألسنة الصحابة.
(٤) رواه مالك في الموطأ (١/ ٣٩) وعبد الرزاق (٣/ ١٢٥) وغيرهم. وحظ: نكرة في سياق النفي، فلا حظ قليل ولا كثير في الإسلام لمن ترك الصلاة.
(٥) رواه الترمذي (٧/ ٣٧٠) وغيره.
[ ١٩٣ ]
وهذا القول قال به جملة من العلماء من عصر الصحابة إلى يومنا هذا ومن النقول الواردة في ذلك:
قال أبو محمد بن حزم: "وقد جاء عن عمر، ومعاذ، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة-﵃-أن من ترك صلاة فرض واحدةً متعمدًا حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد (^١) " (^٢).
وقال الحافظ المنذري: "وقد ذهب جماعة من الصحابة ومن بعدهم إلى تكفير من ترك الصلاة متعمدًا لتركها حتى يخرج جميع وقتها، منهم عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، ومعاذ بن جبل، وجابر بن عبد الله، وأبو الدرداء-﵃، ومن غير الصحابة أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله ابن المبارك، والنخعي، والحكم بن عتيبة، وأيوب السختياني، وأبو داود الطيالسي، وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وغيرهم ﵀" (^٣) أ. هـ.
قال ابن رجب: "ظاهر كلام أحمد وغيره من الأئمة الذين يرون كفر تارك الصلاة: أن من تركها كفر بخروج الوقت عليه، ولم يعتبروا أن يستتاب، ولا أن يُدعى إليها وعليه يدل كلام المتقدمين من أصحابنا، لقوله ﷺ: "بين
_________________
(١) جاء التنصيص على التكفير بترك صلاة واحدة عند عبد بن حميد (٣/ ٢٤) برقم (١٠٤١)، ولكن سندها ضعيف من أجل الصنعاني عمر بن زيد.
(٢) المحلى (٢/ ٢٤٢).
(٣) الترغيب والترهيب (١/ ٣٩٤).
[ ١٩٤ ]
الرجل وبين الكفر ترك الصلاة (^١) ".
واختاره كفره أيضًا: ابن حبيب من المالكية، والعز بن عبد السلام من الشافعية (^٢)، وغيرهم. ولفيف من أئمة الدعوة السلفية المباركة (^٣)، ومن آخرهم العلامة الجليل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (^٤)، والشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين (٤)، والشيخ عبد الرزاق عفيفي، والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، والشيخ عبد الله بن غديان، والشيخ عبد الله بن قعود (^٥)، وغيرهم كثير (^٦).
بل أفتى العلماء بأنَّ من أخر الصلاة وفوَّتَها عن وقتها الذي أمر الله بإيقاعها فيه عمدًا لم يقبلها الله منه بعد خروج وقتها، ولا تصح منه، ولا تبرأ ذمته منها.
وقال ابن حزم: "من تعمَّد ترك الصَّلاة حتى خرج وقتها، فهذا لا يقدر على قضائها أبدًا، فليكثر من فعل الخير وصلاة التطوُّع؛ ليثقل ميزانه يوم القيامة، ولْيَتُب وليستغفر الله ﷿". (^٧)
_________________
(١) حاشية العنقري على الروض المربع (١/ ١٢٢) وحاشية ابن قاسم على الروض أيضًا (١/ ٤٢٥).
(٢) انظر الدرر السنية: ٤/ ١٠٣.
(٣) انظر الدرر السنية: ٨/ ١٨٨.
(٤) انظر حاشية على فتح الباري: ٢/ ٢٧٥.
(٥) وفتاواهم بمجلة البحوث وغيرها لا تحصر.
(٦) المصدر: الإنباه إلى حكم تارك الصلاة عبد الله بن مانع الروقي ص ٤٧ - ٤٩.
(٧) "المحلى" (٢/ ٢٣٥).
[ ١٩٥ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: "تارك الصلاة عمدًا لا يشرع له قضاؤها، ولا تصحُّ منه، بل يكثر من التطوُّع، وكذا الصوم، وهو قول طائفة من السَّلف؛ كأبي عبد الرحمن صاحب الشافعي، وداود وأتباعه، وليس في الأدلة ما يُخالف هذا بل يوافقه". (^١)
وقال ابن رجب: "المعذور إنَّما أمره بالقضاء؛ لأنَّه جعل قضاءه كفَّارة له، والعامد ليس القضاء كفَّارة له؛ فإنه عاصٍ تلزمه التوبة من ذنبه بالاتِّفاق … والعامد لم يأتِ نصٌّ بأن القضاء كفَّارة له، بل ولا يدل عليه النظر؛ لأنَّه عاصٍ آثم يَحتاج إلى توبة، كقاتل العمد، وحالف اليمين الغموس … وقد نص الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: على أن المصلي لغير الوقت كالتارك للصلاة في استتابته وقتله، فكيف يؤمر بفعل صلاة حكمها حكم ترك الصلاة؟ … ولا يُعرف عن أحد من الصَّحابة في وجوب القضاء على العامد شيء، بل ولم أجد صريحًا عن التابعين-أيضًا-فيه شيئًا، إلا عن النخعي، وقد وردت آثارٌ كثيرة عن السَّلف في تارك الصلاة عمدًا أنَّه لا تقبل منه صلاة، كما رُوي عن الصديق ﵁". (^٢)
قال ابن القيِّم ﵀ في مقرِّرًا لهذه المسألة: "ما وقته أوسع من فعله كالصلاة فِعْلُه في وَقْته شرطٌ في كَوْنه عبادة مأمورًا بها، فإنَّه إنَّما أمر به على هذه الصِّفة، فلا تكون عبادة على غيرها … فما أَمَر الله به في الوقت، فتَرْكُه
_________________
(١) "الاختيارات" (ص: ٣٤).
(٢) "فتح الباري" (٥/ ١٣٣ - ١٣٩).
[ ١٩٦ ]
المأمورَ حتَّى فات وقته لم يُمكن فعله بعدَ الوقت شرعًا؛ ولهذا لا يُمكن فعل الجُمُعة بعد خروج وَقْتها، ولا الوقوف بعرفة بعد وقته … ولا مشروع إلاَّ ما شرعه الله ورسوله، وهو سبحانه ما شرع فِعْلَ الصلاة والصِّيام والحج إلاَّ في أوقات مُختصة به، فإذا فاتت تلك الأوقات لم تكن مشروعة، ولم يشرع الله سبحانه فعل الجمعة يوم السبت، ولا الوقوف بعرفة في اليوم العاشر، ولا الحج في غير أشهره.
ومن أخَّر صلاة النهار، فصلاَّها بالليل أو صلاة الليل، فصلاَّها بالنَّهار، فهذا الذي فعله غير الذي أمر به وغير ما شرعه الله ورسوله، فلا يكون صحيحًا ولا مقبولًا …
والله سبحانه قد جعل لكلِّ صلاة وقتًا محدودَ الأول والآخر، ولم يأذن في فعلها قبل دخول وقتها، ولا بعد خُرُوج وقتها، والمفعول قبل الوقت وبعده أمرٌ غير المشروع، فلو كان الوقت ليس شرطًا في صِحَّتها، لكان لا فرق في الصِّحة بين فعلها قبل الوقت وبعده؛ لأنَّ كلتا الصَّلاتين صلاَّها في غير وقتها، فكيف قبلت من هذا المفرِّط بالتفويت، ولم تقبل من المفرط بالتعجيل؟!
وقد أمر الله سبحانه المسلمين حال مواجهة عدوِّهم أن يصلوا صلاةَ الخوف، فيقصروا من أركانها، ويفعلوا فيها الأفعالَ الكثيرة، ويستدبروا فيها القبلة، ويسلمون قبل الإمام، بل يصلُّون رجالًا وركبانًا، حتَّى لو لم يُمكنهم إلا الإيماء، أَتَوا بها على دوابِّهم إلى غير القبلة في وقتها، ولو قبلت منهم في غير وقتها وصحَّت، لجاز لهم تأخيرها إلى وقت الأمن وإمكان الإتيان بها، وهذا
[ ١٩٧ ]
يدل على أنَّها بعد خروج وقتها لا تكون جائزة ولا مقبولة منهم مع العُذر الذي أصابهم في سبيله وجهاد أعدائه، فكيف تقبل من صحيحٍ مقيمٍ لا عذر له الْبَتَّةَ وهو يسمع داعيَ الله جهرة، فيدعها حتى يخرج وقتها، ثم يصليها في غير الوقت؟! وكذلك لم يفسح في تأخيرها عن وقتها للمريض، بل أمره أنْ يصلي على جنبه بغير قيام ولا ركوع ولا سجود إذا عَجَز عن ذلك، ولو كانت تقبل منه وتصح في غير وقتها، لجاز تأخيرها إلى زمن الصِّحَّة.
فأخبرونا: أيُّ كتابٍ أو سنة أو أَثَرٍ عن صاحب نطق بأنَّ من أخر الصلاة وفوَّتَها عن وقتها الذي أمر الله بإيقاعها فيه عمدًا يقبلها الله منه بعد خروج وقتها، وتصح منه، وتبرأ ذمته منها، ويثاب عليها ثواب من أدَّى فريضته؟! هذا والله ما لا سبيلَ لكم إليه البتة، حتَّى تقوم الساعة ونحن نُوجِد لكم عن أصحاب رسول الله مثل ما قلناه وخلاف قولكم.
فصل: في قول أبي بكر الصديق الذي لم يُعلَم أن أحدًا من الصحابة أنكره عليه؛ قال عبد الله بن المبارك: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن زيد: أن أبا بكر قال لعمر بن الخطاب: إنِّي موصيك بوصية إنْ حفظتها: إنَّ لله حقًّا بالنهار لا يقبله باللَّيل، وحقًّا بالليل لا يقبله بالنَّهار … فهذا أبو بكر قال: إنَّ الله لا يقبل عَمَل النهار بالليل، ولا عمل الليل بالنَّهار، ومن يُخالفنا بهذه المسألة يقولون بخلاف هذا صريحًا، وأنَّه يقبل صلاةَ العشاءِ الآخرة وقت الهاجرة، ويقبل صلاةَ العصر نصف النَّهار … فهذا قول أبي بكر،
[ ١٩٨ ]
وعمر، وابنه عبد الله، وسعد بن أبي وقاص، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن مسعود، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وبديل العقيلي، ومحمد بن سيرين، ومطرف بن عبد الله، وعمر بن عبد العزيز ﵃ وغيره" (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: "تارك الصلاة عمدًا لا يشرع له قضاؤها، ولا تصحُّ منه، بل يكثر من التطوُّع، وكذا الصوم، وهو قول طائفة من السَّلف؛ كأبي عبد الرحمن صاحب الشافعي، وداود وأتباعه، وليس في الأدلة ما يُخالف هذا بل يوافقه". (^٢)
وقال ابن حزم: "من تعمَّد ترك الصَّلاة حتى خرج وقتها، فهذا لا يقدر على قضائها أبدًا، فليكثر من فعل الخير وصلاة التطوُّع؛ ليثقل ميزانه يوم القيامة، ولْيَتُب وليستغفر الله ﷿". (^٣)
وقال ابن رجب: "المعذور إنَّما أمره بالقضاء؛ لأنَّه جعل قضاءه كفَّارة له، والعامد ليس القضاء كفَّارة له؛ فإنه عاصٍ تلزمه التوبة من ذنبه بالاتِّفاق … والعامد لم يأتِ نصٌّ بأن القضاء كفَّارة له، بل ولا يدل عليه النظر؛ لأنَّه عاصٍ آثم يَحتاج إلى توبة، كقاتل العمد، وحالف اليمين الغموس … وقد نص الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: على أن المصلي لغير الوقت كالتارك للصلاة في استتابته وقتله، فكيف يؤمر بفعل صلاة حكمها حكم ترك الصلاة؟ …
_________________
(١) كتاب الصَّلاة وحكم تاركها (ص: ٧٣ - ٨٠).
(٢) "الاختيارات" (ص: ٣٤).
(٣) "المحلى" (٢/ ٢٣٥).
[ ١٩٩ ]
ولا يُعرف عن أحد من الصَّحابة في وجوب القضاء على العامد شيء، بل ولم أجد صريحًا عن التابعين-أيضًا-فيه شيئًا، إلا عن النخعي، وقد وردت آثارٌ كثيرة عن السَّلف في تارك الصلاة عمدًا أنَّه لا تقبل منه صلاة، كما رُوي عن الصديق ﵁". (^١)
_________________
(١) "فتح الباري" (٥/ ١٣٣ - ١٣٩).
[ ٢٠٠ ]