_________________
(١) قوله: "باب التسمي بقاضي القضاة ": أي: وضع الشخص لنفسه هذا الاسم، أو رضاه به من غيره. قوله: "قاضي القضاة": قاضي: بمعنى حاكم، والقضاة; أي: الحكام، و"أل" للعموم. والمعنى: التسمي بحاكم الحُكَّام ونحوه، مثل ملك الأملاك، وسلطان السلاطين وما أشبه ذلك، مما يدل على النفوذ والسلطان; لأن القاضي جمع بين الإلزام والإفتاء، بخلاف المفتي; فهو لا يُلزِم، ولهذا قالوا: القاضي جمع بين الشهادة، والإلزام، والإفتاء; فهو يشهد أن هذا الحكم حكم الله، وأن الحق للمحكوم له على المحكوم عليه، ويفتي; أي: يخبر عن حكم الله وشرعه، ويُلزِم الخصمين بما حكم به. مناسبة الباب لكتاب التوحيد أن من تسمى بهذا الاسم; فقد جعل نفسه شريكا مع الله فيما لا يستحقه إلا الله; لأنه لا أحد يستحق أن يكون قاضي القضاة، أو حاكم الحكام، أو ملك الأملاك، إلا الله - ﷾-; فالله هو القاضي فوق كل قاض، وهو الذي له الحكم، ويُرجَع إليه الأمر كله، كما ذكر الله ذلك في القرآن.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
_________________
(١) وقد تقدم أن قضاء الله ينقسم إلى قسمين:
(٢) قضاء كوني.
(٣) قضاء شرعي. والقضاء الكوني لا بد من وقوعه، ويكون فيما أحب الله، وفيما كرهه، قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: من الآية ٤] ; فهذا قضاء كوني متعلق بما يكرهه الله; لأن الفساد في الأرض لا يحبه الله، والله لا يحب المفسدين، وهذا القضاء الكوني لا بد أن يقع ولا معارض له إطلاقا. وأما النوع الثاني من القضاء، وهو القضاء الشرعي; فمثل قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، والقضاء الشرعي لا يلزم منه وقوع المقضي، فقد يقع وقد لا يقع، ولكنه يتعلق فيما يحبه الله، وقد سبق الكلام على ذلك. فإن قلت: إذا أضفنا القضاة وحصرناها بطائفة معينة، أو ببلد معين، أو بزمان معين، مثل أن يقال: قاضي القضاة في الفقه، أو قاضي قضاة المملكة العربية السعودية، أو قاضي قضاة مصر، أو الشام، أو ما أشبه ذلك; فهل يجوز هذا؟ فالجواب: أن هذا جائز; لأنه مقيد، ومعلوم أن قضاء الله لا يتقيد، فحينئذ لا يكون فيه مشاركة لله ﷿، على أنه لا ينبغي أيضا أن يتسمى الإنسان بذلك، أو يسمى به، وإن كان جائزا; لأن النفس قد تصعب السيطرة عليها، فيما إذا شعر الإنسان بأنه موصوف بقاضي قضاة الناحية الفلانية، فقد يأخذه الإعجاب بالنفس، والغرور، حتى لا يقبل الحق إذا
[ ٢ / ٢٥٠ ]
_________________
(١) خالف قوله، وهذه مسألة عظيمة لها خطرها، إذا وصلت بالإنسان إلى الإعجاب بالرأي بحيث يرى أن رأيه مفروض على من سواه; فإن هذا خطر عظيم، فمع القول بأن ذلك جائز، لا ينبغي أن يقبله اسما لنفسه، أو وصفا له، ولا أن يتسمى به. فإذا قُيِّد بزمان أو مكان ونحوهما; قلنا: إنه جائز، ولكن الأفضل ألا يفعل. لكن إن قُيد بفن من الفنون; هل يكون جائزا؟ مقتضى التقييد أن يكون جائزا، لكن إن قُيِّد بالفقه، بأن قيل: (عالم العلماء في الفقه)، وقلنا: إن الفقه يشمل أصول الدين وفروعه على حد قول الرسول ﷺ " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين "١ صار فيه عموم واسع، ومعنى هذا أن مرجع الناس كلهم في الشرع إليه; فهذا في نفسي منه شيء، والأولى التنزه عنه. وأما إن قُيد بقبيلة; فهو جائز، لكن يجب مع الجواز مراعاة جانب الموصوف؛ أن لا يغتر، ويعجب بنفسه، ولهذا قال النبي ﷺ للمادح: "قطعت عنق صاحبك "٢. وأما التسمي ب (شيخ الإسلام)، مثل أن يقال: شيخ الإسلام ابن تيمية، أو شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، أي أنه الشيخ المطلق الذي يرجع إليه الإسلام; فهذا لا يصح; إذ إن أبا بكر ﵁ أحق بهذا الوصف; لأنه أفضل الخلق بعد النبيين، ولكن إذا قصد بهذا الوصف أنه جدد في الإسلام، وحصل له أثر طيب في الدفاع عنه; فلا بأس بإطلاقه. وأما بالنسبة للتسمي ب (الإمام) ; فهو أهون بكثير من التسمي ب (شيخ ١أخرجه: البخاري في (العلم، باب من يرد الله به خيرا)، (١/٤٢)، ومسلم في (الزكاة، باب النهي عن المسألة)، (٢/٧١٨) ; من حديث معاوية ﵁. ٢أخرجه: البخاري في (الأدب، باب ما يكره من التمادح)، (٤/١٠٢)، ومسلم في (الزهد، باب النهي عن المدح)، (٤/٢٢٩٦) ; من حديث أبي بكرة ﵁.
[ ٢ / ٢٥١ ]
..
في " الصحيح " عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " إن أخنع اسم عند الله
_________________
(١) الإسلام) ; لأن النبي ﷺ سمى إمام المسجد إماما، ولو لم يكن عنده إلا اثنان. لكن ينبغي أن ينبه أنه لا يتسامح في إطلاق كلمة إمام، إلا على من كان قدوة وله أتباع; كالإمام أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم ممن له أثر في الإسلام; لأن وصف الإنسان بما لا يستحق هضم للأمة; لأن الإنسان إذا تصور أن هذا إمام، وهذا إمام، هان الإمام الحق في عينه، قال الشاعر: ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا ومن ذلك أيضا: (آية الله، حجة الله، حجة الإسلام) ; فإنها ألقاب حادثة، لا تنبغي؛ لأنه لا حجة لله على عباده إلا الرسل. وأما آية الله، فإن أريد به المعنى الأعم; فلا مدح فيه؛ لأن كل شيء آية لله، كما قيل: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد وإن أريد المعنى الأخص; أي: أن هذا الرجل آية خارقة; فهذا في الغالب يكون مبالغا فيه، والعبارة السليمة أن يقال: عالم، مفتٍ، قاضٍ، حاكم، إمام، لمن كان مستحقا لذلك. قوله: "في الصحيح" انظر الكلام عليها فيما سبق: (١/١٥٧) . قوله: " إن أخنع اسم ": أي: أوضع اسم، والمراد بالاسم المسمى، فأوضع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك ; لأنه جعل نفسه في مرتبة عليا، فالملوك أعلى طبقات البشر من حيث السلطة; فجعل مرتبته فوق
[ ٢ / ٢٥٢ ]
رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله "١.
_________________
(١) مرتبتهم، وهذا لا يكون إلا لله ﷿، ولهذا عوقب بنقيض قصده; فصار أوضع اسم عند الله إذ قصده أن يتعاظم حتى على الملوك، فأهين، ولهذا كان أحب اسم عند الله ما دل على التذلل والخضوع، مثل: عبد الله، وعبد الرحمن، وأبغض اسم عند الله ما دل على الجبروت، والسلطة، والتعظيم. قوله: " لا مالك إلا الله ": أي: لا مالك على الحقيقة الملك المطلق إلا الله تعالى. وأيضا لا مَلِك إلا الله ﷿؛ ولهذا جاءت آية الفاتحة بقراءتين: "ملِكِ يوم الدين" و﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] ; لكي يجمع بين الملك وتمام السلطان; فهو - سبحانه - ملك مالك، ملك ذو سلطة وعظمة وقول نافذ، ومالك متصرف مدبر لجميع مملكته. فالله له الخلق والملك والتدبير; فلا خالق إلا الله، ولا مدبر إلا الله، ولا مالك إلا الله، قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: من الآية٣] ; فالاستفهام بمعنى النفي، وقد أشرب معنى التحدي، أي إن وجدتموه فهاتوه، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [الحجر:٨٦] فيها توكيد، وحصر، وهذا دليل انفراده بالخلق، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: من الآية٧٣] ; ف "الذين": اسم موصول يشمل كل من يُدعى من دون الله، ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ [الحج: من الآية٧٣] وهذا على سبيل المبالغة; وما كان على سبيل المبالغة; فلا مفهوم له كثرة أو قلة. ١أخرجه: البخاري في (الأدب، باب أبغض الأسماء إلى الله تعالى)، (٤/١٢٩)، ومسلم في (الآداب،. باب تحريم التسمي بملك الأملاك)، (٣/١٦٨٨) .
[ ٢ / ٢٥٣ ]
قال سفيان: " مثل شاهان شاه".
وفي رواية: " أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه "١.
قوله: " أخنع"، يعني: أوضع.
_________________
(١) وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: من الآية١]، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: من الآية٢٦]، وهذا دليل انفراده بالملك، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: من الآية٣١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ (المؤمنون:٨٨، ٨٩) . قوله: "قال سفيان (هو ابن عيينة): مثل شاهان شاه": وهذا باللغة الفارسية; فشاهان: جمع بمعنى أملاك، وشاه مفرد بمعنى ملك، والتقدير أملاك ملك; أي: ملك الأملاك، لكنهم في اللغة الفارسية يقدمون المضاف إليه على المضاف. قوله: وفي رواية: " أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه " أغيظ: من الغيظ وهو الغضب; أي: إن أغضب شيء عند الله ﷿ وأخبثه هو هذا الاسم، وإذا كان سببا لغضب الله وخبيثا; فإن التسمي به من الكبائر. وقوله: "أغيظ": فيه إثبات الغيظ لله ﷿، فهي صفة تليق بالله ﷿، كغيرها من الصفات، والظاهر أنها أشد من الغضب. ١أخرجه: مسلم في (الآداب، باب تحريم التسمي بملك الأملاك)، (٣/١٦٨٨) .
[ ٢ / ٢٥٤ ]
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن التسمي بملك الأملاك
الثانية: أن ما في معناه مثله; كما قال سفيان
الثالثة: التفطن للتغليظ في هذا ونحوه، مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه.
_________________
(١) فيه مسائل: الأولى: النهي عن التسمي بملك الأملاك: وتؤخذ من قول الرسول ﷺ " إن أخنع اسم عند الله ﷿ رجل تسمى ملك الأملاك "١ والمؤلف يقول: النهي عن التسمي ، والنهي شرعا لا يستفاد من الصيغة المعينة المعروفة فحسب، بل إذا ورد الذم عليه، أو سب فاعله، أو ما أشبه ذلك; فإنه يفيد النهي، وصيغة النهي هي المضارع المقرون ب "لا" الناهية، مثل: لا تفعل، ولكن إذا كان هناك ذم، أو وعيد، أو ما أشبه ذلك; فهو متضمن للنهي وزيادة. الثانية: أن ما في معناه مثله كما قال سفيان: والذي في معناه: قاضي القضاة، وحاكم الحكام، وشاهان شاه في الفارسية. الثالثة: التفطن للتغليظ في هذا ونحوه، مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه: أي: لم يقصد أنه ملك الأملاك أو قاضي القضاة; لعلمه أن هناك من هو أبلغ ملكا وأحكم قضاء. وإذا سمينا شخصا بقاضي القضاة، أو حاكم الحكام، وهو ليس كذلك، بل هو من أجهل القضاة، ومن أضعف الحكام; جمعنا بين أمرين: بين الكذب، والوقوع في اللفظ المنهي عنه، وأما إذا كان أعلم أهل زمانه، أو أعلم أهل مكانه، ويرجع القضاة إليه; فهذا وإن كان القول مطابقا للواقع لكنه منهي عنه، مع أن القلب لم يقصد معناه. ١ البخاري: الأدب (٦٢٠٦)، ومسلم: الآداب (٢١٤٣)، والترمذي: الأدب (٢٨٣٧)، وأبو داود: الأدب (٤٩٦١)، وأحمد (٢/٢٤٤) .
[ ٢ / ٢٥٥ ]
الرابعة: التفطن أن هذا لأجل الله سبحانه.
_________________
(١) الرابعة: التفطن أن هذا لأجل الله - سبحانه -: يؤخذ من قوله: "لا مالك إلا الله"; فالرسول ﷺ أشار إلى العلة، وهي: "لا مالك إلا الله"١ فكيف تقول: ملك الأملاك، ولا مالك إلا الله - ﷿ -؟! الفرق بين ملك ومالك: ليس كل ملك مالكا، وليس كل مالك ملكا; فقد يكون الإنسان ملكا، ولكنه لا يكون بيده التدبير، وقد يكون الإنسان مالكا، ويتصرف فيما يملكه فقط; فالملِكُ مَنْ ملك السلطة المطلقة، لكن قد يملك التصرف فيكون ملكا مالكا، وقد لا يملك فيكون ملكا وليس بمالك، أما المالك; فهو الذي له التصرف بشيء معين; كمالك البيت، ومالك السيارة، وما أشبه ذلك; فهذا ليس بملك; يعني: ليس له سلطة عامة. ويستفاد من الحديث أيضا:
(٢) إثبات صفة الغيظ لله ﷿، وأنه يتفاضل؛ لقوله ﷺ: "أغيظ"، وهو اسم تفضيل.
(٣) حكمة الرسول ﷺ في التعليم; لأنه لما بين أن هذا أخنع اسم، وأغيظه، أشار إلى العلة، وهو: "لا مالك إلا الله"، وهذا من أحسن التعليم والتعبير، ولهذا ينبغي لكل إنسان يعلم الناس؛ أن يقرن الأحكام بما تطمئن إليه النفوس من أدلة شرعية، أو علل مرعية، قال ابن القيم: العلم معرفة الهدى بدليله ما ذاك والتقليد يستويان فالعلم أن تربط الأحكام بأدلتها الأثرية، أو النظرية; فالأثرية ما كان من كتاب، أو سنة، أو إجماع، والنظرية: العقلية; أي: العلل المرعية التي يعتبرها الشرع. ١ مسلم: الآداب (٢١٤٣)، وأحمد (٢/٣١٥) .
[ ٢ / ٢٥٦ ]