_________________
(١) قوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، لما ذكر سبحانه ما يقر به هؤلاء من أفعاله التي لم يفعلها غيره: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾، [البقرة: الآية٢١-٢٢]، فكل من أقر بذلك لزمه أن لا يعبد إلا المقر له; لأنه لا يستحق العبادة من لا يفعل ذلك، ولا ينبغي أن يُعبَد إلا من فعل ذلك، ولذلك أتى بالفاء الدالة على التفريع والسببية، أي: فبسبب ذلك لا تجعلوا لله أندادا. و"لا" هذه ناهية; أي: فلا تجعلوا له أندادا في العبادة، كما أنكم لم تجعلوا له أندادا في الربوبية، وأيضا لا تجعلوا له أندادا في أسمائه وصفاته; لأنهم قد يصفون غير الله بأوصاف الله ﷿، كاشتقاق العزى من العزيز، وتسميتهم رحمن اليمامة. قوله: "أندادا": جمع ند، وهو الشبيه والنظير، والمراد هنا: أندادا في العبادة. قوله: "وأنتم تعلمون ": الجملة في موضع نصب حال من فاعل ﴿تجعلوا﴾ ; أي: والحال أنكم تعلمون، والمعنى: وأنتم تعلمون أنه لا
[ ٢ / ٢٠٨ ]
وقال ابن عباس في الآية: "الأنداد هو الشرك، أخفى من
_________________
(١) أنداد له-يعني في الربوبية-; لأن هذا محط التقبيح من هؤلاء، أنهم يجعلون له أندادا وهم يعلمون أنه لا أنداد له في الربوبية، أما في الألوهية; فيجعلون له أندادا، قالوا للنبي ﷺ: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، [صّ:٥]، ويقولون في تلبيتهم: "لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك"، وهذا من سفههم; فإنه إذا صار مملوكا; فكيف يكون شريكا، ولهذا أنكر الله عليهم في قوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، [البقرة: من الآية٢٢]؛ إذ الأنداد بالمعنى العام- بقطع النظر عن كونه يخاطب أقواما يقرون بالربوبية- يشمل الأنداد في الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات. قوله: "وقال ابن عباس في الآية": أي: في تفسيرها. قوله: "هو الشرك": هذا تفسير بالمراد; لأن التفسير تفسيران:
(٢) تفسير بالمراد، وهو المقصود بسياق الجملة بقطع النظر عن مفرداتها.
(٣) تفسير بالمعنى، وهو الذي يسمى تفسير الكلمات. فعندنا الآن وجهان للتفسير: أحدهما: التفسير اللفظي وهو تفسير الكلمات، وهذا يقال فيه: معناه كذا وكذا. والثاني: التفسير بالمراد، فيقال: المراد بكذا وكذا، والأخير هنا هو المراد.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول:
_________________
(١) فإذا قلنا: الأنداد الأشباه والنظراء; فهو تفسير بالمعنى، وإذا قلنا: الأنداد الشركاء أو الشرك; فهو تفسير بالمراد، يقول ﵁ "الأنداد هو الشرك"، فإذن الند: الشريك المشارك لله - ﷾ - فيما يختص به. وقوله: "دبيب": أي: أثر دبيب النمل، وليس فعل النمل. وقوله: "على صفاة": هي الصخرة الملساء. وقوله: "سوداء": وليس على بيضاء; إذ لو كان على بيضاء; لبان أثر السير أكثر. وقوله: "في ظلمة الليل": وهذا أبلغ ما يكون في الخفاء. فإذا كان الشرك في قلوب بني آدم أخفى من هذا; فنسأل الله أن يعين على التخلص منه، ولهذا قال بعض السلف: "ما عالجت نفسي معالجتها على الإخلاص"، ويروى عن النبي ﷺ أنه لما قال مثل هذا؟ قيل له: كيف نتخلص منه؟ قال: " قولوا: اللهم! إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم "١. ١أخرجه الإمام أحمد (٤/٤٠٣)، والطبراني في "الأوسط" و"الكبير"; كما في "المجمع" (١٠/٢٢٣، ٢٢٤) ; من حديث أبي موسى الأشعري ﵁. وقال المنذري في "الترغيب" (١/٧٦): "ورواته إلى أبي علي محتج بهم في "الصحيح"، وأبو علي وثقه ابن حبان ولم أر أحدا جرحه". وكذا قال الهيثمي في "المجمع". وأخرجه: المروزي في "مسند أبي بكر" (١٧)، وأبو يعلى; كما في "المجمع" (١٠/ ٢٢٤)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٢٨٧) ; من حديث أبي بكر. وفيه ليث بن أبي سليم، وقد اختلط. وأخرجه: البخاري في "الأدب المفرد" (٧١٦)، وفيه ليث بن أبي سليم مع رجل من أهل البصرة. وأخرجه: ابن حبان في "المجروحين " (٣/٣٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (٧/١١٢)، وفيه يحيى بن كثير البصري مجمع على ضعفه.
[ ٢ / ٢١٠ ]
والله، وحياتك يا فلان، وحياتي، وتقول: لولا كليبة هذا; لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار; لأتى اللصوص،
_________________
(١) وقوله: "والله وحياتك": فيها نوعان من الشرك. الأول: الحلف بغير الله. الثاني: الإشراك مع الله بقوله: والله! وحياتك! فضمها إلى الله بالواو المقتضية للتسوية؛ فيه نوع من الشرك. والقسم بغير الله إن اعتقد الحالف أن المقسم به بمنزلة الله في العظمة; فهو شرك أكبر، وإلا; فهو شرك أصغر. وقوله: "وحياتي": فيه حلف بغير الله; فهو شرك. وقوله: "لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص": كليبة تصغير كلب، والكلب ينتفع به للصيد وحراسة الماشية، والحرث. وقوله: "لولا كليبة هذا" يكون فيه شرك إذا نظر إلى السبب دون المسبِّب، وهو الله ﷿ أما الاعتماد على السبب الشرعي، أو الحسي المعلوم; فقد تقدم أنه لا بأس به، وأن النبي ﷺ قال: " لولا أنا; لكان في الدرك الأسفل من النار "١، لكن قد يقع في قلب الإنسان إذا قال: لولا كذا لحصل كذا أو ما كان كذا، قد يقع في قلبه شيء من الشرك؛ بالاعتماد على السبب بدون نظر إلى المسبب، وهو الله ﷿. وقوله: "لولا البط في الدار لأتى اللصوص": البط طائر معروف، وإذا دخل اللص البيت وفيه بط، فإنه يصرخ، فينتبه أهل البيت ثم يجتنبه اللصوص. ١سبق (ص ٢٠٤) .
[ ٢ / ٢١١ ]
وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان; لا تجعل فيها فلانا، هذا كله به شرك"، رواه ابن أبي حاتم١.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من حلف بغير الله; فقد كفر أو أشرك "، رواه الترمذي
_________________
(١) وقوله: "وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت": فيه شرك; لأنه شرك غير الله مع الله بالواو، فإن اعتقد أنه يساوي الله ﷿ في التدبير والمشيئة; فهو شرك أكبر، وإن لم يعتقد ذلك واعتقد أن الله - ﷾ - فوق كل شيء; فهو شرك أصغر، وكذلك قوله: "لولا الله وفلان". وقوله: "هذا كله به شرك": المشار إليه ما سبق، وهو شرك أكبر أو أصغر حسب ما يكون في قلب الشخص من نوع هذا التشريك. قوله: "وعن عمر": صوابه عن ابن عمر، نبه عليه في "تيسير العزيز الحميد". وقوله في حديث ابن عمر ﵄: "من حلف بغير الله": "من": شرطية; فتكون للعموم. قوله: "أو أشرك": شك من الراوي، والظاهر أن صواب الحديث "أشرك". ١أخرجه ابن أبي حاتم; كما في "تفسير ابن كثير" (١/٥٧) . وقال الشيخ سليمان في "تيسير العزيز" (ص ٥٨٧): "وسنده جيد".
[ ٢ / ٢١٢ ]
وحسنه، وصححه الحاكم١.
_________________
(١) وقوله: " من حلف بغير الله ": يشمل كل محلوف به سوى الله، سواء بالكعبة أو الرسول ﷺ أو السماء أو غير ذلك، ولا يشمل الحلف بصفات الله; لأن الصفة تابعة للموصوف، وعلى هذا; فيجوز أن تقول: وعزة الله; لأفعلن كذا. وقوله: "بغير الله": ليس المراد بغير هذا الاسم، بل المراد بغير المسمى بهذا الاسم، فإذا حلف بالله أو بالرحمن أو بالسميع; فهو حلف بالله. والحلف: تأكيد الشيء بذكر معظم بصيغة مخصوصة؛ بالباء، أو التاء، أو الواو، وحروف القسم ثلاثة: الباء، والتاء، والواو. والباء: أعمها; لأنها تدخل على الظاهر والمضمَر وعلى اسم الله وغيره، ويذكر معها فعل القسم ويحذف، فيذكر معها فعل القسم; كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾، [الأنعام: من الآية١٠٩] . ويحذف مثل قولك: بالله لأفعلن; وتدخل على المضمر مثل قولك: الله عظيم أحلف به لأفعلن، وعلى الظاهر كما في الآية وعلى غير لفظ الجلالة، مثل قولك: بالسميع لأفعلن، وأما الواو; فإنه لا يذكر معها فعل القسم، ولا تدخل على الضمير، ويحلف بها مع كل اسم، وأما التاء; فإنه لا يذكر ١أخرجه الطيالسي (١٨٩٦)، وأحمد (٢/٣٤،٨٦)، وأبو داود في (الإيمان، باب كراهة الحلف بالآباء/٣/٥٧٠)، والترمذي في (الأيمان، باب ما جاء في كراهة الحلف بغير الله/٥/٢٥٣) -وحسنه، وابن حبان (١١٧٧)، والحاكم (١/١٨)، (٤/٢٩٧) - وصححه على شرط الشيخين، وأقره الذهبي-، والبيهقي (١٠/٢٩) . وقال الزين العراقي في "أماليه": "إسناده ثقات"; كما في "التيسير" (ص٥٨٩) .
[ ٢ / ٢١٣ ]
_________________
(١) معها فعل القسم، وتختص بالله ورب، قال ابن مالك: "والتاء لله ورب". والحلف بغير الله شرك أكبر؛ إن اعتقد أن المحلوف به مساو لله تعالى في التعظيم والعظمة، وإلا فهو شرك أصغر. وهل يغفر الله الشرك الأصغر؟ قال بعض العلماء: إن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النّساء من الآية: ٤٨] ; أي: الشرك الأكبر، ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء من الآية: ٤٨] يعني: الشرك الأصغر والكبائر. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر١؛ لأن قوله: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: من الآية٤٨] مصدر مُؤَوَّل; فهو نكرة في سياق النفي، فيعم الأصغر والأكبر، والتقدير: لا يغفر شركا به أو إشراكا به. وأما قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس:١]، وقوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:١] وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل:١]، وما أشبه ذلك، من المخلوقات التي أقسم الله بها; فالجواب عنه من وجهين: الأول: أن هذا من فعل الله، والله لا يُسْأَل عما يفعل، وله أن يقسم سبحانه بما شاء من خلقه، وهو سائل غير مسئول، وحاكم غير محكوم عليه. الثاني: أن قسم الله بهذه الآيات؛ دليل على عظمته، وكمال قدرته وحكمته; فيكون القسم بها الدال على تعظيمها ورفع شأنها؛ متضمنا للثناء على الله ﷿، بما تقتضيه من الدلالة على عظمته. ١انظر: "الرد على البكري" (تلخيص "كتاب الاستغاثة") (ص ١٤٦) .
[ ٢ / ٢١٤ ]
_________________
(١) وأما نحن; فلا نقسم بغير الله أو صفاته; لأننا منهيون عن ذلك. وأما ما ثبت في "صحيح مسلم" من قوله ﷺ " أفلح وأبيه إن صدق "١. فالجواب عنه من وجوه: الأول: أن بعض العلماء أنكر هذه اللفظة، وقال: إنها لم تثبت في الحديث; لأنها مناقضة للتوحيد، وما كان كذلك; فلا تصح نسبته إلى رسول الله ﷺ، فيكون باطلا. الثاني: أنها تصحيف من الرواة، والأصل: "أفلح والله إن صدق"٢. وكانوا في السابق لا يشكلون الكلمات، و"أبيه" تشبه، "الله" إذا حذفت النقط السفلى. الثالث: أن هذا مما يجري على الألسنة بغير قصد، وقد قال تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: من الآية٨٩]، وهذا لم ينو فلا يؤاخذ. الرابع: أنه وقع من النبي ﷺ، وهو أبعد الناس عن الشرك; فيكون من خصائصه، وأما غيره; فهم منهيون عنه لأنهم لا يساوون النبي ﷺ في الإخلاص والتوحيد. الخامس: أنه على حذف مضاف، والتقدير: "أفلح ورب أبيه". السادس: أن هذا منسوخ، وأن النهي هو الناقل من الأصل، وهذا أقرب الوجوه. ولو قال قائل: نحن نقلب عليكم الأمر، ونقول: إن المنسوخ هو ١أخرجه: مسلم في (الإيمان، باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام، (١/٤٠) من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁. ٢ البخاري: الإيمان (٤٦)، ومسلم: الإيمان (١١)، والنسائي: الصلاة (٤٥٨) والصيام (٢٠٩٠) والإيمان وشرائعه (٥٠٢٨)، وأبو داود: الصلاة (٣٩١)، وأحمد (١/١٦٢)، ومالك: النداء للصلاة (٤٢٥) .
[ ٢ / ٢١٥ ]
_________________
(١) النهي; لأنهم لما كانوا حديثي عهد بشرك نهوا أن يشركوا به، كما نهي الناس حين كانوا حديثي عهد بشرك عن زيارة القبور؛ ثم أذن لهم فيها١؟ فالجواب عنه: إن هذا اليمين كان جاريا على ألسنتهم، فَتُرِكوا حتى استقر الإيمان في نفوسهم ثم نهوا عنه، ونظيره إقرارهم على شرب الخمر أولا، ثم أمروا باجتنابه٢. أما بالنسبة للوجه الأول; فضعيف لأن الحديث ثابت، وما دام يمكن حمله على وجه صحيح; فإنه لا يجوز إنكاره. وأما الوجه الثاني; فبعيد، وإن أمكن; فلا يمكن في قوله ﷺ لما سئل: "أي الصدقة أفضل؟ فقال: أما وأبيك لتنبأنه"٣. وأما الوجه الثالث فغير صحيح لأن النهي وارد مع أنه كان يجري على ألسنتهم، كما جرى على لسان سعد فنهاه النبي٤ ﷺ، ولو صح هذا; لصح أن يقال لمن فعل شركا اعتاده لا ينهى; لأن هذا من عادته، وهذا باطل. ١أخرجه: مسلم في (الجنائز، باب استئذان النبي ﷺ ربه زيارة أمه، (٢/٦٧٢) من حديث بريدة ﵁. ٢كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة: ٩٠] . ٣رواه: مسلم في (باب أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح) . ٤حديث سعد بن أبي وقاص ﵁; قال: "حلفت مرة باللات والعزى; فقال النبي ﷺ: قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثم انفث عن يسارك ثلاثا، ثم تعوذ، ولا تعد. أخرجه: أحمد (١/ ١٨٣، ١٨٦، ١٨٧)، والطحاوي في "المشكل" (١/ ٣٦٠) - وعنده الأمر بالاستغفار بدلا من التعوذ-، وابن حبان (١١٧٨) . والحديث ضعيف; كما في "إرواء الغليل" (٨/١٩٣) .
[ ٢ / ٢١٦ ]
"وقال ابن مسعود: "لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا"١.
_________________
(١) وأما الرابع; فدعوى الخصوصية تحتاج إلى دليل، وإلا فالأصل التأسي به. وأما الخامس: فضعيف لأن الأصل عدم الحذف، ولأن الحذف هنا يستلزم فهما باطلا، ولا يمكن أن يتكلم الرسول ﷺ بما يستلزم ذلك بدون بيان المراد، وعلى هذا يكون أقربها الوجه السادس أنه منسوخ، ولا نجزم بذلك لعدم العلم بالتاريخ، ولهذا قلنا أقربها والله أعلم، وإن كان النووي ﵀ ارتضى أن هذا مما يجري على اللسان بدون قصد، لكن هذا ضعيف لا يمكن القول به، ثم رأيت بعضهم جزم بشذوذها لانفراد مسلم بها عن البخاري مع مخالفة راويها للثقات; فالله أعلم. قوله في أثر ابن مسعود: " لأن أحلف بالله كاذبا": اللام: لام الابتداء، و"أن" مصدرية; فيكون قوله: "أن أحلف" مؤوّلا بمصدر مبتدأ تقديره لحلفي بالله. قوله: "أحب إلي": خبر المبتدأ، ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: من الآية١٨٤] . قوله: "كاذبا": حال من فاعل أحلف. قوله: "أحب إلي": هذا من باب التفضيل الذي ليس فيه شيء من الجانبين، وهذا نادر في الكلام; لأن التفضيل في الأصل يكون فيه المعنى ثابتا في المفضل وفي المفضل عليه، وأحيانا في المفضل دون المفضل ١سبق (ص ٢٧) .
[ ٢ / ٢١٧ ]
_________________
(١) عليه، وأحيانا لا يوجد في الجانبين; فابن مسعود ﵁ لا يحب لا هذا ولا هذا، ولكن الحلف بالله كاذبا أهون عليه من الحلف بغيره صادقا، فالحلف كاذبا بالله محرم من وجهين:
(٢) أنه كذب، والكذب محرم لذاته.
(٣) أن هذا الكذب قُرِن باليمين، واليمين تعظيم لله ﷿، فإذا كان على كذب صار فيه شيء من تنقص لله ﷿؛ حيث جعل اسمه مؤكدا لأمر كذب، ولذلك كان الحلف بالله كاذبا عند بعض أهل العلم من اليمين الغَمُوس التي تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار. وأما الحلف بغير الله صادقا فهو محرم من وجه واحد وهو الشرك، لكن سيئة الشرك أعظم من سيئة الكذب، وأعظم من سيئة الحلف بالله كاذبا، وأعظم من اليمين الغموس إذا قلنا: إن الحلف بالله كاذبا من اليمين الغموس; لأن الشرك لا يغفر، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: من الآية٤٨]، وما أرسل الله الرسل وأنزل الكتب إلا لإبطال الشرك، فهو أعظم الذنوب، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: من الآية١٣]، وسئل النبي ﷺ: "أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك "١ والشرك متضمن للكذب، فإن الذي جعل غير الله شريكا لله كاذب، بل من أكذب الكاذبين; لأن الله لا شريك له. ١أخرجه البخاري في (التفسير، باب: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر)، (٣/٢٧١)، ومسلم في (الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب، (١/٩١) ; عن ابن مسعود ﵁.
[ ٢ / ٢١٨ ]
* * *
وعن حذيفة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان،
_________________
(١) قوله في حديث حذيفة ﵁ "لا تقولوا": "لا": ناهية، ولهذا جُزم الفعل بعدها بحذف النون. قوله: " ما شاء الله وشاء فلان ": والعلة في ذلك أن الواو تقتضي تسوية المعطوف بالمعطوف عليه; فيكون القائل: ما شاء الله وشئت؛ مسويا مشيئة الله بمشيئة المخلوق، وهذا شرك، ثم إن اعتقد أن المخلوق أعظم من الخالق، أو أنه مساو له فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أنه أقل; فهو شرك أصغر. قوله: " ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان ": لما نهى عن اللفظ المحرم بيّن اللفظ المباح; لأن "ثم" للترتيب والتراخي، فتفيد أن المعطوف أقل مرتبة من المعطوف عليه. أما بالنسبة لقوله: " ما شاء الله فشاء فلان "; فالحكم فيها أنها مرْتَبَة بين مرتبة (الواو) ومرتبة (ثم) ; فهي تختلف عن (ثم) بأن (ثم) للتراخي والفاء للتعقيب، وتوافق (ثم) بأنها للترتيب; فالظاهر أنها جائزة، ولكن التعبير ب (ثم) أولى; لأنه اللفظ الذي أرشد إليه النبي ﷺ ولأنه أبين في إظهار الفرق بين الخالق والمخلوق. ويستفاد من هذا الحديث:
(٢) إثبات المشيئة للعبد; لقوله: "ثم شاء فلان"، فيكون فيه رد على الجبرية حيث قالوا: إن العبد لا مشيئة له ولا اختيار.
(٣) أنه ينبغي لمن سد على الناس بابا محرَّما أن يفتح لهم الباب
[ ٢ / ٢١٩ ]
ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان " رواه أبو داود بسند صحيح١.
_________________
(١) المباح; لقوله: " ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان "٢ ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: من الآية١٠٤]، لما نهاهم عن قول راعنا; قال: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: من الآية١٠٤] وكذلك النبي ﷺ لما جيء له بتمر جيد وأخبره الآتي به أنه أخذ الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة; قال: " لا تفعل، ولكن بع الجمع بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جَنِيبا "٣ أي: تمرا جيدا. فأرشده إلى الطريق المباح حين نهاه عن الطريق المحرم. وفي هذا فائدتان عظيمتان: الأولى: بيان كمال الشريعة وشمولها، حيث لم تسد على الناس بابا؛ إلا فتحت لهم ما هو خير منه. والثانية: التسهيل على الناس ورفع الحرج عنهم. فعامل الناس بهذا ما استطعت، كلما سددت عليهم بابا ممنوعا; فافتح لهم من المباح ما يغني عنه، ما استطعت إلى ذلك سبيلا؛ حتى لا يقعوا في الحرج. ١أخرجه: أحمد (٥/ ٣٨٤، ٣٩٤، ٣٩٨)، وأبو داود في (الأدب، باب لا يقال: خبثت نفسي)، (٥/٢٥٩)، والطيالسي (٤٣٠)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٩٩١)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٦٧١)، وابن أبي الدنيا في "الصمت" (٣٤١)، والطحاوي في "المشكل" (١/٩٠)، والبيهقي في "السنن" (٣/٢١٦)، وفي "الأسماء والصفات" (ص ١٤٤)، وفي "الاعتقاد" (ص ١٥٦) . والحديث صححه النووي في "الأذكار" (٣٠٨)، وفي "الرياض" (١٧٤٨)، وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "بسند صحيح". ٢ أبو داود: الأدب (٤٩٨٠)، وأحمد (٥/٣٨٤،٥/٣٩٨) . ٣ أخرجه: البخاري في (البيوع، باب إذا أراد بيع تمر بتمر)، (٢/١٠٦)، ومسلم في (المساقاة، باب بيع الطعام مثلا بمثل)، (٣/١٢١٥) ; عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
وجاء "عن إبراهيم النخعي: أنه يكره: أعوذ بالله، وبك، ويجوز أن يقول: بالله، ثم بك، ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله، وفلان".
_________________
(١) قوله: "عن إبراهيم النخعي": من فقهاء التابعين، لكنه قليل البضاعة في الحديث; كما ذكر ذلك حماد بن زيد. قوله: "يكره أعوذ بالله وبك": العياذ: الاعتصام بالمستعاذ به عن المكروه، واللِّياذ بالشخص: هو اللجوء إليه لطلب المحبوب، قال الشاعر: يا من ألوذ به فيما أؤمله ومن أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ولا يهيضون عظما أنت جابره وهذان البيتان يخاطب بهما رجلا، لكن كما قال بعضهم: هذا القول لا ينبغي أن يكون إلا لله. وقوله: "أعوذ بالله، وبك": هذا محرَّم; لأنه جمع بين الله والمخلوق بحرف يقتضي التسوية، وهو الواو. ويجوز "بالله ثم بك"; لأن "ثم" تدل على الترتيب والتراخي، فإن قيل: سبق أن من الشرك الاستعاذة بغير الله وعلى هذا يكون قوله: أعوذ بالله ثم بك محرما. أجيب: أن الاستعاذة بمن يقدر على أن يعيذك جائزة، لقوله ﷺ في "صحيح مسلم" وغيره: " من وجد ملجأ; فليعذ به "١ لكن لو قال: أعوذ بالله ثم بفلان. وهو ميت، فهذا شرك أكبر؛ لأنه لا يقدر على أن يعيذك. وأما استدلال الإمام أحمد على أن القرآن غير مخلوق ١سبق تخريجه في المجلد الأول.
[ ٢ / ٢٢١ ]
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية البقرة في الأنداد.
الثانية: أن الصحابة ﵃ يفسرون الآية النازلة في الشرك الأكبر أنها تعم الأصغر.
الثالثة: أن الحلف بغير الله شرك.
_________________
(١) بقوله ﷺ "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق"١ ثم قال ﵀: والاستعاذة لا تكون بمخلوق، فيحمل كلامه على أن الاستعاذة بكلام لا تكون بكلام مخلوق بل بكلام غير مخلوق، وهو كلام الله، والكلام تابع للمتكلم به، إن كان مخلوقا; فهو مخلوق، وإن كان غير مخلوق; فهو غير مخلوق. فيه مسائل: الأولى: تفسير آية البقرة في الأنداد: وقد سبق. الثانية: أن الصحابة يفسرون الآية النازلة في الشرك الأكبر أنها تعم الأصغر: لأن قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: من الآية٢٢] نازلة في الأكبر; لأن المخاطب بها هم المشركون، وابن عباس فسرها بما يقتضي الشرك الأصغر; لأن الند يشمل النظير المساوي، على سبيل الإطلاق، أو في بعض الأمور. الثالثة: أن الحلف بغير الله شرك: لحديث ابن عمر ﵄. ١سبق تخريجه في المجلد الأول.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
الرابعة: أنه إذا حلف بغير الله صادقا فهو أكبر من اليمين الغموس.
الخامسة: الفرق بين الواو و(ثم) في اللفظ.
_________________
(١) الرابعة: أنه إذا حلف بغير الله صادقا; فهو أكبر من اليمين الغموس: واليمين الغموس عند الحنابلة أن يحلف بالله كاذبا، وقال بعض العلماء - وهو الصحيح -: أن يحلف بالله كاذبا ليقتطع بها مال امرئ مسلم. الخامسة: الفرق بين الواو وثم في اللفظ: لأن الواو تقتضي المساواة; فتكون شركا، وثم تقتضي الترتيب والتراخي; فلا تكون شركا.
[ ٢ / ٢٢٣ ]