_________________
(١) قوله: ﴿فلما آتاهما﴾ الضمير يعود على ما سبق من النفس وزوجها، ولهذا ينبغي أن يكون الشرح من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الأعراف: من الآية١٨٩] . قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ فيها قولان: الأول: أن المراد بالنفس الواحدة: العين الواحدة; أي: من شخص معين، وهو آدم ﵇، وقوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي: حواء; لأن حواء خلقت من ضلع آدم. الثاني: أن المراد بالنفس الجنس، وجعل من هذا الجنس زوجه، ولم يجعل زوجه من جنس آخر، والنفس قد يراد بها الجنس; كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: من الآية١٦٤] ; أي: من جنسهم. قوله: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ سكون الرجل إلى زوجته ظاهر من أمرين: أولا: لأن بينهما من المودة والرحمة ما يقتضي الأنس والاطمئنان والاستقرار. ثانيا: سكون من حيث الشهوة، وهذا سكون خاص، لا يوجد له نظير حتى بين الأم وابنها.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
_________________
(١) قوله: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ تعليل لكونها من جنسه أو من النفس المعينة. قوله: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ أي: جامعها، وعبارة القرآن والسنة التكنية عن الجماع، قال تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: من الآية٤٣]، وقال: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: من الآية٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: من الآية٢١]، كأن الاستحياء من ذكره بصريح اسمه أمر فطري، ولأن الطباع السليمة تكره أن تذكر هذا الشيء باسمه إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، فإنه قد يصرح به، كما في قوله (لماعز وقد أقرَّ عنده بالزنى: "أنِكْتَها" (١) لا يكني؛ لأن الحاجة هنا داعية للتصريح حتى يتبين الأمر جليا، ولأن الحدود تدرأ بالشبهات. وتشبيه علو الرجل المرأة بالغشيان أمر ظاهر، كما أن الليل يستر الأرض بظلامه، قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل:١]، وعبر بقوله: "تغشاها" ولم يقل: غشيها; لأن تغشى أبلغ، وفيه شيء من المعالجة، ولهذا جاء في الحديث: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها «٢)، الجلوس بين شعبها الأربع هذا غشيان، و"جهدها" هذا تغشي. قوله: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ الحمل في أوله خفيف: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة. قوله: "فَمَرَّتْ بِهِ": المرور بالشيء تجاوزه من غير تعب ولا إعياء، والمعنى: تجاوزت هذا الحمل الخفيف من غير تعب ولا إعياء.
(٢) أخرجه: البخاري في (الحدود، باب هل يقول الإمام للمقر لعلك لمست)، (٤/٢٥٦) .
(٣) أخرجه: البخاري في (الغسل، باب إذا التقى الختانان)، (١/١١١)، ومسلم في (الحيض، باب نسخ الماء من الماء)، (١/٢٧١) .
[ ٢ / ٣٠٠ ]
_________________
(١) قوله: "فلما أثقلت": الإثقال في آخر الحمل. قوله: "دعوا الله"، ولم يقل: دعيا; لأن الفعل واوي; فعاد إلى أصله. قوله: "الله ربهما": أتى بالألوهية والربوبية; لأن الدعاء يتعلق به جانبان: الأول: جانب الألوهية من جهة العبد أنه داع، والدعاء عبادة. الثاني: جانب الربوبية; لأن في الدعاء تحصيلا للمطلوب، وهذا يكون متعلقا بالله من حيث الربوبية. والظاهر أنهما قالا: اللهم ربنا، ويحتمل أن يكون بصيغة أخرى. قوله: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ أي: أعطيتنا. وقوله: ﴿صَالِحًا﴾ ; هل المراد صلاح البدن، أو المراد صلاح الدين، أي: لئن آتيتنا بشرا سويا، ليس فيه عاهة ولا نقص، أو صالحا بالدين; فيكون تقيا قائما بالواجبات؟ الجواب: يشمل الأمرين جميعا، وكثير من المفسرين لم يذكر إلا الأمر الأول، وهو الصلاح البدني، لكن لا مانع من أن يكون شاملا للأمرين جميعا. قوله: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: من القائمين بشكرك على هذا الولد الصالح. والجملة هنا جواب قسم وشرط، قسم متقدم، وشرط متأخر، والجواب فيه للقسم؛ ولهذا جاء مقرونا باللام: لنكونن. قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ هنا حصل المطلوب، لكن لم يحصل الشكر الذي وعدا الله به، بل جعلا له شركاء فيما آتاهما.
[ ٢ / ٣٠١ ]
_________________
(١) وقوله: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف: من الآية١٩٠] هذا جواب "لما". والجواب متعقب للشرط وهذا يدل على أن الشرك منهما حصل حين إتيانه وهو صغير، ومثل هذا لا يعرف أيصلح في دينه في المستقبل أم لا يصلح؟ ولهذا كان أكثر المفسرين على أن المراد بالصلاح، الصلاح البدني. فمعاهدة الإنسان ربه أن يفعل العبادة مقابل تفضل الله عليه بالنعمة الغالب أنه لا يفي بها; ففي سورة التوبة قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة:٧٥، ٧٦]، وفي هذه الآية قال تعالى: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ [الأعراف: من الآية١٨٩، ١٩٠] فكانا من المشركين لا من الشاكرين، وبهذا نعرف الحكمة من نهي النبي ﷺ عن النذر; لأن النذر معاهدة مع الله ﷿، ولهذا نهى النبي ﷺ عن النذر، وقال: " إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل "١، وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى تحريم النذر، وظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يميل إلى تحريم النذر٢؛ لأن رسول الله ﷺ نهى عنه، ونفى أنه يأتي بخير. إذن ما الذي نستفيد من أمر نهى عنه الرسول ﷺ، وقال: إنه لا يأتي بخير؟ الجواب; لا نستفيد إلا المشقة على أنفسنا، وإلزام أنفسنا بما نحن ١ أخرجه مسلم في (النذر، باب النهي عن النذر)، (٣/١٢٦١) . وأخرج البخاري نحوه في (الإيمان، باب الوفاء بالنذر، ٤/٢٢٧) من حديث أبي هريرة ﵁. ٢ انظر: "الاختيارات" (ص ٣٢٨) .
[ ٢ / ٣٠٢ ]
_________________
(١) منه في عافية، ولهذا; فالقول بتحريم النذر قول قوي جدا، ولا يعرف مقدار وزن هذا القول إلا من عرف أسئلة الناس وكثرتها، ورأى أنهم يذهبون إلى كل عالم لعلهم يجدون خلاصا مما نذروا. فإن قيل: هذا الولد الذي آتاهما الله ﷿ كان واحدا; فكيف جعلا في هذا الولد الواحد شركا بل شركاء؟ فالجواب: أن نقول هذا على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن يعتقدا أن الذي أتى بهذا الولد هو الولي الفلاني، والصالح الفلاني، ونحو ذلك، فهذا شرك أكبر؛ لأنهما أضافا الخلق إلى غير الله. ومن هذا أيضا ما يوجد عند بعض الأمم الإسلامية الآن; فتجد المرأة التي لا يأتيها الولد تأتي إلى قبر الولي الفلاني، كما يزعمون أنه ولي الله -والله أعلم بولايته-، فتقول: يا سيدي فلان! ارزقني ولدا. الوجه الثاني: أن يضيف سلامة المولود ووقايته إلى الأطباء وإرشاداتهم، وإلى القوابل وما أشبه ذلك، فيقولون مثلا: سلم هذا الولد من الطلق; لأن القابلة امرأة متقنة جيدة; فهنا أضاف النعمة إلى غير الله، وهذا نوع من الشرك، ولا يصل إلى حد الشرك الأكبر; لأنه أضاف النعمة إلى السبب ونسي المسبب، وهو الله ﷿. الوجه الثالث: أن لا يشرك من ناحية الربوبية، بل يؤمن أن هذا الولد خرج سالما بفضل الله ورحمته، ولكن يشرك من ناحية العبودية; فيقدم محبته على محبة الله ورسوله ويلهيه عن طاعة الله ورسوله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن:١٥]؛
[ ٢ / ٣٠٣ ]
_________________
(١) فكيف تجعل هذا الولد ندا لله في المحبة، وربما قدمت محبته على محبة الله، والله هو المتفضل عليك به؟! وفي قوله: "فلما آتاهما" نقد لاذع؛ أن يجعلا في هذا الولد شريكا مع الله، مع أن الله هو المتفضل به، ثم قال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: من الآية١٩٠] أي: ترفع وتقدس عما يشركون به من هذه الأصنام وغيرها. ومن تأمل الآية وجدها دالة على أن قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي: من جنس واحد، وليس فيها تعرض لآدم وحواء بوجه من الوجوه، ويكون السياق فيها جاريا على الأسلوب العربي الفصيح الذي له نظير في القرآن; كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: من الآية١٦٤] أي: من جنسهم، وبهذا التفسير الواضح البين يسلم الإنسان من إشكالات كثيرة. أما على القول الثاني بأن المراد بقوله تعالى: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ آدم ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف: من الآية١٨٩] حواء، فيكون معنى الآية خلقكم من آدم وحواء. فلما جامع آدم حواء حملت حملا خفيفا، فمرت به، فلما أثقلت دعوا -أي آدم وحواء- الله ربهما: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف: من الآية١٨٩، ١٩٠] فأشرك آدم وحواء بالله، لكن قالوا: إنه إشراك طاعة لا إشراك عبادة، ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: من الآية١٩٠] وهذا التفسير منطبق على المروي عن ابن عباس ﵄، وسنبين -إن شاء الله تعالى- وجه ضعفه وبطلانه. وهناك قول ثالث: أن المراد بقوله تعالى: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي: آدم وحواء، ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ انتقل من العين إلى النوع; أي: من آدم إلى النوع الذي هم بنوه، أي: فلما تغشى الإنسان الذي تسلسل من آدم وحواء
[ ٢ / ٣٠٤ ]
قال ابن حزم: " اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله ; كعبد عمرو، وعبد الكعبة وما أشبه ذلك،
_________________
(١) زوجته إلى آخره، ولهذا قال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: من الآية١٩٠] بالجمع ولم يقل عما يشركان، ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: من الآية٥] أي: جعلنا الشهب الخارجة منها رجوما للشياطين، وليست المصابيح نفسها، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ [المؤمنون:١٢، ١٣] أي: جعلناه بالنوع، وعلى هذا فأول الآية في آدم وحواء، ثم صار الكلام من العين إلى النوع. وهذا التفسير له وجه، وفيه تنزيه آدم وحواء من الشرك، لكن فيه شيء من الركاكة لتشتت الضمائر. وأما قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فجمع لأن المراد بالمثنى اثنان من هذا الجنس، فصح أن يعود الضمير إليهما مجموعا; كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: من الآية٩]، ولم يقل: اقتتلتا; لأن الطائفتين جماعة. قوله: "اتفقوا": أي: أجمعوا، والإجماع أحد الأدلة الشرعية التي تثبت بها الأحكام، والأدلة هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. قوله: "وما أشبه ذلك": مثل: عبد الحسين، وعبد الرسول، وعبد المسيح، وعبد علي. وأما قوله ﷺ: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم " ١ ١ أخرجه: البخاري في (الجهاد، باب الحراسة في الغزو)، (٢/٣٢٧) ; من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
حاشا عبد المطلب".
_________________
(١) الحديث; فهذا وصف وليس علما، فشبه المنهمك بمحبة هذه الأشياء، المقدم لها على ما يرضي الله بالعابد لها، كقولك: عابد الدينار; فهو وصف، فلا يعارض الإجماع. قوله: "حاشا عبد المطلب": حاشا الاستثنائية إذا دخلت عليها (ما) وجب نصب ما بعدها، وإلا جاز فيه النصب والجر. وبالنسبة لعبد المطلب مستثنى من الإجماع على تحريمه; فهو مختلف فيه، فقال بعض أهل العلم: لا يمكن أن نقول بالتحريم والرسول ﷺ قال: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب١ فالنبي ﷺ لا يفعل حراما; فيجوز أن يعبد للمطلب إلا إذا وجد ناسخ، وهذا تقرير ابن حزم ﵀، ولكن الصواب تحريم التعبيد للمطلب; فلا يجوز لأحد أن يسمي ابنه عبد المطلب، وأما قوله ﷺ: " أنا ابن عبد المطلب "٢ فهو من باب الإخبار وليس من باب الإنشاء، فالنبي ﷺ أخبر أن له جدا اسمه عبد المطلب، ولم يرد عنه ﷺ أنه سمى عبد المطلب، أو أنه أذن لأحد صحابته بذلك، ولا أنه أقر أحدا على تسميته عبد المطلب، والكلام في الحكم لا في الإخبار، وفرق بين الإخبار وبين الإنشاء والإقرار، ولهذا قال النبي ﷺ " إنما بنو هاشم وبنو عبد مناف شيء واحد "٣، ولا يجوز التسمي بعبد مناف. وقد قال العلماء: إن حاكي الكفر ليس بكافر; فالرسول ﷺ يتكلم ١ أخرجه: البخاري في (الجهاد، باب من قاد دابة غيره في الجهاد، ٢/ ٣٢٢) ; من حديث البراء بن عازب ﵁. ٢ البخاري: المغازي (٤٣١٦)، ومسلم: الجهاد والسير (١٧٧٦)، والترمذي: الجهاد (١٦٨٨)، وأحمد (٤/٢٨٠،٤/٢٨١،٤/٢٨٩،٤/٣٠٤) . ٣ أخرجه: البخاري في (الخمس، باب ومن الدليل على أن الخمس للإمام، ٢/ ٤٠٠) ; عن جبير بن مطعم ﵁.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
وعن ابن عباس في الآية; قال: "لما تغشاها آدم; حملت، فأتاهما إبليس، فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة، لتطيعاني أو لأجعلن له قرني أَيْلٍ، فيخرج من بطنك، فيشقه، ولأفعلن; يخوفهما، سمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا.
ثم حملت، فأتاهما، فذكر لهما، فأدركهما حب الولد، فسمياه عبد الحارث; فذلك قوله: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ ١") رواه ابن أبي حاتم٢.
_________________
(١) عن شيء قد وقع وانتهى ومضى; فالصواب أنه لا يجوز أن يعبد لغير الله مطلقا، لا بعبد المطلب ولا غيره، وعليه; فيكون التعبيد لغير الله من الشرك. قوله: "إبليس": على وزن إفعيل، فقيل: من أبلس إذا يئس; لأنه يئس من رحمة الله تعالى. قوله: "لتطيعاني": جملة قسمية; أي: والله لتطيعاني. قوله: "أيل": هو ذكر الأوعال. قوله: "سمياه عبد الحارث": اختار هذا الاسم; لأنه اسمه، فأراد أن يعبداه لنفسه. قوله: "فخرج ميتا": لم يحصل التهديد الأول، ويجوز أن يكون من جملة: "ولأفعلن"، أو لأنه قال: "ولأخرجنه ميتا". ١ سورة الأعراف آية: ١٩٠. ٢ أخرجه: ابن أبي حاتم كما في "تفسير ابن كثير" (٢/ ٢٧٥)، وسعيد بن منصور (٢/ ١٣٨٧) .
[ ٢ / ٣٠٧ ]
وله بسند صحيح عن قتادة; قال: "شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته".
وله بسند صحيح عن مجاهد، في قوله: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ ١ قال: "أشفقا أن لا يكون إنسانا".
وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما٢.
_________________
(١) قوله: "شركاء في طاعته" أي: أطاعاه فيما أمرهما به، لا في العبادة، لكن عبدا الولد لغير الله، وفرق بين الطاعة والعبادة، فلو أن أحدا أطاع شخصا في معصية الله لم يجعله شريكا مع الله في العبادة، لكن أطاعه في معصية الله. قوله: "أشفقا أن لا يكون إنسانا": أي: خاف آدم وحواء أن يكون حيوانا أو جنيا أو غير ذلك. قوله: "وذكر معناه عن الحسن": لكن الصحيح أن الحسن -﵀- قال: إن المراد بالآية غير آدم وحواء، وإن المراد بها المشركون من بني آدم كما ذكر ذلك ابن كثير ﵀ في "تفسيره" وقال: "أما نحن; فعلى مذهب الحسن البصري ﵀ في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته٣" اهـ. وهذه القصة باطلة من وجوه: الوجه الأول: أنه ليس في ذلك خبر صحيح عن النبي ﷺ وهذا من الأخبار التي لا تتلقى إلا بالوحي، وقد قال ابن حزم عن هذه القصة: إنها رواية خرافة مكذوبة موضوعة. ١ سورة الأعراف آية: ١٨٩. ٢ انظر: "تفسير ابن جرير" (٩/٩٨، ٩٩)، و"تفسير ابن كثير" (٢/ ٢٧٥) . (٣/٥٣٠) .
[ ٢ / ٣٠٨ ]
_________________
(١) الوجه الثاني: أنه لو كانت هذه القصة في آدم وحواء; لكان حالهما إما أن يتوبا من الشرك أو يموتا عليه، فإن قلنا: ماتا عليه; كان ذلك أعظم من قول بعض الزنادقة: إذا ما ذكرنا آدما وفعاله وتزويجه بنتيه بابنيه بالخنا علمنا بأن الخلق من نسل فاجر وأن جميع الناس من عنصر الزنا فمن جوز موت أحد من الأنبياء على الشرك فقد أعظم الفرية، وإن كان تابا من الشرك; فلا يليق بحكمة الله وعدله ورحمته أن يذكر خطأهما ولا يذكر توبتهما منه، فيمتنع غاية الامتناع أن يذكر الله الخطيئة من آدم وحواء وقد تابا، ولم يذكر توبتهما، والله تعالى إذا ذكر خطيئة بعض أنبيائه ورسله ذكر توبتهم منها، كما في قصة آدم نفسه حين أكل من الشجرة وزوجه، وتابا من ذلك. الوجه الثالث: أن الأنبياء معصومون من الشرك باتفاق العلماء. الوجه الرابع: أنه ثبت في حديث الشفاعة أن الناس يأتون إلى آدم يطلبون منه الشفاعة، فيعتذر بأكله من الشجرة وهو معصية١، ولو وقع منه الشرك; لكان اعتذاره به أقوى وأولى وأحرى. الوجه الخامس: أن في هذه القصة أن الشيطان جاء إليهما وقال: "أنا صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة"، وهذا لا يقوله من يريد الإغواء، وإنما يأتي بشيء يقرب قبول قوله، فإذا قال: "أنا صاحبكما الذي ١ أخرجه: البخاري في (التفسير، باب قول الله تعالى: ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا، (٣/٢٥٠)، ومسلم في (الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة)، (١/١٨٤) ; من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
فيه مسائل:
الأولى: تحريم كل اسم معبد لغير الله.
_________________
(١) أخرجكما من الجنة"، فسيعلمان علم اليقين أنه عدو لهما، فلا يقبلان منه صرفا ولا عدلا. الوجه السادس: أن في قوله في هذه القصة: "لأجعلن له قرني أيل": إما أن يصدقا أن ذلك ممكن في حقه; فهذا شرك في الربوبية؛ لأنه لا يقدر على ذلك إلا الله، أو لا يصدقا; فلا يمكن أن يقبلا قوله وهما يعلمان أن ذلك غير ممكن في حقه. الوجه السابع: قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١ بضمير الجمع، ولو كان آدم وحواء; لقال: عما يشركان. فهذه الوجوه تدل على أن هذه القصة باطلة من أساسها، وأنه لا يجوز أن يعتقد في آدم وحواء أن يقع منهما شرك بأي حال من الأحوال، والأنبياء منزهون عن الشرك، مبرءون منه باتفاق أهل العلم، وعلى هذا; فيكون تفسير الآية كما أسلفنا أنها عائدة إلى بني آدم الذين أشركوا شركا حقيقيا، فإن منهم مشركا، ومنهم موحدا. فيه مسائل: الأولى: تحريم كل اسم معبد لغير الله تؤخذ من الإجماع على ذلك، والإجماع الأصل الثالث من الأصول التي يعتمد عليها في الدين، والصحيح أنه ممكن، وأنه حجة إذا حصل; لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٢ و(إن) هذه شرطية، لا تدل ١ سورة الأعراف آية: ١٩٠. ٢ سورة النساء آية: ٥٩.
[ ٢ / ٣١٠ ]
الثانية: تفسير الآية.
الثالثة: أن هذا الشرك في مجرد تسمية لم تقصد حقيقتها.
_________________
(١) على وقوع التنازع، بل إن فرض ووقع; فالمرد إلى الله ورسوله، فعلم منه أننا إذا أجمعنا فهو حجة. لكن ادعاء الإجماع يحتاج إلى بينة، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية; الإجماع الذي ينضبط ما كان عليه السلف الصالح; إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة، ولما قيل للإمام أحمد: إن فلانا يقول: أجمعوا على كذا; أنكر ذلك وقال: وما يدريه لعلهم اختلفوا، فمن ادعى الإجماع، فهو كاذب. ولعل الإمام أحمد قال ذلك; لأن المعتزلة وأهل التعطيل كانوا يتذرعون إلى إثبات تعطيلهم وشبههم بالإجماع، فيقولون: هذا إجماع المحققين، وما أشبه ذلك. وقد سبق أن الصحيح أنه لا يجوز التعبيد للمطلب، وأن قول الرسول ﷺ " أنا ابن عبد المطلب "١ أنه من قبيل الإخبار، وليس إقرارا ولا إنشاء، والإنسان له أن ينتسب إلى أبيه وإن كان معبدا لغير الله، وقد قال النبي ﷺ "يا بني عبد مناف"٢ وهذا تعبيد لغير الله لكنه من باب الإخبار. الثانية: تفسير الآية: يعني قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ ٣ الآية، وسبق تفسيرها. الثالثة: أن هذا الشرك في مجرد تسمية لم تقصد حقيقتها: وهذا بناء على ما ذكر عن ابن عباس ﵄ في تفسير الآية، ١ سبق (ص ٣٠٦) . ٢ حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: " يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار " الحديث. أخرجه: البخاري في (الوصايا، باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب)، (٢/٢٩١)، ومسلم في (الإيمان، باب في قوله تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين، (١/١٩٢) . ٣ سورة الأعراف آية: ١٩٠.
[ ٢ / ٣١١ ]
الرابعة: أن هبة الله للرجل البنت السوية من النعم.
الخامسة: ذكر السلف الفرق بين الشرك في الطاعة والشرك في العبادة.
_________________
(١) والصواب: أن هذا الشرك حق حقيقة، وأنه شرك من إشراك بني آدم، لا من آدم وحواء، ولهذا قال تعالى في الآية نفسها: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ١ فهذا الشرك الحقيقي الواقع من بني آدم. الرابعة: أن هبة الله للرجل البنت السوية من النعم هذا بناء على ثبوت القصة، وأن المراد بقوله: (صالحا) أي: بشرا سويا، وأتى المؤلف بالبنت دون الولد; لأن بعض الناس يرون أن هبة البنت من النقم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٢ وإلا; فهبة الولد الذكر السوي من باب النعم أيضا، بل هو أكبر نعمة من هبة الأنثى، وإن كانت هبة البنت بها أجر عظيم فيمن كفلها ورباها وقام عليها. الخامسة: ذكر السلف الفرق بين الشرك في الطاعة والشرك في العبادة: وقبل ذلك نبين الفرق بين الطاعة وبين العبادة; فالطاعة إذا كانت منسوبة لله; فلا فرق بينها وبين العبادة، فإن عبادة الله طاعته. وأما الطاعة المنسوبة لغير الله; فإنها غير العبادة، فنحن نطيع الرسول ﷺ لكن لا نعبده، والإنسان قد يطيع ملكا من ملوك الدنيا وهو يكرهه. فالشرك بالطاعة: أنني أطعته لا حبا وتعظيما وذلا كما أحب الله وأتذلل له وأعظمه، ولكن طاعته اتباع لأمره فقط، هذا هو الفرق. وبناء على القصة; فإن آدم وحواء أطاعا الشيطان ولم يعبداه عبادة، وهذا مبني على صحة القصة. ١ سورة الأعراف آية: ١٩١. ٢ سورة آية: ٥٨-٥٩.
[ ٢ / ٣١٢ ]