في الصحيح عن أبي هريرة; أن رسول الله ﷺ قال:
_________________
(١) قوله: "باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت": عقد المؤلف هذا الباب لما تضمنه هذا الحديث من كمال سلطان الله وكمال جوده وفضله، وذلك من صفات الكمال. قوله: "اللهم! "; معناه: يا الله! لكن لكثرة الاستعمال حذفت يا النداء، وعوض عنها الميم، وجعل العوض في الآخر تيمنا بالابتداء بذكر الله. قوله: "اغفر لي": المغفرة: ستر الذنب مع التجاوز عنه; لأنها مشتقة من المغفر، وهو ما يستر به الرأس للوقاية من السهام، وهذا لا يكون إلا بشيء ساتر واق، ويدل له قول الله ﷿ للعبد المؤمن حينما يخلو به، ويقرره بذنوبه يوم القيامة: " قد سترتها عليك في الدنيا وأنا اغفرها لك اليوم "١ قوله: "إن شئت": أي: إن شئت أن تغفر لي فاغفر، وإن شئت فلا تغفر. قوله: "في الصحيح": سبق الكلام على مثل هذه العبارة في كلام المؤلف، والمراد هنا الحديث الصحيح; لأن الحديث في "الصحيحين" كليهما. ١ أخرجه البخاري في (التفسير، باب وكان عرشه على الماء، ٤٦٨٠)، ومسلم في (التوبة، باب توبة القاتل، ٢٧٦٨) ; عن ابن عمر ﵄.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
" لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة; فإن الله لا مكره له "١.
_________________
(١) قوله ﷺ: " لا يقل أحدكم ": لا: ناهية بدليل جزم الفعل بعدها. قوله: "اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني": ففي الجملة الأولى: "اغفر لي" النجاة من المكروه، وفي الثانية: "ارحمني" الوصول إلى المطلوب; فيكون هذا الدعاء شاملا لكل ما فيه حصول المطلوب وزوال المكروه. قوله: "ليعزم المسألة": اللام لام الأمر، ومعنى عزم المسألة: أن لا يكون في تردد، بل يعزم بدون تردد ولا تعليق. و"المسألة": السؤال; أي: ليعزم في سؤاله فلا يكون مترددا بقوله: إن شئت. قوله: " فإن الله لا مكره له ": تعليل للنهي عن قول: "اللهم! اغفر لي إن شئت، اللهم! ارحمني إن شئت"; أي: لا أحد يكرهه على ما يريد فيمنعه منه، أو ما لا يريد فيلزمه بفعله; لأن الأمر كله لله وحده. والمحظور في هذا التعليق من وجوه ثلاثة: الأول: أنه يشعر بأن الله له مكره على الشيء، وأن وراءه من يستطيع أن يمنعه، فكأن الداعي بهذه الكيفية يقول: أنا لا أكرهك، إن شئت فاغفر، وإن شئت فلا تغفر. الثاني: أن قول القائل: "إن شئت" كأنه يرى أن هذا أمر عظيم على الله، فقد لا يشاؤه لكونه عظيما عنده، ونظير ذلك أن تقول لشخص من الناس -والمثال للصورة بالصورة لا للحقيقة بالحقيقة-: أعطني مليون ١ أخرجه: البخاري في (الدعوات، باب ليعزم المسألة، ٤/ ١٦٠)، ومسلم في (الذكر والدعاء، باب العزم بالدعاء، ٤/ ٢٠٦٣) .
[ ٢ / ٣٣١ ]
ولمسلم: " وليعظم الرغبة; فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه "١.
_________________
(١) ريال إن شئت، فإنك إذا قلت له ذلك; ربما يكون الشيء عظيما يتثاقله، فقولك: إن شئت; لأجل أن تهون عليه المسألة; فالله ﷿ لا يحتاج أن تقول له: إن شئت; لأنه -﷾- لا يتعاظمه شيء أعطاه، ولهذا قال ﵊: "وليعظم الرغبة; فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه". "وليعظم الرغبة"; أي: ليسأل ما شاء من قليل وكثير ولا يقل: هذا كثير لا أسأل الله إياه، ولهذا قال: "فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه"; أي: لا يكون الشيء عظيما عنده حتى يمنعه ويبخل به - ﷾- كل شيء يعطيه، فإنه ليس عظيما عنده; فالله ﷿ يبعث الخلق بكلمة واحدة، وهذا أمر عظيم، لكنه يسير عليه، قال تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٢ وليس بعظيم; فكل ما يعطيه الله ﷿ لأحد من خلقه فليس بعظيم يتعاظمه; أي: لا يكون الشيء عظيما عنده حتى لا يعطيه، بل كل شيء عنده هين. الثالث: أنه يشعر بأن الطالب مستغن عن الله، كأنه يقول: إن شئت فافعل، وإن شئت فلا تفعل فأنا لا يهمني، ولهذا قال: "وليعظم الرغبة"; أي: يسأل برغبة عظيمة، والتعليق ينافي ذلك; لأن المعلق للشيء المطلوب يشعر تعليقه بأنه مستغن عنه، والإنسان ينبغي أن يدعو الله تعالى وهو يشعر أنه مفتقر إليه غاية الافتقار، وأن الله قادر على أن يعطيه ما سأل، وأن الله ليس يعظم عليه شيء، بل هو هين عليه، إذا من آداب الدعاء أن لا يدعو بهذه الصيغة، بل يجزم فيقول: اللهم! اغفر لي، ١ انظر الموضع السابق (ص ٣٣١) . ٢ سورة التغابن آية: ٧.
[ ٢ / ٣٣٢ ]
_________________
(١) اللهم! ارحمني، اللهم! وفقني، وما أشبه ذلك، وهل يجزم بالإجابة؟ الجواب: إذا كان الأمر عائدا إلى قدرة الله; فهذا يجب أن تجزم بأن الله قادر على ذلك، قال الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ١. أما من حيث دعائك أنت باعتبار ما عندك من الموانع، أو عدم توافر الأسباب; فإنك قد تتردد في الإجابة، ومع ذلك ينبغي أن لحسن الظن بالله; لأن الله ﷿ قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ٢ فالذي وفقك لدعائه أولا سيمن عليك بالإجابة آخرا، لا سيما إذا أتى الإنسان بأسباب الإجابة وتجنب الموانع، ومن الموانع الاعتداء في الدعاء، كأن يدعو بإثم أو قطيعة رحم. ومنها أن يدعو بما لا يمكن شرعا أو قدرا; فشرعا كأن يقول: اللهم! اجعلني نبيا. وقدرا بأن يدعو الله تعالى بأن يجمع بين النقيضين، وهذا أمر لا يمكن; فالاعتداء بالدعاء مانع من إجابته، وهو محرم، لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٣ وهو أشبه ما يكون بالاستهزاء بالله -سبحانه-. مناسبة الباب للتوحيد من وجهين: ١. من جهة الربوبية، فإن من أتى بما يشعر بأن الله له مكره لم يقم بتمام ربوبيته تعالى; لأن من تمام الربوبية أنه لا مكره له، بل إنه لا يسأل عما يفعل; كما قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ٤ وكذلك فيه نقص من ناحية الربوبية من جهة أخرى، وهو أن الله يتعاظم الأشياء التي يعطيها; فكان فيه قدح في جوده وكرمه. ٢. من ناحية العبد; فإنه يشعر باستغنائه عن ربه، وهذا نقص في ١ سورة غافر آية: ٦٠. ٢ سورة غافر آية: ٦٠. ٣ سورة الأعراف آية: ٥٥. ٤ سورة الأنبياء آية: ٢٣.
[ ٢ / ٣٣٣ ]
_________________
(١) توحيد الإنسان، سواء من جهة الألوهية أو الربوبية أو الأسماء والصفات، ولهذا ذكره المصنف في الباب الذي يتعلق بالأسماء والصفات. فإن قلت: ما الجواب عما ورد في دعاء الاستخارة: " اللهم! إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم; فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم! إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري; فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري; فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به "١ وكذا ما ورد في الحديث المشهور: " اللهم! أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي "٢؟ فالجواب: أنني لم أعلق هذا بالمشيئة، ما قلت: فاقدره لي إن شئت، لكن لا أعلم أن هذا خير لي أو شر، والله يعلم; فأقول: إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي فاقدره لي; فالتعليق فيه لأمر مجهول عندي، لا أعلم هل هو خير لي أو لا؟ وكذا بالنسبة للحديث الآخر; لأن الإنسان لا يعلم هل طول حياته خير أو شر؟ ولهذا كره أهل العلم أن تقول للشخص: أطال الله بقاءك; لأن طول البقاء لا يعلم; فقد يكون خيرا، وقد يكون شرا، ولكن يقال: أطال الله بقاءك على طاعته وما أشبه ذلك حتى يكون الدعاء خيرا بكل حال، وعلى هذا; فلا يكون في حديث الباب معارضة لحديث الاستخارة ولا حديث: " اللهم! أحيني ما كانت ١ أخرجه: البخاري في (التوحيد، باب قول الله تعالى: قل هو القادر، ٤/٣٨٢) ; من حديث جابر بن عبد الله ﵄. ٢ أخرجه: البخاري في (المرضى، باب تمني المريض الموت، ٤/٣٠) ; من حديث أنس بن مالك ﵁.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن الاستثناء في الدعاء.
الثانية: بيان العلة في ذلك.
_________________
(١) الحياة خيرا لي"؛ لأن الدعاء مجزوم به وليس معلقا بالمشيئة، والنهي إنما هو عما كان معلقا بالمشيئة. لكن لو قال: اللهم! اغفر لي إن أردت، وليس إن شئت; فالحكم واحد لأن الإرادة هنا كونية، فهي بمعنى المشيئة; فالخلاف باللفظ لا يعتبر مؤثرا بالحكم. فيه مسائل: الأولى: النهي عن الاستثناء في الدعاء: والمراد بالاستثناء هنا الشرط، فإن الشرط يسمى استثناء بدليل قوله ﷺ لضباعة بنت الزبير: " حجي واشترطي; فإن لك على ربك ما استثنيت "١ ووجهه أنك إذا قلت: أكرم زيدا إن أكرمك; فهو كقولك: أكرم زيدا إلا ألا يكرمك; فهو بمعنى الاستثناء في الحقيقة. الثانية: بيان العلة في ذلك: وقد سبق أنها ثلاث علل: ١. أنها تشعر بأن الله له مكره، والأمر ليس كذلك. ١ أخرجه البخاري في (النكاح، باب الأكفاء في الدين، ٣/٣٦٠)، ومسلم في (الحج، باب جواز اشتراط المحرم، ٢/٨٦٨) . وقوله ﷺ: فإن لك على ربك ما استثنيت، أخرجه: النسائي في (المناسك، باب كيف يقول إذا اشترط، ٥/١٦٨)، والدارمي (٢/ ٣٤- ٣٥)، وأبو نعيم (٩/٢٢٤) . وهو صحيح كما في "الإرواء" (٤/١٨٦) .
[ ٢ / ٣٣٥ ]
الثالثة: قوله: (ليعزم المسألة) .
الرابعة: إعظام الرغبة.
الخامسة: التعليل لهذا الأمر.
_________________
(١) ٢. أنها تشعر بأن هذا أمر عظيم على الله، قد يثقل عليه، ويعجز عنه، والأمر ليس كذلك. ٣. أنها تشعر باستغناء الإنسان عن الله، وهذا غير لائق، وليس من الأدب. الثالثة: قوله: "ليعزم المسألة": تفيد أنك إذا سألت فاعزم ولا تتردد. الرابعة: إعظام الرغبة: لقوله ﷺ: "وليعظم الرغبة" أي: ليسأل ما بدا له، فلا شيء عزيز أو ممتنع على الله. الخامسة: التعليل لهذا الأمر: يستفاد من قوله: "فإن الله لا يتعاظمه شيء، أو لا مكره له"١ وقوله: "وليعظم الرغبة"، وفي هذا حسن تعليم الرسول ﷺ إذا ذكر شيئا قرنه بعلته. وفي ذكر علة الحكم فوائد: الأولى: بيان سمو هذه الشريعة، وأنه ما من شيء تحكم به إلا وله علة وحكمة. الثانية: زيادة طمأنينة الإنسان; لأنه إذا فهم العلة مع الحكم اطمأن، ولهذا لما سئل ﷺ عن بيع الرطب بالتمر لم يقل حلال أو حرام، بل قال: "أينقص إذا جف؟ قالوا: نعم فنهى عنه"٢. ١ البخاري: الدعوات (٦٣٣٩) والتوحيد (٧٤٧٧)، ومسلم: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (٢٦٧٩)، والترمذي: الدعوات (٣٤٩٧)، وأبو داود: الصلاة (١٤٨٣)، وابن ماجه: الدعاء (٣٨٥٤)، وأحمد (٢/٢٤٣،٢/٣١٨،٢/٤٥٧،٢/٤٦٣،٢/٤٨٦،٢/٥٠٠،٢/٥٣٠)، ومالك: النداء للصلاة (٤٩٤) . ٢ أخرجه: الإمام أحمد (١/ ١٧٥، ١٧٦)، وأبو داود في (البيوع، باب في التمر بالتمر، ٣/٦٥٤- ٦٥٧)، والترمذي في (البيوع، باب في النهي عن المحاقلة، ٤/٢٢١) - وقال: "حسن صحيح"-، والنسائي في (البيوع، باب اشتراء التمر بالرطب، ٧/٢٦٩)، وابن ماجه في (التجارات، باب بيع الرطب بالتمر، ٢/٧٦١)، ومالك في "الموطأ" في (البيوع، باب ما يكره من بيع التمر، ٢/٦٢٤)، والشافعي في "الرسالة" (٩٠٧)، وكذا أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٢/٣٨) وصححه من حديث سعد بن أبي وقاص.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
_________________
(١) "والرجل الذي قال: إن امرأتي ولدت غلاما أسود -لم يقل ﷺ الولد لك-، بل قال: " هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حمر قال: هل فيها من أورق "١ -الأورق: الأشهب الذي بين البياض والسواد-؟ " قال: نعم. قال: من أين؟ قال: لعله نزعة عرق، قال: لعل ابنك نزعه عرق "٢ فاطمأن، وعرف الحكم، وأن هذا هو الواقع; فقرن الحكم بالعلة يوجب الطمأنينة، ومحبة الشريعة، والرغبة فيها. الثالثة: القياس، إذا كانت المسألة في حكم من الأحكام، فيلحق بها ما شاركها في العلة. ١ البخاري: الطلاق (٥٣٠٥)، ومسلم: اللعان (١٥٠٠)، والترمذي: الولاء والهبة (٢١٢٨)، والنسائي: الطلاق (٣٤٧٨،٣٤٧٩)، وأبو داود: الطلاق (٢٢٦٠)، وابن ماجه: النكاح (٢٠٠٢)، وأحمد (٢/٢٣٣،٢/٢٣٩،٢/٢٧٩،٢/٤٠٩) . ٢ أخرجه: البخاري في (الطلاق، باب إذا عرض بنفي الولد، ٣/٤١٣)، ومسلم في (اللعان، ٢/١١٣٧) ; من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٣٣٧ ]