_________________
(١) قوله: "باب لا يرد": "لا": نافية بدليل رفع المضارع بعدها، والنفي يحتمل أن يكون للكراهة، وأن يكون للتحريم. قوله: "من سأل بالله": أي: من سأل غيره بالله. والسؤال بالله ينقسم إلى قسمين: أحدهما: السؤال بالله بالصيغة، مثل أن يقول: أسألك بالله كما تقدم في حديث الثلاثة حيث قال الملك: " أسألك بالذي أعطاك الجلد الحسن واللون الحسن بعيرا "١. الثاني: السؤال بشرع الله ﷿ أي: يسأل سؤالا يبيحه الشرع; كسؤال الفقير من الصدقة، والسؤال عن مسألة من العلم، وما شابه ذلك. وحكم رد من سأل بالله الكراهة أو التحريم حسب حال المسئول والسائل، وهنا عدة مسائل: المسألة الأولى: هل يجوز للإنسان أن يسأل بالله أم لا؟ وهذه المسألة لم يتطرق إليها المؤلف ﵀; فنقول أولا: السؤال من حيث هو مكروه ولا ينبغي للإنسان أن يسأل أحدا شيئا إلا إذا دعت الحاجة إلى ١ سبق (ص ٢٨٩) .
[ ٢ / ٣٤٧ ]
_________________
(١) ذلك، ولهذا كان مما بايع النبي ﷺ أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئا، حتى إن عصا أحدهم ليسقط منه وهو على راحلته; فلا، يقول لأحد: ناولنيه، بل ينزل ويأخذه١. والمعنى يقتضيه; لأنك إذا أعززت نفسك ولم تذلها لسؤال الناس بقيت محترما عند الناس، وصار لك منعة من أن تذل وجهك لأحد; لأن من أذل وجهه لأحد; فإنه ربما يحتاجه ذلك الأحد لأمر يكره أن يعطيه إياه، ولكنه إذا سأله اضطر إلى أن يجيبه، ولهذا روي عن النبي ﷺ أنه قال: " ازهد فيما عند الناس يحبك الناس "٢ فالسؤال أصلا مكروه أو محرم إلا لحاجة أو ضرورة. فسؤال المال محرم، فلا يجوز أن يسأل من أحد مالا إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك، وقال الفقهاء ﵏ في باب الزكاة: "إن من أبيح له أخذ شيء أبيح له سؤاله"، ولكن فيما قالوه نظر; فإن الرسول ﷺ حذر من السؤال، وقال: "إن الإنسان لا يزال يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وما في وجهه ١ أخرجه مسلم في (الزكاة، باب كراهة المسألة للناس، ٢/٧٢١) ; عن عوف بن مالك ﵁. ٢ أخرجه ابن ماجه في (الزهد، باب الزهد في الدنيا، ٢/١٣٧٤) . وقال في "الزوائد": "في إسناده خالد بن عمرو وهو ضعيف متفق على ضعفه، واتهم بالوضع، وأورد له العقيلي هذا الحديث، وقال: ليس له أصل من حديث الثوري". وأخرجه: الحاكم (٤/٣١٣) . وقال: "صحيح الإسناد"، ونازعه الذهبي; فقال: "خالد وضاع". وأخرجه: أبو نعيم في "الحلية" (٣/٢٥٣، ٧/ ١٣٦)، والعقيلي في "الضعفاء" ٢/١١)، من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁. والحديث حسنه النووي في "الرياض" (٤٧٣)، وفي "الأربعين النووية" (حديث رقم ٣١) . وصححه الألباني في "الصحيحة" (٩٤٤)، وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٤/ ١٥٧): "وقد حسن بعض مشايخنا إسناده، وفيه بعد; لأن من رواته خالد بن عمرو، وخالد هذا قد ترك واتهم". وضعفه ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (ص ٢٧٢) .
[ ٢ / ٣٤٨ ]
عن ابن عمر ﵄; قال: قال رسول الله ﷺ " من سأل بالله، فأعطوه،
_________________
(١) مزعة لحم "١، وهذا يدل على التحريم إلا للضرورة. وأما سؤال المعونة بالجاه أو المعونة بالبدن; فهذه مكروهة، إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك. وأما إجابة السائل; فهو موضوع بابنا هذا، ولا يخلو السائل من أحد أمرين: الأول: أن يسأل سؤالا مجردا; كأن يقول مثلا: يا فلان! أعطني كذا وكذا، فإن كان مما أباحه الشارع له فإنك تعطيه; كالفقير يسأل شيئا من الزكاة. الثاني: أن يسأل بالله; فهذا تجيبه وإن لم يكن مستحقا; لأنه سأل بعظيم، فإجابته من تعظيم هذا العظيم، لكن لو سأل إثما، أو كان في إجابته ضرر على المسئول; فإنه لا يجاب. مثال الأول: أن يسألك بالله نقودا؛ ليشتري بها محرما كالخمر. ومثال الثاني: أن يسألك بالله أن تخبره عما في سرك، وما تفعله مع أهلك; فهذا لا يجاب لأن في الأول إعانة على الإثم، وإجابته في الثاني ضرر على المسئول. قوله: ﷺ " من سأل بالله ": "من": شرطية للعموم. قوله: " فأعطوه ": الأمر هنا للوجوب ما لم يتضمن السؤال إثما أو ضررا على المسئول; لأن في إعطائه إجابة لحاجته، وتعظيما لله ﷿ ١ أخرجه: البخاري في (الزكاة، باب من سأل الناس تكثرا، ١/٤٥٧)، ومسلم في (الزكاة، باب كراهة المسألة، ١/٧٢٠)، عن ابن عمر ﵄.
[ ٢ / ٣٤٩ ]
ومن استعاذ بالله; فأعيذوه، ومن دعاكم; فأجيبوه ١،
_________________
(١) الذي سأل به. ولا يشترط أن يكون سؤاله بلفظ الجلالة بل بكل اسم يختص بالله، كما قال الملك الذي جاء إلى الأبرص والأقرع والأعمى: " أسألك بالذي أعطاك كذا وكذا ".٢ قوله: " ومن استعاذ بالله فأعيذوه " أي قال: أعوذ بالله منك; فإنه يجب عليك أن تعيذه; لأنه استعاذ بعظيم، ولهذا لما قالت ابنة الجون للرسول ﷺ: "أعوذ بالله منك" قال لها: "لقد عذت بعظيم -أو معاذ-، الحقي بأهلك"٣. لكن يستثنى من ذلك لو استعاذ من أمر واجب عليه; فلا تعذه، مثل أن تلزمه بصلاة الجماعة، فقال: أعوذ بالله منك. وكذلك لو ألزمته بالإقلاع عن أمر محرم، فاستعاذ بالله منك; فلا تعذه لما فيه من التعاون على الإثم والعدوان، ولأن الله لا يعيذ عاصيا، بل العاصي يستحق العقوبة لا الانتصار له وإعاذته. وكذلك من استعاذ بملجأ صحيح يقتضي الشرع أن يعيذه -وإن لم يقل أستعيذ بالله-; فإنه يجب عليك أن تعيذه كما قال أهل العلم: لو جنى أحد جناية ثم لجأ إلى الحرم; فإنه لا يقام عليه الحد ولا القصاص في الحرم، ولكنه يضيق عليه; فلا يبايع، ولا يشترى منه، ولا يؤجر حتى يخرج، بخلاف من انتهك حرمة الحرم بأن فعل الجناية في نفس الحرم; فإن الحرم لا يعيذه لأنه انتهك حرمة الحرم. قوله: "ومن دعاكم فأجيبوه ": "مَنْ": شرطية للعموم، والظاهر أن المراد بالدعوة هنا الدعوة للإكرام، وليس المقصود بالدعوة هنا النداء. ١ النسائي: الزكاة (٢٥٦٧)، وأبو داود: الزكاة (١٦٧٢)، وأحمد (٢/٩٩،٢/١٢٧) . ٢ سبق (ص ٢٨٩) . ٣ أخرجه: البخاري في (الطلاق، باب من طلق وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق، ٣/٤٠١) ; عن أبي أسيد ﵁.
[ ٢ / ٣٥٠ ]
_________________
(١) وظاهر الحديث وجوب إجابة الدعوة في كل دعوة، وهو مذهب الظاهرية. وجمهور أهل العلم على أنها مستحبة إلا دعوة العرس; فإنها واجبة لقوله ﷺ فيها: " شر الطعام طعام الوليمة، يدعى إليها من يأباها ويمنعها من يأتيها، ومن لم يجب; فقد عصى الله ورسوله "١. وسواء قيل بالوجوب أو الاستحباب; فإنه يشترط لذلك شروط:
(٢) أن يكون الداعي ممن لا يجب هجره أو يسن.
(٣) ألا يكون هناك منكر في مكان الدعوة، فإن كان هناك منكر، فإن أمكنه إزالته; وجب عليه الحضور لسببين: - إجابة الدعوة. - وتغيير المنكر. وإن كان لا يمكنه إزالته حرم عليه الحضور; لأن حضوره يستلزم إثمه، وما استلزم الإثم; فهو إثم.
(٤) أن يكون الداعي مسلما، وإلا لم تجب الإجابة; لقوله ﷺ " حق المسلم على المسلم ست "٢، وذكر منها: " إذا دعاك فأجبه "٣ قالوا: وهذا مقيد للعموم الوارد.
(٥) أن لا يكون كسبه حراما; لأن إجابته تستلزم أن تأكل طعاما ١ أخرجه: البخاري في (النكاح، باب من ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله، ٣/٣٨١)، ومسلم في (النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي، ٢/١٠٥٥) ; عن أبي هريرة ﵁. ٢ مسلم: السلام (٢١٦٢)، والترمذي: الأدب (٢٧٣٧)، والنسائي: الجنائز (١٩٣٨)، وأحمد (٢/٣٧٢،٢/٤١٢) . ٣ أخرجه: مسلم في (السلام، باب من حق المسلم للمسلم، ٤/١٧٠٥) ; عن أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٣٥١ ]
_________________
(١) حراما، وهذا لا يجوز، وبه قال بعض أهل العلم. وقال آخرون: ما كان محرما لكسبه; فإنما إثمه على الكاسب لا على من أخذه بطريق مباح من الكاسب، بخلاف ما كان محرما لعينه; كالخمر والمغصوب ونحوهما، وهذا القول وجيه قوي، بدليل أن الرسول ﷺ اشترى من يهودي طعاما لأهله١، وأكل من الشاة التي أهدتها له اليهودية بخيبر٢، وأجاب دعوة اليهودي٣، ومن المعلوم أن اليهود معظمهم يأخذون الربا، ويأكلون السحت، وربما يقوي هذا القول قوله ﷺ في اللحم الذي تصدق به على بريرة: " هو لها صدقة ولنا منها هدية "٤. وعلى القول الأول; فإن الكراهة تقوى وتضعف حسب كثرة المال الحرام وقلته، فكلما كان الحرام أكثر كانت الكراهة أشد، وكلما قل كانت الكراهة أقل.
(٢) أن لا تتضمن الإجابة إسقاط واجب، أو ما هو أوجب منها، فإن تضمنت ذلك حرمت الإجابة.
(٣) أن لا تتضمن ضررا على المجيب، مثل أن تحتاج إجابة الدعوة إلى سفر أو مفارقة أهله المحتاجين إلى وجوده بينهم. ١ أخرجه: البخاري في (البيوع، باب شراء النبي ﷺ بالنسيئة، ٢/٧٩)، ومسلم في (المساقاة، باب الرهن، ٣/١٢٢٦) ; عن عائشة ﵂. ٢ أخرجه: البخاري في (الهبة، باب قبول الهدية من المشركين، ٢/٢٤١)، ومسلم في (السلام، باب السم، ٤/١٧٢١) ; عن أنس ﵁. ٣ أخرجه: الإمام أحمد في "المسند" (٣/٢١٠، ٢١١، ٢٥٢، ٢٧٠، ٢٨٩)، وفي "الزهد" وانظر: "الإرواء" (١/٧١) . ٤ أخرجه البخاري في (الزكاة، باب إذا تحولت الصدقة، ١/٤٦٣)، ومسلم في (العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق، ٢/١١٤٤) .
[ ٢ / ٣٥٢ ]
ومن صنع إليكم معروفا; فكافئوه،
_________________
(١) مسألة: هل إجابة الدعوة حق لله أو للآدمي؟ الجواب: حق للآدمي، ولهذا لو طلبت من الداعي أن يقيلك فقبل; فلا إثم عليك، لكنها واجبة بأمر الله ﷿ ولهذا ينبغي أن تلاحظ أن إجابتك طاعة لله، وقيام بحق أخيك، لكن لصاحبها أن يسقطها، كما أن له أن لا يدعوك أيضا، ولكن إذا أقالك حياء منك وخجلا من غير اقتناع; فإنه لا ينبغي أن تدع الإجابة. مسألة: هل بطاقات الدعوة التي توزع كالدعوة بالمشافهة؟ الجواب: البطاقات ترسل إلى الناس، ولا يدرى لمن ذهبت إليه; فيمكن أن نقول: إنها تشبه دعوة الجفلى، فلا تجب الإجابة، أما إذا علم أو غلب على الظن أن الذي أرسلت إليه مقصود بعينه; فإن لها حكم الدعوة بالمشافهة. قوله: " من صنع إليكم معروفا؛ فكافئوه ": المعروف: الإحسان، فمن أحسن إليك بهدية أو غيرها; فكافئه، فإذا أحسن إليك بإنجاز معاملة وكان عمله زائدا عن الواجب عليه; فكافئه، وهكذا، لكن إذا كان كبير الشأن ولم تجر العادة بمكافأته; فلا يمكن أن تكافئه; كالملك والرئيس مثلا إذا أعطاك هدية، فمثل هذا يدعى له; لأنك لو كافأته لرأى أن في ذلك غضا من حقه، فتكون مسيئا له، والنبي ﷺ أراد أن تكافئه لإحسانه. وللمكافأة فائدتان:
(٢) تشجيع ذوي المعروف على فعل المعروف.
(٣) أن الإنسان يكسر بها الذل الذي حصل له بصنع المعروف إليه، لأن من صنع إليك معروفا فلا بد أن يكون في نفسك رقة له، فإذا رددت
[ ٢ / ٣٥٣ ]
فإن لم تجدوا ما تكافئونه; فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه " رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح١.
فيه مسائل:
الأولى: إعاذة من استعاذ بالله.
_________________
(١) إليه معروفه زال عنك ذلك، ولهذا قال النبي ﷺ: " اليد العليا خير من اليد السفلى "٢ واليد العليا هي يد المعطي، وهذه فائدة عظيمة لمن صنع له معروف; لئلا يرى لأحد عليه منة إلا الله ﷿، لكن بعض الناس يكون كريما جدا، فإذا كافأته بدل هديته أعطاك أكثر مما أعطيته; فهذا لا يريد مكافأة، ولكن يدعى له; لقوله ﷺ: " فإن لم تجدوا ما تكافئونه ; فادعوا له"٣ وكذلك الفقير إذا لم يجد مكافأة الغني; فإنه يدعو له. ويكون الدعاء بعد الإهداء مباشرة; لأنه من باب المسارعة إلى أمر الرسول ﷺ ولأن به سرور صانع المعروف. قوله: " حتى تروا أنكم قد كافأتموه ": "تروا"; بفتح التاء بمعنى تعلموا، وتجوز بالضم بمعنى تظنوا; أي: حتى تعلموا أو يغلب على ظنكم أنك قد كافأتموه، ثم أمسكوا. فيه مسائل: الأولى: إعاذة من استعاذ بالله: وسبق أن من استعاذ بالله وجبت إعاذته، إلا أن يستعيذ عن شيء واجب فعلا أو تركا; فإنه لا يعاذ. ١ سبق (١/١٢١) . ٢ أخرجه: البخاري في (الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، ٣/٣٤٥- فتح)، ومسلم في (الزكاة، باب بيان أفضل الصدقة، ٢/٧١٧) ; عن حكيم بن حزام ﵁. ٣ النسائي: الزكاة (٢٥٦٧)، وأبو داود: الأدب (٥١٠٩)، وأحمد (٢/٦٨) .
[ ٢ / ٣٥٤ ]
الثانية: إعطاء من سأل بالله.
الثالثة: إجابة الدعوة.
الرابعة: المكافأة على الصنيعة.
الخامسة: أن الدعاء مكافأة لمن لا يقدر إلا عليه.
السادسة: قوله: " حتى تروا أنكم قد كافأتموه".
_________________
(١) الثانية: إعطاء من سأل بالله: وسبق التفصيل فيه. الثالثة: إجابة الدعوة: وسبق كذلك التفصيل فيها. الرابعة: المكافأة على الصنيعة: أي: على صنيعة من صنع إليك معروفا، وسبق التفصيل في ذلك. الخامسة: أن الدعاء مكافأة لمن لا يقدر إلا عليه: وسبق أنه مكافأة في ذلك، وفيما إذا كان الصانع لا يكافأ مثله عادة. السادسة: قوله: "حتى تروا أنكم قد كافأتموه": أي: أنه لا يقصر في الدعاء، بل يدعو له حتى يعلم أو يغلب على ظنه أنه قد كافأه. وفيه مسائل أخرى، لكن ما ذكره المؤلف هو المقصود.
[ ٢ / ٣٥٥ ]