_________________
(١) هذه الترجمة أتى بها المؤلف بصيغة النفي، وهو محتمل للكراهة والتحريم، لكن استدلاله بالحديث يقتضي أنه للتحريم وهو كذلك. والسلام له عدة معان: ١. التحية; كما يقال: سلم على فلان; أي: حياه بالسلام. ٢. السلامة من النقص والآفات; كقولنا: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته". ٣. السلام: اسم من أسماء الله تعالى، قال تعالى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ﴾ ١. قوله: "لا يقال السلام على الله": أي: لا تقل: السلام عليك يا رب; لما يلي: أ. أن مثل هذا الدعاء يوهم النقص في حقه، فتدعو الله أن يسلم نفسه من ذلك; إذ لا يدعى لشيء بالسلام من شيء إلا إذا كان قابلا أن يتصف به، والله -سبحانه- منزه عن صفات النقص. ب. إذا دعوت الله أن يسلم نفسه; فقد خالفت الحقيقة; لأن الله يدعى ولا يدعى له، فهو غني عنا، لكن يثنى عليه بصفات الكمال مثل غفور، سميع، عليم ١ سورة الحشر آية: ٢٣.
[ ٢ / ٣٢٤ ]
_________________
(١) ومناسبة الباب لتوحيد الصفات ظاهرة; لأن صفاته عليا كاملة كما أن أسماءه حسنى، والدليل على أن صفاته عليا قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿لَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ (﴾ ٢ والمثل الأعلى: الوصف الأكمل، فإذا قلنا: السلام على الله أوهم ذلك أن الله -سبحانه- قد يلحقه النقص، وهذا ينافي كمال صفاته. ومناسبة هذا الباب لما قبله ظاهرة; لأن موضوع الباب الذي قبله إثبات الأسماء الحسنى لله، المتضمنة لصفاته، وموضوع هذا الباب سلامة صفاته من كل نقص، وهذا يتضمن كمالها; إذ لا يتم الكمال إلا بإثبات صفات الكمال ونفي ما يضادها، فإنك لو قلت: زيد فاضل أثبت له الفضل، وجاز أن يلحقه نقص، وإذا قلت: زيد فاضل ولم يسلك شيئا من طرق السفول; فالآن أثبت له الفضل المطلق في هذه الصفة. والرب -﷾- يتصف بصفات الكمال، ولكنه إذا ذكر ما يضاد تلك الصفة صار ذلك أكمل، ولهذا أعقب المؤلف ﵀ الباب السابق بهذا الباب إشارة إلى أن الأسماء الحسنى والصفات العلى لا يلحقها نقص. والسلام اسم ثبوتي سلبي. فسلبي: أي أنه يراد به نفي كل نقص أو عيب يتصوره الذهن أو يتخيله العقل، فلا يلحقه نقص في ذاته أو صفاته أو أفعاله أو أحكامه. وثبوتي: أي يراد به ثبوت هذا الاسم له، والصفة التي تضمنها وهي السلامة. ١ سورة النحل آية: ٦٠. ٢ سورة الروم آية: ٢٧.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
في الصحيح عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة; قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان
_________________
(١) قوله: "في الصحيح": هذا أعم من أن يكون ثابتا في "الصحيحين"، أو أحدهما، أو غيرهما، وانظر: باب تفسير التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله (١/١٥٧)، وهذا الحديث المذكور في "الصحيحين". قوله: "كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة": الغالب أن المعية مع النبي ﷺ في الصلاة لا تكون إلا في الفرائض; لأنها هي التي يشرع لها صلاة الجماعة، ومشروعية صلاة الجماعة في غير الفرائض قليلة; كالاستسقاء. قوله: "قلنا: السلام على الله من عباده": أي: يطلبون السلامة لله من الآفات، يسألون الله أن يسلم نفسه من الآفات، أو أن اسم السلام على الله من عباده; لأن قول الإنسان السلام عليكم خبر بمعنى الدعاء، وله معنيان: ١. اسم السلام عليك; أي: عليك بركاته باسمه. ٢. السلامة من الله عليك; فهو سلام بمعنى تسليم، ككلام بمعنى تكليم. قوله: "السلام على فلان وفلان": أي: جبريل وميكائيل، وكلمة فلان يكنى بها عن الشخص، وهي مصروفة; لأنها ليست علما ولا صفة; كصفوان في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ ١ وقد جاء في ١ سورة البقرة آية: ٢٦٤.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
فقال النبي ﷺ " لا تقولوا: السلام على الله ; فإن الله هو السلام "١.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير السلام.
_________________
(١) لفظ آخر: "السلام على جبريل وميكال"٢، كانوا يقولون هكذا في السلام. فقال النبي ﷺ " لا تقولوا: السلام على الله; فإن الله هو السلام "٣ وهذا نهي تحريم، والسلام لا يحتاج إلى سلام، هو نفسه ﷿ سلام سالم من كل نقص ومن كل عيب. وفيه دليل على جواز السلام على الملائكة; لأن النبي ﷺ لم ينه عنه، ولأنه ﵊ لما أخبر عائشة أن جبريل يسلم عليها قالت: "﵇"٤. فيه مسائل: الأولى: تفسير السلام: فبالنسبة لكونه اسما من أسماء الله معناه السالم من كل نقص وعيب، وبالنسبة لكونه تحية له معنيان: ١ أخرجه: البخاري في (الأذان، باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد، ١/٢٦٩) . وأخرجه أيضا; في (الأذان، باب التشهد في الآخرة، ١/٢٦٨)، ومسلم في (الصلاة، باب التشهد في الصلاة بلفظ: "إن الله هو السلام، فإذا صلى أحدكم; فليقل: التحيات لله "، ١/٣٠١) . ٢ أخرجه: البخاري في (الأذان، باب التشهد في الآخرة، ١/٢٦٨) . ٣ البخاري: الأذان (٨٣٥)، ومسلم: الصلاة (٤٠٢)، والنسائي: التطبيق (١١٦٨، ١١٦٩) والسهو (١٢٩٨)، وأبو داود: الصلاة (٩٦٨)، وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (٨٩٩)، وأحمد (١/٤٣١،١/٤٦٤)، والدارمي: الصلاة (١٣٤٠) . ٤ حديث عائشة ﵂; قالت: قال لي رسول الله ﷺ: هذا جبريل يقرأ عليك السلام. قالت: قلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته. أخرجه: البخاري في (بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، ١١/٣٣)، ومسلم في (الاستئذان باب تسليم الرجال على النساء، ٤/١٨٩٥) .
[ ٢ / ٣٢٧ ]
الثانية: أنه تحية.
الثالثة: أنها لا تصلح لله.
الرابعة: العلة في ذلك.
الخامسة: تعليمهم التحية التي تصلح لله
_________________
(١) الأول: تقدير مضاف; أي: اسم السلام عليك; أي: اسم الله الذي هو السلام عليك. الثاني: أن السلام بمعنى التسليم اسم مصدر كالكلام بمعنى التكليم، أي: تخبر خبرا يراد به الدعاء; أي: أسأل الله أن يسلمك تسليما. الثانية: أنه تحية: وسبق ذلك. الثالثة: أنها لا تصلح لله: وإذا كانت لا تصلح له كانت حراما. الرابعة: العلة في ذلك: وهي أن الله هو السلام، وقد سبق بيانها. الخامسة: تعليمهم التحية التي تصلح لله: وتؤخذ من تكملة الحديث: " فإذا صلى أحدكم، فليقل: التحيات لله ". وفيه حسن تعليم الرسول ﷺ من وجهين: الأول: أنه حينما نهاهم علل النهي. وفي ذلك فوائد: ١. طمأنينة الإنسان إلى الحكم إذا قرن بالعلة. ٢. بيان سمو الشريعة الإسلامية، وأن أوامرها ونواهيها مقرونة بالحكمة; لأن العلة حكمة
[ ٢ / ٣٢٨ ]
_________________
(١) ٣. القياس على ما شارك الحكم المعلل بتلك العلة. الثاني: أنه حين نهاهم عن ذلك بين لهم ما يباح لهم; فيؤخذ منه أن المتكلم إذا ذكر ما ينهى عنه فليذكر ما يقوم مقامه مما هو مباح، ولهذا شواهد كثيرة من القرآن والسنة سبق شيء منها. ويستفاد من الحديث: أنه لا يجوز الإقرار على المحرم ; لقوله: " لا تقولوا: السلام على الله "، وهذا واجب على كل مسلم، ويجب على العلماء بيان الأمور الشرعية؛ لئلا يستمر الناس فيما لا يجوز، ويرون أنه جائز، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ ١. ١ سورة آل عمران آية: ١٨٧.
[ ٢ / ٣٢٩ ]