في الصحيح عن عائشة; أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، فقال:
_________________
(١) قوله: "التغليظ": التشديد. قوله: "من عبد الله عند قبر رجل صالح": أي: عمل عملا تعبد لله به من قراءة أو صلاة أو صدقة أو غير ذلك. قوله: "فكيف إذا عبده؟ ": أي: يكون أشد وأعظم، وذلك لأن المقابر والقبور للصالحين أو من دونهم من المسلمين أهلها بحاجة إلى الدعاء; فهم يزارون لينفعوا لا لينتفع بهم إلا باتباع السنة في زيارة المقابر، والثواب الحاصل بذلك، لكن هذا ليس انتفاعا بأشخاصهم، بل انتفاع بعمل الإنسان نفسه بما أتى به من السنة. فالزيارة التي يقصد منها الانتفاع بالأموات زيارة بدعية. والزيارة التي يقصد بها نفع الأموات والاعتبار بحالهم زيارة شرعية. قوله: "في الصحيح": أي: "الصحيحين"، وقد سبق الكلام على مثل هذه العبارة في باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله (ص ١٥٧) . قوله: " أم سلمة ": كانت ممن هاجر مع زوجها إلى أرض الحبشة، ولما توفي زوجها أبو سلمة تزوجها النبي ﷺ وأخبرته وهو في مرض موته بما رأت ; كما في "الصحيح". قولها: "من الصور" الظاهر أن هذه الصور صور مجسمة وتماثيل منصوبة.
[ ١ / ٣٩٣ ]
" أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح; بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور،
_________________
(١) قوله: "أولئك": المشار إليهم نصارى الحبشة، ويحتمل أن يراد من فعلوا هذه الأفعال أيا كانوا. وقوله: "أولئك" يجوز في الكاف الكسر إذا كان الخطاب لأم سلمة، والفتح إذا كان الخطاب باعتبار الجنس. وقد ذكر العلماء أن في كاف الخطاب المتصل باسم الإشارة ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن يكون مطابقا للمخاطب المفرد للمفرد والمثنى للمثنى والجمع للجمع، مذكرا كان أم مؤنثا. الوجه الثاني: الفتح مطلقا. الوجه الثالث: الكسر للمؤثث مطلقا، والفتح للمذكر مطلقا. وأشهرها: أن يكون مطابقا للمخاطب، ثم الفتح مطلقا، ثم الفتح للمذكر، والكسر للمؤنث. قوله: "الرجل الصالح أو العبد الصالح ": أو: شك من الراوي. قوله: " بنوا على قبره ": أي: قبر ذلك الرجل الصالح. قوله: "صوروا فيه تلك الصور": أي: التي رأت، والأقرب أنها صورة ذلك الرجل الصالح، وربما أنهم يضيفون إلى صورته صورة بعض الصالحين، وربما تكون الصور على أحجام مختلفة، فتجتمع منها صور كثيرة.
[ ١ / ٣٩٤ ]
أولئك شرار الخلق عند الله "١.
فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين٢ فتنة القبور، وفتنة التماثيل.
ولهما عنها;
_________________
(١) قوله: " أولئك شرار الخلق عند الله ": لأن عملهم هذا وسيلة إلى الكفر والشرك، وهذا أعظم الظلم وأشده، فما كان وسيلة إليه; فإن صاحبه جدير بأن يكون من شرار الخلق عند الله - ﷾ -. قوله: "فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل": هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. قوله: "فتنة القبور"; لأنهم بنوا المساجد عليها. قوله: "فتنة التماثيل"; لأنهم صوروا فجمعوا بين فتنتين، وإنما سمي ذلك فتنة; لأنها سبب لصد الناس عن دينهم، وكل ما كان كذلك، فإنه من الفتنة، قال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ٤، أي: صدوهم، أو فعلوا ما يصدونهم به عن دين الله. قوله: "ولهما عنها": الضمير يعود على البخاري ومسلم، وإن لم يسبق لهما ذكر، لكنه لما كان ذلك مصطلحا معروفا; صح أن يعود الضمير عليهما، وهما لم يذكرا اعتمادا على المعروف المعهود. ١ رواه: البخاري (كتاب الصلاة، باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، ١/١٥٥)، ومسلم (كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، ١/٣٧٥) . ٢ وفي نسخة: "فتنتين". ٣ سورة آية: ١-٢. ٤ سورة البروج آية: ١٠.
[ ١ / ٣٩٥ ]
قالت: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها; كشفها، فقال وهو كذلك: " لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "١.
_________________
(١) وقوله: "عنها"; أي: عن عائشة. قالت: "لما نزل برسول الله": أي: نزل به ملك الموت لقبض روحه. قوله: "طفق": من أفعال الشروع، واسمها مستتر، وجملة "يطرح" خبرها. قوله: "خميصة": هي كساء مربع له أعلام كان يطرحه النبي ﷺ على وجهه. قوله: "فإذا اغتم بها": أي: أصابه الغم بسببها، وقد احتضر ﷺ قوله: "وهو كذلك": أي: وهو في هذه الحال عند الاحتضار. قوله: " لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ": يقول هذا في سياق الموت، و"لعنة الله"; أي: طرده وإبعاده، وهذه الجملة يحتمل أنه يراد بها ظاهر اللفظ; أي: أن النبي ﷺ يخبر بأن الله لعنهم. ويحتمل أن يراد بها الدعاء; فتكون خبرية لفظا إنشائية معنى، والمعنى على هذا الاحتمال أن النبي ﷺ دعا عليهم وهو في سياق الموت بسبب هذا الفعل. قوله: "اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ": الجملة هذه تعليل لقوله: " لعنة الله على اليهود والنصارى "، كأن قائلا يقول: لماذا لعنهم النبي ﷺ فكان الجواب: أنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد; أي: أمكنة للسجود، سواء بنوا مساجد أم لا، يصلون ويعبدون الله تعالى فيها مع أنها مبنية على القبور. ١ البخاري: الصلاة (٤٣٦)، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (٥٣١)، والنسائي: المساجد (٧٠٣)، وأحمد (١/٢١٨،٦/٣٤،٦/٨٠،٦/١٢١،٦/١٤٦،٦/٢٥٢،٦/٢٥٥)، والدارمي: الصلاة (١٤٠٣) .
[ ١ / ٣٩٦ ]
يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك; أبرز قبره; غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا. أخرجاه١.
_________________
(١) قوله: "يحذر ما صنعوا": أي: إنه ﷺ قال ذلك في سياق الموت تحذيرا لأمته مما صنع هؤلاء; لأنه علم أنه سيموت وأنه ربما يحصل هذا ولو في المستقبل البعيد. قوله: "ولولا ذلك أبرز قبره": أبرز; أي: أخرج من بيته; لأن البروز معناه الظهور، أي لولا التحذير وخوف أن يتخذ قبره مسجدا; لأخرج ودفن في البقيع مثلا، لكنه في بيته أصون له، وأبعد عن اتخاذه مسجدا; فلهذا لم يبرز قبره، وهذا أحد الأسباب التي أوجبت أن لا يبرز مكان قبره ﷺ ومن أسباب ذلك: إخباره ﷺ أنه ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض٢ ولا مانع أن يكون للحكم الواحد سببان فأكثر، كما أن السبب الواحد قد يترتب عليه حكمان أو أكثر; كغروب الشمس يترتب عليه جواز إفطار الصائم، وصلاة المغرب. قوله: "غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا": خشي فيها روايتان: خشي، وخشي٣. فعلى رواية خشي يكون الذي وقعت منهم الخشية الصحابة ﵃. وعلى رواية خشي يكون الذي وقعت منه الخشية النبي ﷺ والحقيقة أن الأمر كله حاصل; فالرسول ﷺ أخبر بأنه ١ رواه: البخاري (كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، ١/٤٠٨)، ومسلم (كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، ١/٣٧٦) . ٢ من حديث أبي بكر الصديق، أخرجه: أحمد في "المسند" (١/٧) . ورواه: الترمذي (كتاب الجنائز، باب حدثنا أبو كريب، ٣/٣٩٤) وفي "الشمائل" برقم (٣٩٠)، وابن ماجه نحوه (كتاب الجنائز، باب ما ذكر في وفاته ودفنه ﷺ، ١/٥٢١) . وقال الحافظ في "الفتح" (١/٥٢٩): "إسناده صحيح لكته موقوف". ٣ "صحيح البخاري" (كتاب الجنائز، باب ما جاء في قبر النبي ﷺ، ١/٤٢٧) .
[ ١ / ٣٩٧ ]
ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض، ولعن اليهود والنصارى لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد خوفا من اتخاذ قبره مسجدا، والصحابة ﵃ اتفقوا على أن يدفن ﷺ في بيته بعد تشاورهم لأنهم خشوا ذلك. ويجوز أن يكون بعضهم أشار بأن يدفن في بيته، وليس في ذهنه إلا هذه الخشية، وبعضهم أشار أن يدفن في بيته وعنده علم بأنه ﷺ قال: "ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض"، وخوفا من اتخاذه مسجدا.
في هذا الحديث والحديث السابق: التحذير من اتخاذ قبور الأنبياء مساجد وهم أفضل الصالحين; لأن مرتبة النبيين هي المرتبة الأولى من المراتب الأربع التي قال الله تعالى عنها: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ١.
اعتراض وجوابه:
إذا قال قائل: نحن الآن واقعون في مشكلة بالنسبة لقبر الرسول ﷺ الآن، فإنه في وسط المسجد; فما هو الجواب؟ قلنا: الجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن المسجد لم يبن على القبر، بل بني المسجد في حياة النبي ﷺ
الوجه الثاني: أن النبي ﷺ لم يدفن في المسجد حتى يقال: إن هذا من دفن الصالحين في المسجد، بل دفن في بيته.
الوجه الثالث: أن إدخال بيوت الرسول ﷺ ومنها بيت عائشة مع المسجد ليس باتفاق من الصحابة، بل بعد أن انقرض أكثرهم ولم يبق
_________________
(١) ١ سورة النساء آية: ٦٩.
[ ١ / ٣٩٨ ]
ولمسلم عن " جندب بن عبد الله; قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل،
_________________
(١) منهم إلا القليل، وذلك عام ٩٤ هـ تقريبا; فليس مما أجازه الصحابة أو أجمعوا عليه، مع أن بعضهم خالف في ذلك، وممن خالف أيضا سعيد بن المسيب من التابعين; فلم يرض بهذا العمل. الوجه الرابع: أن القبر ليس في المسجد، حتى بعد إدخاله; لأنه في حجرة مستقلة عن المسجد; فليس المسجد مبنيا عليه، ولهذا جعل هذا المكان محفوظا ومحوطا بثلاثة جدران، وجعل الجدار في زاوية منحرفة عن القبلة، أي مثلث، والركن في الزاوية الشمالية، بحيث لا يستقبله الإنسان إذا صلى لأنه منحرف. فبهذا كله يزول الإشكال الذي يحتج به أهل القبور، ويقولون هذا منذ عهد التابعين إلى اليوم، والمسلمون قد أقروه ولم ينكروه; فنقول: إن الإنكار قد وجد حتى في زمن التابعين، وليس محل إجماع، وعلى فرض أنه إجماع; فقد تبين الفرق من الوجوه الأربعة التي ذكرناها. قوله: "بخمس": أي: خمس ليال، لكن العرب تطلقها على الأيام والليالي. قوله: "أبرأ": البراءة: هي التخلي; أي: أتخلى أن يكون لي منكم خليل. قوله: "خليل": هو الذي يبلغ في الحب غايته; لأن حبه يكون قد تخلل الجسم كله، قال الشاعر يخاطب محبوبته:
[ ١ / ٣٩٩ ]
فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا; لاتخذت أبا بكر خليلا "١
_________________
(١) قد تخللت مسلك الروح مني وبذا سمي الخليل خليلا والخلة أعظم أنواع المحبة وأعلاها، ولم يثبتها الله عزوجل فيما نعلم إلا لاثنين من خلقه، وهما: إبراهيم في قوله تعالى: ﴿َاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ ٢، ومحمد لقوله ﷺ "إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا". وبهذا تعرف الجهل العظيم الذي يقوله العامة: إن إبراهيم خليل الله، ومحمدا حبيب الله، وهذا تنقص في حق الرسول ﷺ لأنهم بهذه المقالة جعلوا مرتبة النبي ﷺ دون مرتبة إبراهيم، ولأنهم إذا جعلوه حبيب الله لم يفرقوا بينه وبين غيره من الناس; فإن الله يحب المحسنين والصابرين، وغيرهم ممن علق الله بفعلهم المحبة; فعلى رأيهم لا فرق بين الرسول ﷺ وغيره، لكن الخلة ما ذكرها الله إلا لإبراهيم، والنبي ﷺ أخبر أن الله اتخذه خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا. فالمهم: أن العامة مشكل أمرهم، دائما يصفون الرسول ﷺ بأنه حبيب الله، فنقول: أخطأتم وتنقصتم نبيكم; فالرسول خليل الله; لأنكم إذا وصفتموه بالمحبة أنزلتموه عن بلوغ غايتها. قوله: "فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ": هذا تعليل لقوله: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل "; فالنبي ﷺ ليس في قلبه خلّة لأحد إلا لله عزوجل قوله: " ولو كنت متخذا من أمتي خليلا; لاتخذت أبا بكر خليلا ". وهذا نص صريح على أن أبا بكر أفضل من علي، ﵄، وفي هذا رد على الرافضة الذين يزعمون أن عليا أفضل من أبي بكر. ١ مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (٥٣٢) . ٢ سورة النساء آية: ١٢٥.
[ ١ / ٤٠٠ ]
" ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد; فإني أنهاكم عن ذلك "١.
_________________
(١) وقوله: "لو": حرف امتناع لامتناع; فيمتنع الجواب لامتناع الشرط، وعلى هذا امتنع ﷺ من اتخاذ أبي بكر خليلا لأنه يمتنع أن يتخذ من أمته خليلا. قوله: " ألا وإن من كان قبلكم ": "ألا" للتنبيه، وهذه الجملة في أثناء الحديث لكنه ابتدأها بالتنبيه لأهمية المقام. قوله: " ألا فلا تتخذوا ": هذا تنبيه آخر للنهي عن اتخاذ القبور مساجد وهذا عام يشمل قبره وقبر غيره. قوله: " فإني أنهاكم عن ذلك ": هذا نهي باللفظ دون الأداة تأكيدا لهذا النهي لأهمية المقام. من فوائد الحديث: ١. أن النبي ﷺ تبرأ من أن يتخذ أحدا خليلا; لأن قلبه مملوء بمحبة الله تعالى. ٢. أن الله تعالى اتخذه خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا; ففيه فضيلة لرسول الله ﷺ ٣. فضيلة إبراهيم ﷺ باتخاذه خليلا. ٤. فضيلة أبي بكر، وأنه أفضل الصحابة لأن الحديث يدل على أنه أحب الصحابة إلى الرسول ﷺ ١ رواه: مسلم (كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، ١/٣٧٧) .
[ ١ / ٤٠١ ]
فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن- وهو في السياق- من فعله.
والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يبن مسجد.
_________________
(١) ٥. التحذير من اتخاذ القبور مساجد في قوله: " ألا فلا تتخذوا القبور مساجد " وقوله: " فإني أنهاكم عن ذلك "١. ٦. أن من دفن شخصا في مسجد؛ وجب عليه نبشه وإخراجه من المسجد. ٧. حرص النبي ﷺ على أمته في إبعادهم عن الشرك وأسبابه; لأن اتخاذ القبور مساجد من وسائل الشرك وذرائعه، ولهذا حرص النبي ﷺ على تحذير أمته منه، وهذا من كمال رأفته ورحمته بالأمة. ٨. أن من بنى مسجدا على قبر وجب عليه هدمه. قوله: "فقد نهى عنه في آخر حياته " هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية. وقوله: "فقد نهى عنه في آخر حياته" الضمير يعود إلى النبي ﷺ والمنهي عنه هو اتخاذ القبور مساجد. قوله: "ثم إنه لعن وهو في السياق من فعله"; فالنبي ﷺ وهو عند فراق الدنيا لعن من اتخذ القبور مساجد. قوله: "والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يبن مسجد": "عندها"; أي: القبور، وقوله: "من ذلك"; أي: من اتخاذها مساجد، وعلى هذا; فلا تجوز الصلاة عند القبور، ولهذا نهى النبي ﷺ كما في "صحيح مسلم" من حديث أبي مرثد الغنوي أن يُصلَّى إلى القبور; فقال ﷺ: " لا تصلُّوا إلى القبور "٢. ١ مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (٥٣٢) . ٢ رواه: مسلم (كتاب الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر، ٢/٦٦٨) .
[ ١ / ٤٠٢ ]
وهو معنى قولها: خشي أن يتخذ مسجدا فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا، وكل موضع قصدت الصلاة فيه; فقد اتخذ مسجدا
_________________
(١) قوله: "وهو معنى قولها: خشي أن يتخذ مسجدا" الضمير في "قولها" يرجع إلى عائشة ﵂: قوله: "فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا" هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. قد يقال: "خشي أن يتخذ مسجدا" معناه: خشي أن يبنى عليه مسجد، لكن يبعده أن الصحابة لا يمكن أن يبنوا حول قبره مسجدا; لأن مسجده مجاور لبيته; فكيف يبنون مسجدا آخر؟! هذا شيء مستحيل بحسب العادة; فيكون معنى قولها: "خشي أن يتخذ مسجدا"; أي: مكانا يصلى فيه، وإن لم يبن المسجد. ولا ريب أن أصل تحريم بناء المساجد على القبور أن المساجد مكان الصلاة، والناس يأتون إليها للصلاة فيها، فإذا صلى الناس في مسجد بني على قبر; فكأنهم صلوا عند القبر، والمحذور الذي يوجد في بناء المساجد على القبور يوجد فيما إذا اتخذ هذا المكان للصلاة; وإن لم يبن مسجد. فتبين بهذا أن اتخاذ القبور مساجد له معنيان: الأول: أن تبنى عليها مساجد. الثاني: أن تتخذ مكانا للصلاة عندها وإن لم يبن المسجد، فإذا كان هؤلاء القوم مثلا يذهبون إلى هذا القبر ويصلون عنده ويتخذونه مصلى; فإن هذا بمعنى بناء المساجد عليها، وهو أيضا من اتخاذها مساجد. قوله: "وكل موضع قصدت الصلاة فيه; فقد اتخذ مسجدا": وهذا
[ ١ / ٤٠٣ ]
بل كل موضع يصلىيسمى مسجدا؛ كما قال ﷺ: " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا "١
_________________
(١) يشهد له العرف; فإن الناس الذين لهم مساجد في مكان أعمالهم; كالوزارات والإدارات لو سألت واحدا منهم أين المسجد؟ لأشار إلى المكان الذي اتخذوه مصلى يصلون فيه، مع أنه لم يبن، لكن لما كانت الصلاة تقصد فيه; صار يسمى مسجدا. قوله: "بل كل موضع يصلى ". فقوله: "مسجدا" ; أي: مكانا للسجود، وهذا معنى ثالث زائد على المعنيين الأولين، وهو أن يقال: كل شيء تصلي فيه، فإنه مسجد ما دمت تصلي فيه، كما يقال للسجادة التي تصلي عليها مسجد أو مصلى وإن كان الغالب عليها اسم مصلى. الخلاصة: أنه لا يجوز بناء المساجد على القبور; لأنها وسيلة إلى الشرك، وهو عبادة صاحب القبر. ولا يجوز أيضا أن تقصد القبور للصلاة عندها، وهذا من اتخاذها مساجد; لأن العلة من اتخاذها مساجد موجودة في الصلاة عندها، فلو فرض أن رجلا يذهب إلى المقبرة ويصلي عند قبر ولي من الأولياء على زعمه; قلنا: إنك اتخذت هذا القبر مسجدا، وإنك مستحق لما استحقه اليهود والنصارى من اللعنة، وفي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية دليل على صحة تسمية كل شيء يصلى فيه مسجدا بالمعنى العام. ١ من حديث جابر بن عبد الله، رواه البخاري (كتاب التيمم، باب حدثنا عبد الله بن يوسف، ١/١٢٦)، ومسلم (كتاب المساجد، ١/٣٧٠) .
[ ١ / ٤٠٤ ]
ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود (﵁) مرفوعا: " إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء،
_________________
(١) قوله: "مرفوعا": المرفوع: ما أسند إلى النبي ﷺ قوله: "إن من شرار الناس": من: للتبعيض، وشرار: جمع شر، مثل صحاب جمع صحب، والمعنى: أصحاب الشر، وفي هذا دليل على أن الناس يتفاوتون في الشر، وأن بعضهم أشد من بعض. قوله: "من تدركهم الساعة": من: اسم موصول اسم إن، والساعة; أي: يوم القيامة، وسميت بذلك لأنها داهية، وكل شيء داهية عظيمة يسمى ساعة، كما يقال: هذه ساعتك في الأمور الداهية التي تصيب الإنسان. قوله: "وهم أحياء": الجملة حال من الهاء في "تدركهم". وفي قوله: " تدركهم الساعة وهم أحياء " إشكال، وهو أنه ثبت عن النبي ﷺ قوله: " لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله "١ وفي رواية: "حتى تقوم الساعة٢ " ; فكيف نوفق بين الحديثين; لأن ظاهر الحديث الذي ساقه المؤلف أن كل من تدركهم الساعة وهم أحياء; فهم من شرار الخلق؟! والجمع بينهما أن يقال: إن المراد بقوله: "حتى تقوم الساعة" ; أي: إلى قرب قيام الساعة، وليس إلى قيامها بالفعل; لأنها لا تقوم إلا على شرار الخلق; فالله يرسل ريحا تقبض نفس كل مؤمن ولا يبقى إلا شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة. ١ من حديث المغيرة بن شعبة، رواه: البخاري بنحوه (كتاب المناقب، باب حدثنا محمد بن المثنى، ٢/٥٣٨)، ومسلم (كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: لا تزال طائفة من أمتي، ٣/ ١٥٢٣) . ٢ "صحيح مسلم" في الكتاب والباب السابقين (٣/ ١٥٢٤، ١٥٢٥) .
[ ١ / ٤٠٥ ]
والذين يتخذون القبور مساجد " ورواه أبو حاتم في " صحيحه١ ".
_________________
(١) قوله: " الذين يتخذون القبور مساجد ": فهم من شرار الخلق، وإن لم يشركوا; لأنهم فعلوا وسيلة من وسائل الشرك، والوسائل لها أحكام المقاصد، وإن كانت دون مرتبتها، لكنها تعطى حكمها بالمعنى العام، فإن كانت وسيلة لواجب صارت واجبة، وإن كانت وسيلة لمحرم; فهي محرمة. فشر الناس في هذا الحديث ينقسمون إلى صنفين: الأول: الذين تدركهم الساعة وهم أحياء. الثاني: الذين يتخذون القبور مساجد. وفي قوله ﷺ "إن من شرار الناس" دليل على أن الناس يتفاوتون في الشر; لأن بعضهم أشد من بعض فيه، كما أنهم يتفاوتون في الخير أيضا; لقوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ٢ وذلك من حيث الكمية فمن صلى ركعتين; فليس كمن صلى أربعا. ومن حيث الكيفية، فمن صلى وهو قانت خاشع حاضر القلب; ليس كمن صلى وهو غافل. ومن حيث النوعية، فالفرض أفضل من النفل، وجنس الصلاة أفضل من جنس الصدقة; لأن الصلاة أفضل الأعمال البدنية. وهذا الذي تدل عليه الأدلة هو مذهب أهل السنة والجماعة، وهو ١ رواه: الإمام أحمد في "المسند" (١/٤٣٥)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣/٣٤٥)، وابن خزيمة برقم (٧٨٩)، وابن حبان برقم (٣٤٠)، والطبراني في "الكبير" برقم (١٠٤١٣) . وقال شيخ الإسلام في "اقتضاء الصراط المستقيم" (ص ٣٣٠): "إسناده جيد"، وقال الهيثمي في "المجمع" بعد عزوه للطبراني (٢/٢٧): "إسناده حسن". ٢ سورة آل عمران آية: ١٦٣.
[ ١ / ٤٠٦ ]
فيه مسائل:
الأولى: ما ذكر الرسول فيمن بنى مسجدا يعبد الله فيه عند قبر رجل صالح، ولو صحت نية الفاعل.
_________________
(١) التفاضل في الأعمال، حتى في الإيمان الذي هو في القلب يتفاضل الناس فيه، بل إن الإنسان يحس في نفسه أنه في بعض الأحيان يجد في قلبه من الإيمان ما لا يجده في بعض الأحيان; فكيف بين شخص وشخص؟ فهو يتفاضل أكثر. وخلاصة الباب: أنه يجب البعد عن الشرك ووسائله، ويغلظ على من عبد الله عند قبر رجل صالح. وكلام المؤلف ﵀ في قوله: "فيمن عبد الله" يشمل الصلاة وغيرها والأحاديث التي ساقها في الصلاة، لكنه ﵀ كأنه قاس غيرها عليها، فمن زعم أن الصدقة عند هذا القبر أفضل من غيره; فهو شبيه بمن اتخذه مسجدا لأنه يرى أن لهذه البقعة أو لمن فيها شأنا يفضل به على غيره; فالشيخ عمم، والدليل خاص. فإن قيل: لا يستدل بالدليل الخاص على العام؟ أجيب: إن الشيخ أراد بذلك أن العلة هي تعظيم هذا المكان; لكونه قبرا، وهذا كما يوجد في الصلاة يوجد في غيرها من العبادات; فيكون التعميم من باب القياس لا من باب شمول النص له لفظا. فيه مسائل: الأولى: ما ذكر الرسول ﷺ فيمن بنى مسجدا يعبد الله فيه عند قبر رجل صالح ولو صحت نية الفاعل: تؤخذ من لعن النبي ﷺ الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
[ ١ / ٤٠٧ ]
الثانية: النهي عن التماثيل وغلظ الأمر في ذلك.
الثالثة: العبرة في مبالغته ﷺ في ذلك; كيف بين لهم هذا
_________________
(١) قوله: "ولو صحت نية الفاعل"; لأن الحكم علق على مجرد صورته; فهذا العمل لا يحتاج إلى نية لأنه معلق بمجرد الفعل. فالنية تؤثر في الأعمال الصالحة وتصحيحها، وتؤثر في الأعمال التي لا يقدر عليها فيعطى أجرها، وما أشبه ذلك، بخلاف ما علق على فعل مجرد; فلا حاجة فيه إلى النية. أي: ولو كان يعبد الله، ولو كان يريد التقرب إلى الله ببناء هذا المسجد اعتبارا بما يؤول إليه الأمر، وبالنتيجة السيئة التي تترتب على ذلك، وهذه النقطة نتدرج منها إلى نقطة أخرى، وهي التحذير من مشابهة المشركين وإن لم يقصد الإنسان المشابهة، وهذه قد تخفى على بعض الناس، حيث يظن أن التشبه إنما يحرم إذا قصدت المشابهة، والشرع إنما علق الحكم بالتشبه; أي: بأن يفعل ما يشبه فعلهم، سواء قصد أو لم يقصد، ولهذا قال العلماء في مسألة التشبه: وإن لم ينو ذلك، فإن التشبه يحصل بمطلق الصورة. فإن قيل: قاعدة " إنما الأعمال بالنيات " هل تعارض ما ذكرنا؟ الجواب: لا تعارضه; لأن ما علق بالعمل ثبت له حكمه وإن لم ينو الفعل; كالأشياء المحرمة; كالظهار، والزنا، وما أشبهها. الثانية: النهي عن التماثيل وغلظ الأمر في ذلك: تؤخذ من قوله: "وصوروا فيه تلك الصور"، ولا سيما إذا كانت هذه الصور معظمة عادة; كالرؤساء، والزعماء، والأب، والأخ، والعم. أو شرعا، مثل: الأولياء، والصالحين، والأنبياء، وما أشبه ذلك. الثالثة: العبرة في مبالغته ﷺ في ذلك، كيف بين لهم هذا
[ ١ / ٤٠٨ ]
أولا، ثم قبل موته بخمس قال ما قال، ثم لما كان في السياق لم يكتف بما تقدم.
_________________
(١) أولا، ثم قبل موته بخمس قال ما قال؟! ثم لما كان في السياق لم يكتف بما تقدم: وهذا مما يدل على حرص النبي ﷺ على حماية جانب التوحيد; لأنه خلاصة دعوة الرسل، ولأن التوحيد أعظم الطاعات; فالمعاصي ولو كبرت أهون من الشرك، حتى قال ابن مسعود: " لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا "١ لأن الحلف بغيره نوع من الشرك، والحلف بالله كاذبا معصية، وهي أهون من الشرك. فالشرك أمره عظيم جدا، ونحن نحذر إخواننا المسلمين مما هم عليه الآن من الانكباب العظيم على الدنيا حتى غفلوا عما خلقوا له، واشتغلوا بما خلق لهم; فعامة الناس الآن تجدهم مشتغلين بالدنيا، ليس في أفكارهم إلا الدنيا قائمين وقاعدين ونائمين ومستيقظين، وهذا في الحقيقة نوع من الشرك; لأنه يوجب الغفلة عن الله عزوجل ولهذا سمى النبي ﷺ من فعل ذلك عبدا لما تعبد له، فقال: " تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة "٢ ولو أقبل العبد على الله بقلبه وجوارحه لحصل ما قدر له من الدنيا; فالدنيا وسيلة وليست غاية، وتعس من جعلها غاية، كيف تجعلها غاية وأنت لا تدري مقامك فيها؟! وكيف تجعلها غاية وسرورها مصحوب بالأحزان; كما قال الشاعر: فيوم علينا ويوم لنا ويوم نساء ويوم نسر فالحاصل: أن النبي ﷺ بعث لتحقيق عبادة الله، ولهذا كان حريصا (ص ٢٠٨) . ٢ تقدم (ص ٣٥) .
[ ١ / ٤٠٩ ]
الرابعة: نهيه عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر.
الخامسة: أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم.
السادسة: لعنه إياهم على ذلك.
السابعة: أن مراده ﷺ تحذيره إيانا عن قبره.
الثامنة: العلة في عدم إبراز قبره.
_________________
(١) على سد كل الأبواب التي تؤدي إلى الشرك; فالرسول ﷺ حذر من اتخاذ القبور مساجد ثلاث مرات: الأولى: في سائر حياته. الثانية: قبل موته بخمس. الثالثة: وهو في السياق. الرابعة: نهيه عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر: تؤخذ من قوله ﷺ: " ألا فلا تتخذوا القبور مساجد "، فإن قبره داخل في ذلك بلا شك، بل أول ما يدخل فيه. الخامسة: أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم: تؤخذ من قوله ﷺ " اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "، وبئس رجلا جعل إمامه اليهود والنصارى وتشبه بهم في قبيح أعمالهم. السادسة: لعنه إياهم على ذلك: تؤخذ من قوله ﷺ: " لعنة الله على اليهود والنصارى "١. السابعة: أن مراده تحذيره إيانا عن قبره. تؤخذ من قول عائشة: "يحذر ما صنعوا"; أي: ما صنعه اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم. الثامنة: العلة في عدم إبراز قبره: تؤخذ من قول عائشة: " ولولا ١ البخاري: الصلاة (٤٣٦)، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (٥٣١)، والنسائي: المساجد (٧٠٣)، وأحمد (١/٢١٨،٦/٣٤،٦/٨٠،٦/١٢١،٦/١٤٦،٦/٢٥٢،٦/٢٥٥)، والدارمي: الصلاة (١٤٠٣) .
[ ١ / ٤١٠ ]
التاسعة: في معنى اتخاذها مسجدا.
العاشرة: أنه قرن بين من اتخذها مسجدا وبين من تقوم عليهم الساعة، فذكر الذريعة إلى الشرك قبل وقوعه مع خاتمته.
الحادية عشرة: ذكره في خطبته قبل موته بخمس الرد على الطائفتين اللتين هما أشر أهل البدع،
_________________
(١) ذلك أبرز قبره; غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا " هناك علة أخرى، وهي: إخباره بأنه ما من نبي يموت إلا دفن حيث يموت١ ولا يمتنع أن يكون للحكم علتان، كما لا يمتنع أن يكون للعلة حكمان. التاسعة: في معنى اتخاذها مسجدا: سبق أن ذكرنا أن لها معنيين:
(٢) بناء المساجد عليها.
(٣) اتخاذها مكانا للصلاة تقصد فيصلى عندها، بل إن من صلى عندها ولم يتخذها للصلاة; فقد اتخذها مسجدا بالمعنى العام. العاشرة: أنه قرن بين من اتخذها مسجدا وبين من تقوم عليه الساعة; فذكر الذريعة إلى الشرك قبل وقوعه مع خاتمته: ومعنى هذا أن الرسول ﷺ ذكر التحذير من الشرك قبل أن يموت. وقوله: "مع خاتمته"، وهي: أن من تقوم عليهم شرار الخلق والذين تقوم عليهم الساعة وهم أحياء هؤلاء الكفار، والذين يتخذون القبور مساجد هؤلاء فعلوا أسباب الشرك والكفر. الحادية عشرة: ذكره في خطبته قبل موته بخمس الرد على الطائفتين اللتين هما أشر أهل البدع. ١ سبق (ص ٣٩٧) .
[ ١ / ٤١١ ]
_________________
(١) قوله: "قبل موته بخمس": أي: خمس ليال، والعرب يعبرون عن الأيام بالليالي وبالعكس. قوله: "أشر أهل البدع": يقال: أشر، ويقال: شر; بحذف الهمزة، وهو الأكثر استعمالا. وإنما تكلم المؤلف ﵀ عن حال الرافضة والجهمية وحكمهما قبل ذكر اسمهما من أجل تهييج النفس على معرفتهما والاطلاع عليهما; لأن الإنسان إذا ذكر له الحكم والوصف قبل ذكر الموصوف والمحكوم عليه; صارت نفسه تتطلع وتتشوق إلى هذا، فلو قال من أول الكلام: الرد على الرافضة والجهمية; فلا يكون للإنسان التشوق مثل ما لو تكلم عن حالهما وحكمهما أولا: وحالهما: أنهما أشر أهل البدع. وحكمهم: أن بعض أهل العلم أخرجهم من الثنتين والسبعين فرقة. والرافضة: اسم فاعل من رفض الشيء إذا استبعده، وسموا بذلك لأنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حين سألوه: " ما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى عليهما، وقال: هما وزيرا جدي ". فرفضوه وتركوه، وكانوا في السابق معه، لكن لما قال الحق المخالف لأهوائهم; نفروا منه والعياذ بالله، فسموا رافضة. وأصل مذهبهم من عبد الله بن سبأ، وهو يهودي تلبس بالإسلام، فأظهر التشيع لآل البيت والغلو فيهم ليشغل الناس عن دين الإسلام ويفسده كما أفسد بولص دين النصارى عندما تلبس بالنصرانية. وأول ما أظهر ابن سبأ بدعته في عهد علي بن أبي طالب، حتى إنه جاءه وقال: أنت الله حقا - والعياذ بالله -. فأمر علي بالأخدود فحفرت، وأمر بالحطب فجمع، وبالنار فأوقدت، ثم أحرقهم بها; إلا أنه يقال: إن عبد الله بن سبأ هرب وذهب إلى مصر ونشر بدعته; فالله أعلم.
[ ١ / ٤١٢ ]
_________________
(١) فالمهم أن عليارضي الله عنهرأى أمرا لم يحتمله، حيث ادعوا فيه الألوهية فأحرقهم بالنار إحراقا، ثم بدأت هذه الفرقة الخبيثة تتكاثر; لأن شعارها في الحقيقة النفاق الذي يسمونه التقية، ولهذا كانت هذه الفرقة أخطر ما يكون على الإسلام; لأنها تتظاهر بالإسلام والدعوة إليه، وتقيم شعائره الظاهرة; كتحريم الخمور وما أشبه ذلك، لكنها تناقضه في الباطن; فهم يرون أئمتهم آلهة تدير الكون، وأنهم أفضل من الأنبياء والملائكة والأولياء، وأنهم في مرتبة لا ينالها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهؤلاء كيف يصح أن تقبل منهم دعوى الإسلام، ولذلك يقول عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كثير من كتبه قولا إذا اطلع عليه الإنسان عرف حالهم: "إنهم أشد الناس ضررا على الإسلام، وإنهم هجروا المساجد وعمروا المشاهد"; فهم يقولون: لا نصلي جماعة إلا خلف إمام معصوم ولا معصوم الآن، وهم أول من بنى المشاهد على القبور كما قال الشيخ هنا، ورموا أفضل أتباع الرسول ﷺ على الإطلاق - وهما أبو بكر وعمر - بالنفاق، وأنهما ماتا على ذلك; كعبد الله بن أبي بن سلول وأشباهه والعياذ بالله; فانظر بماذا تحكم على هؤلاء بعد معرفة معتقدهم ومنهجهم؟! وأما الجهمية; فهم أتباع الجهم بن صفوان، وأول بدعته أنه أنكر صفات الله، وقال: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما; فأنكر المحبة والكلام، ثم بدأت هذه البدعة تنتشر وتتسع، فاعتنقها طوائف غير الجهمية; كالمعتزلة ومتأخري الرافضة; لأن الرافضة كانوا بالأول مشبهة، ولهذا قال أهل العلم: أول من عرف بالتشبيه هشام بن الحكم الرافضي، ثم تحولوا من التشبيه إلى التعطيل، وصاروا ينكرون الصفات. والجهم بن صفوان أخذ بدعته عن الجعد بن درهم،
[ ١ / ٤١٣ ]
_________________
(١) والجعد أخذ بدعته عن أبان بن سمعان، وأبان أخذها عن طالوت الذي أخذها عن لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي ﷺ فتكون بدعة التعطيل أصلها من اليهود، ثم إن الجهم بن صفوان نشأ في بلاد خراسان، وفيها كثير من الصابئة وعباد الكواكب والفلاسفة، فأخذ منهم أيضا ما أخذ، فصارت هذه البدعة مركبة من اليهودية والصابئة والمشركين. وانتشرت هذه البدعة في الأمة الإسلامية، وهؤلاء الجهمية معطلة في الصفات ينكرون الصفات، ومنهم من أنكر الأسماء مع الصفات، وهذه الأسماء التي يضيفها الله - سبحانه - إلى نفسه جعلوها إضافات وليست حقيقة، أو أنها أسماء لبعض مخلوقاته; فالسميع عندهم بمعنى من خلق السمع في غيره والبصير كذلك، وهكذا. ومنهم من أنكر أن يكون الله متصفا بالإثبات أو العدم، فقالوا: لا يجوز أن نثبت لله صفة أو ننفي عنه صفة; حتى قالوا: لا يجوز أن نقول عنه: إنه موجود ولا إنه معدوم; لأننا إن قلنا بأنه موجود شبهناه بالموجودات، وإن قلنا بأنه معدوم شبهناه بالمعدومات; فنقول: لا موجود ولا معدوم; فكابروا المعقول، وكذبوا المنقول، وهذا لا يمكن; لأن تقابل الوجود والعدم من تقابل النقيضين اللذين لا يمكن ارتفاعهما ولا اجتماعهما، بل لا بد أن يوجد أحدهما، فوصف الله بذلك تشبيه له بالممتنعات على قاعدتهم. ومذهبهم في القضاء والقدر: الجبر، فيقولون: إن الإنسان مجبر على عمله يعمل بدون اختياره إن صلى; فهو مجبر، وإن قتل; فهو مجبر، وهكذا; فعطلوا بذلك حكمة الله لأنه إذا كان كل عامل مجبرا على عمله لم يكن هناك حكمة في الثواب والعقاب، بل بمجرد المشيئة يعاقب
[ ١ / ٤١٤ ]
_________________
(١) هذا ويثيب هذا، وبذلك عطلوا عن الفاعلين أوصاف المدح والذم، فلا يمكن أن تمدح إنسانا أو تذمه; لأن العاصي مجبر والمطيع مجبر. ويقال لهم: إنكم إذا قلتم ذلك أثبتم أن الله أظلم الظالمين; لأنه كيف يعاقب العاصي وهو مجبر على المعصية؟ ويثيب الطائع وهو مجبر على طاعته؟ فيكون أعطى من لا يستحق، وعاقب من لا يستحق، وهذا ظلم. فقالوا: هذا ليس بظلم; لأن الظلم تصرف المالك في غير ملكه، وهذا تصرف من المالك في ملكه يفعل به ما يشاء. وأجيب: بأنه باطل; لأن المالك إذا كان متصفا بصفات الكمال لن يخلف وعده، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ ١ [طه: ١١٢]، فلو أخلف هذا الوعد; لكان نقصا في حقه وظلما لخلقه، حيث وعدهم فأخلفهم. ومذهبهم في أسماء الإيمان والدين الإرجاء، فيقولون: إن الإيمان مجرد اعتراف الإنسان بالخالق على الوصف المعطل عن الصفات حسب طريقتهم، وأن الأقوال والأعمال لا مدخل لها في الإيمان، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص. ومن هذه الأمور الثلاثة قالوا: إن أفسق وأعدل عباد الله في الإيمان سواء، بل قالوا: إن فرعون مؤمن كامل الإيمان، وجبريل مؤمن كامل الإيمان، لكن فرعون كفر; لأنه ادعى الربوبية لنفسه فقط، فصار بذلك كافرا. قال ابن القيم عنهم: والناس في الإيمان شيء واحد كالمشط عند تماثل الأسنان فمذهبهم من أخبث المذاهب؛ إن لم نقل: هو أخبثها، لكن أخبث منه ١ سورة طه آية: ١١٢.
[ ١ / ٤١٥ ]
بل أخرجهم بعض أهل العلم من الثنتين والسبعين فرقة، وهم الرافضة والجهمية وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد.
الثانية عشرة: ما بلي به ﷺ من شدة النزع.
_________________
(١) مذهب الرافضة، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن جميع البدع أصلها من الرافضة"; فهم أصل البلية في الإسلام، ولهذا قال المؤلف: "أخرجهم بعض أهل العلم من الثنتين والسبعين فرقة"، ولعل الصواب من الثلاث والسبعين فرقة، أو أن الصواب أخرجهم إلى الثنتين والسبعين; أي: أخرجهم من الثالثة التي كان عليها الرسول ﷺ وأصحابه; لأن المعروف أن هذه الأمة تفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي من كانت على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه. وصدق ﵀ في قوله عن هاتين الطائفتين الرافضة والجهمية: "شر أهل البدع". وقد قتل الجهم بن صفوان سلمة بن أحوز صاحب شرطة نصر بن سيار لأنه أظهر هذا المذهب ونشره. وقول المؤلف: "وبسبب الرافضة حدث الشرك، وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد"، ولهذا يجب الحذر من بدعتهم وبدعة الجهمية وغيرها، ولا شك أن البدع دركات بعضها أسفل من بعض; فعلى المرء الحذر من البدع، وأن يكون متبعا لمنهج السلف الصالح في هذا الباب وفي غيره. الثانية عشرة: ما بلي به ﷺ من شدة النزع: تؤخذ من قولها: " طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها "١ وفي هذا دليل على شدة نزعه، وهكذا كان الرسول ﷺ يمرض ويوعك كما يوعك ١ البخاري: الصلاة (٤٣٦)، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (٥٣١)، والنسائي: المساجد (٧٠٣)، وأحمد (١/٢١٨،٦/٣٤)، والدارمي: الصلاة (١٤٠٣) .
[ ١ / ٤١٦ ]
الثالثة عشرة: ما أكرم به من الخلة.
الرابعة عشرة: التصريح بأنها أعلى من المحبة.
_________________
(١) الرجلان١ من الناس، وهذا من حكمة الله عزوجل فهو ﷺ شدد عليه البلاء في مقابلة دعوته وأوذي إيذاء عظيما، وكذلك أيضا فيما يصيبه من الأمراض يضاعف عليه، والحكمة من ذلك لأجل أن ينال أعلى درجات الصبر، لأن الإنسان إذا ابتلي بالشر وصبر كان ذلك أرفع لدرجته. والصبر درجة عالية لا تنال إلا بوجود أسبابها، ومنها الابتلاء; فيصبر ويحتسب حتى ينال درجة الصابرين. الثالثة عشرة: ما أكرم به من الخلة: ويدل عليها قوله ﷺ " إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا " ولا شك أن هذه الكرامة عظيمة; لأننا لا نعلم أحدا نال هذه المرتبة إلا رسول الله ﷺ وإبراهيم ﷺ الرابعة عشرة: التصريح بأنها أعلى من المحبة: ودليل ذلك أنه ﷺ كان يحب أبا بكر، وكان أحب الناس إليه; فأثبت له المحبة، ونفى عنه الخلة; فدل هذا على أنها أعلى من المحبة، والتصريح ليس من هذا الحديث فقط، بل بضمه إلى غيره; فقد ورد من حديث آخر أنه صرح: " بأن أبا بكر أحب الرجال إليه ٢ "، ثم قال هنا: " لو كنت متخذا من أمتي خليلا; لاتخذت أبا بكر خليلا " فدل على أن الخلة أعلى من المحبة. ١ أخرجه: البخاري في (المرضى، باب أشد الناس بلاء الأنبياء، ٥٦٤٨)، ومسلم في (البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن، ٢٥٧١) ; عن عبد الله بن مسعود ﵁. ٢ من حديث عمرو بن العاص، رواه: البخاري (كتاب الفضائل، باب فضائل أبي بكر، رقم (٣٦٦٢) ومسلم (كتاب الفضائل، باب فضائل أبي بكر، ٤/١٨٥٦) .
[ ١ / ٤١٧ ]
الخامسة عشرة: التصريح بأن الصديق أفضل الصحابة.
السادسة عشرة: الإشارة إلى خلافته.
_________________
(١) الخامسة عشرة: التصريح بأن الصديق أفضل الصحابة: تؤخذ من قوله ﷺ " ولو كنت متخذا من أمتي خليلا; لاتخذت أبا بكر خليلا "١ فلو كان غيره أفضل منه عند النبي ﷺ لكان أحق بذلك. ومن المسائل الهامة أيضا: أن الأفضلية في الإيمان والعمل الصالح فوق الأفضلية بالنسب; لأننا لو راعينا الأفضلية بالنسب; لكان حمزة بن عبد المطلب والعباس ﵄ أحق من أبي بكر في ذلك، ومن ثم قدم أبو بكررضي الله عنهعلى علي بن أبي طالب وغيره من آل النبي ﷺ السادسة عشرة: الإشارة إلى خلافته: لم يقل التصريح، وإنما قال: الإشارة; لأن النبي ﷺ لم يقل: إن أبا بكر هو الخليفة من بعده، لكن لما قال ﷺ: " لو كنت متخذا من أمتي خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا "٢ علم أنهرضي الله عنهأولى الناس برسول الله ﷺ فيكون أحق الناس بخلافته. ١ مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (٥٣٢) . ٢ مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (٥٣٢) .
[ ١ / ٤١٨ ]
باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله
_________________
(١) هذا الباب له صلة بما قبله، وهو أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله. أي: يؤول الأمر بالغالين إلى أن يعبدوا هذه القبور أو أصحابها. والغلو: مجاوزة الحد مدحا أو ذما، والمراد هنا مدحا. والقبور لها حق علينا من وجهين: ١. أن لا نفرط فيما يجب لها من الاحترام; فلا تجوز إهانتها ولا الجلوس عليها، وما أشبه ذلك. ٢. أن لا نغلو فيها فنتجاوز الحد. وفي "صحيح مسلم" قال علي بن أبي طالب لأبي الهياج الأسدي: " ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته "١ وفي رواية: " ولا صورة إلا طمستها ". والقبر المشرف: هو الذي يتميز عن سائر القبور; فلا بد أن يسوى ليساويها لئلا يظن أن لصاحب هذا القبر خصوصية ولو بعد زمن; إذ هو وسيلة إلى الغلو فيه. قوله: "الصالحين": يشمل الأنبياء والأولياء، بل ومن دونهم. ١ في (كتاب الجنائز، باب الأمر بتسوية القبر، ٢/٦٦٦) .
[ ١ / ٤١٩ ]
روى مالك في " الموطإ"; أن رسول الله ﷺ قال: " اللهم
_________________
(١) قوله: "أوثانا": جمع وثن، وهو كل ما نصب للعبادة، وقد يقال له: صنم، والصنم: تمثال ممثل; فيكون الوثن أعم. ولكن ظاهر كلام المؤلف أن كل ما يعبد من دون الله يسمى وثنا، وإن لم يكن على تمثال نصب; لان القبور قد لا يكون لها تمثال ينصب على القبر فيعبد. قوله: "تعبد من دون الله" أي: من غيره، وهو شامل لما إذا عبدت وحدها أو عبدت مع الله; لأن الواجب في عبادة الله إفراده فيها، فإذا قرن بها غيره صارت عبادة لغير الله، وقد ثبت في الحديث القدسي أن الله تعالى يقول: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه "١. قوله: "في الموطأ": كتاب مشهور، من أصح الكتب; لأنه ﵀ تحرى فيه صحة السند، وسنده أعلى من سند البخاري لقربه من الرسول ﷺ وكلما كان السند أعلى كان إلى الصحة أقرب، وفيه مع الأحاديث آثار عن الصحابة، وفيه أيضا كلام وبحث للإمام مالك نفسه. وقد شرحه كثير من أهل العلم٢ ومن أوسع شروحه وأحسنها في الرواية والدراية: "التمهيد" لابن عبد البر، وهذا- أعني: "التمهيد" - فيه علم كثير. قوله: "اللهم ": أصلها: يا الله! فحذفت يا النداء لأجل البداءة ١ من حديث أبي هريرة، رواه: مسلم (كتاب الزهد، باب من أشرك في عمله غير الله، ٤/ ٢٢٨٩) . ٢ ومنها: "المنتقى" لأبي الوليد الباجي، و"شرح موطأ مالك" للزرقاني، و"أوجز المسالك إلى موطأ مالك" للكاندهلوي، و"تنوير الحوالك" للسيوطي.
[ ١ / ٤٢٠ ]
لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم
_________________
(١) باسم الله، وعوض عنها الميم الدالة على الجمع; فكأن الداعي جمع قلبه على الله، وكانت الميم في الآخر لأجل البداءة باسم الله. قوله: " لا تجعل قبري وثنا يعبد "١ لا: للدعاء; لأنها طلب من الله، وتجعل: تصير، والمفعول الأول لها: "قبري"، والثاني: "وثنا". وقوله: "يعبد": صفة لوثن، وهي صفة كاشفة; لأن الوثن هو الذي يعبد من دون الله. وإنما سأل النبي ﷺ ذلك لأن من كان قبلنا جعلوا قبور أنبيائهم مساجد وعبدوا صالحيهم فسأل النبي ﷺ ربه أن لا يجعل قبره وثنا يعبد; لأن دعوته كلها بالتوحيد ومحاربة الشرك. قوله: "اشتد ": أي: عظم. قوله: "غضب الله": صفة حقيقية ثابتة لله عزوجل لا تماثل غضب المخلوقين لا في الحقيقة ولا في الأثر. وقال أهل التأويل: غضب الله هو الانتقام ممن عصاه، وبعضهم يقول: إرادة الانتقام ممن عصاه. وهذا تحريف للكلام عن مواضعه; لأن النبي ﷺ لم يقل: انتقم الله، وإنما قال: اشتد غضب الله، وهو ﷺ يعرف كيف يعبر، ويعرف الفرق بين غضب الله وبين الانتقام، وهو أنصح الخلق وأعلم الخلق بربه، فلا يمكن أن يأتي بكلام وهو يريد خلافه; لأنه لو أتى بذلك لكان ملبسا، وحاشاه أن يكون كذلك; فالغضب غير الانتقام وغير إرادة الانتقام; فالغضب صفة حقيقية ثابتة لله تليق بجلاله لا تماثل غضب المخلوق، لا في الحقيقة ولا في الأثر. ١ مالك: النداء للصلاة (٤١٦) .
[ ١ / ٤٢١ ]
_________________
(١) وهناك فروق بين غضب المخلوق وغضب الخالق، منها: ١. غضب المخلوق حقيقته: غليان دم القلب، وجمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم حتى يفور، أما غضب الخالق; فإنه صفة لا تماثل هذا، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١. ٢. أن غضب الآدمي يؤثر آثارا غير محمودة; فالآدمي إذا غضب قد يحصل منه ما لا يحمد، فيقتل المغضوب عليه، وربما يطلق زوجته، أو يكسر الإناء، ونحو ذلك، أما غضب الله; فلا يترتب عليه إلا آثار حميدة لأنه حكيم; فلا يمكن أن يترتب على غضبه إلا تمام الفعل المناسب الواقع في محله. فغضب الله ليس كغضب المخلوقين، لا في الحقيقة ولا في الآثار، وإذا قلنا ذلك; فلا نكون وصفنا الله بما يماثل صفات المخلوقين، بل وصفناه بصفة تدل على القوة وتمام السلطان; لأن الغضب يدل على قدرة الغاضب على الانتقام وتمام سلطانه; فهو بالنسبة للخالق صفة كمال، وبالنسبة للمخلوق صفة نقص. ويدل على بطلان تأويل الغضب بالانتقام قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٢ فإن معنى "آسفونا": أغضبونا; فجعل الانتقام غير الغضب، بل أثرا مترتبا عليه; فدل هذا على بطلان تفسير الغضب بالانتقام. واعلم أن كل من حرف نصوص الصفات عن حقيقتها وعما أراد الله بها ورسوله; فلا بد أن يقع في زلة ومهلكة; فالواجب علينا أن نسلم لما جاء به الكتاب والسنة من صفات الله تعالى على ما ورد إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل. ١ سورة الشورى آية: ١١. ٢ سورة الزخرف آية: ٥٥.
[ ١ / ٤٢٢ ]
ولابن جرير بسنده
_________________
(١) قوله: "ولابن جرير": هو محمد بن جرير بن يزيد الطبري، الإمام المشهور في التفسير توفي سنة ٣١٠ هـ. وتفسيره: هو أصل التفسير بالأثر، ومرجع لجميع المفسرين بالأثر، ولا يخلو من بعض الآثار الضعيفة، وكأنه يريد أن يجمع ما روي عن السلف من الآثار في تفسير القرآن، ويدع للقارئ الحكم عليها بالصحة أو الضعف بحسب تتبع رجال السند، وهي طريقة جيدة من وجه، وليست جيدة من وجه آخر. فجيدة من جهة أنها تجمع الآثار الواردة حتى لا تضيع، وربما تكون طرقها ضعيفة ويشهد بعضها لبعض. وليست جيدة من جهة أن القاصر بالعلم ربما يخلط الغث بالسمين ويأخذ بهذا وهذا، لكن من عرف طريقة السند، وراجع رجال السند، ونظر إلى أحوالهم وكلام العلماء فيهم; علم ذلك. وقد أضاف إلى تفسيره بالأثر: التفسير بالنظر، ولا سيما ما يعود إلى اللغة العربية، ولهذا دائما يرجح الرأي ويستدل له بالشواهد الواردة في القرآن وعن العرب. ومن الناحية الفقهية; فالطبري مجتهد، لكنه سلك طريقة خالف غيره فيها بالنسبة للإجماع; فلا يعتبر خلاف الرجل والرجلين، وينقل الإجماع ولو خالف في ذلك رجل أو رجلان، وهذه الطريقة تؤخذ عليه; لأن الإجماع لا بد أن يكون من جميع أهل العلم المعتبرين في الإجماع، وقد يكون الحق مع هذا الواحد المخالف. والعجيب أني رأيت بعض المتأخرين يحذرون الطلبة من تفسيره; لأنه مملوء على زعمهم بالإسرائيليات، ويقولون: عليكم ب "تفسير الكشاف" للزمخشري وما أشبه ذلك، وهؤلاء مخطئون; لأنهم لجهلهم بفضل التفسير بالآثار عن السلف واعتزازهم بأنفسهم وإعجابهم بآرائهم صاروا يقولون هذا.
[ ١ / ٤٢٤ ]
عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى﴾ ١.
_________________
(١) قوله: "عن سفيان": إما سفيان الثوري، أو ابن عيينة، وهذا مبهم، والمبهم يمكن معرفته بمعرفة شيوخه وتلاميذه، وفي الشرح - أعني "تيسير العزيز الحميد" - يقول: الظاهر أنه الثوري. قوله: "عن مجاهد": هو مجاهد بن جبر المكي، إمام المفسرين من التابعين، ذكر عنه أنه قال: " عرضت المصحف على عبد الله بن عباس ﵄ من فاتحته إلى خاتمته; فما تجاوزت آية إلا وقفت عندها أسأله عن تفسيرها ". قوله: "أفرأيتم": الهمزة: للاستفهام، والمراد به التحقير، والخطاب لعابدي هذه الأصنام اللات والعزى إلخ. لما ذكر الله تعالى قصة المعراج وما حصل فيه من الآيات العظيمة التي قال عنها: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ٢ قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى﴾ ٣ أي: ما نسبة هذه الأصنام للآيات الكبيرة التي رآها النبي ﷺ ليلة المعراج. قوله: "اللات"، "كان يلت لهم " إلخ: على قراءة التشديد: من لت يلت; فهو لاتٌ. أما على قراءة التخفيف; فوجهها أنها خففت لتسهيل الكلام; أي: حذف منها التضعيف تخفيفا. وقد سبق أنهم قالوا: إن اللات من الإله. وأصله: رجل كان يلت السويق للحجاج، فلما مات; عظموه، وعكفوا على قبره، ثم جعلوه إلها، وجعلوا التسمية الأولى مقترنة بالتسمية الأخيرة; فيكون أصله من لت السويق، ثم جعلوه من الإله، وهذه على قراءة التخفيف أظهر من التشديد; فالتخفيف يرجح أنه ١ سورة النجم آية: ١٩. ٢ سورة النجم آية: ١٨. ٣ سورة النجم آية: ١٩.
[ ١ / ٤٢٥ ]
قال: " كان يلت لهم السويق، فمات، فعكفوا على قبره ".
وكذا قال أبو الجوزاء، عن ابن عباس: " كان يلت السويق للحاج "١.
_________________
(١) من الإله، والتشديد يرجح أن أصله رجل يلت السويق. وغلوا في قبره، وقالوا: هذا الرجل المحسن الذي يلت السويق للحجاج ويطعمهم إياه، ثم بعد ذلك عبدوه; فصار الغلو في القبور يصيرها أوثانا تعبد من دون الله. وفي هذا التحذير من الغلو في القبور ولهذا نهي عن تجصيصها والبناء عليها والكتابة عليها خوفا من هذا المحظور العظيم الذي يجعلها تعبد من دون الله، وكان الرسول ﷺ يأمر إذا بعث بعثا: بأن لا يدعوا قبرا مشرفا إلا سووه٢ لعلمه أنه مع طول الزمان سيقال: لولا أن له مزية ما اختلف عن القبور; فالذي ينبغي أن تكون القبور متساوية لا ميزة لواحد منها عن البقية. قوله: "السويق": هو عبارة عن الشعير يحمص، ثم يطحن، ثم يخلط بتمر أو شبهه، ثم يؤكل. وقوله: "كان يلت لهم السويق، فمات، فعكفوا على قبره" يعني: ثم عبدوه وجعلوه إلها مع الله. قوله: "وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: " كان يلت السويق للحاج " والغريب أن الناس في جاهليتهم يكرمون حجاج بيت الله، ويلتون لهم السويق، وكان العباس أيضا يسقي لهم من زمزم، وربما يجعل في زمزم نبيذا يحليه زبيبا أو نحوه، وفي الوقت الحاضر صار الناس ١ رواه: البخاري (كتاب التفسير، باب أفرأيتم اللات والعزى، ٣/٣٩٩) . ٢ أخرجه: مسلم في (اللباس، ٣/١٦٦٤) .
[ ١ / ٤٢٦ ]
وعن ابن عباس ﵄; قال: " لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد
_________________
(١) بالعكس يستغلون الحجاج غاية الاستغلال - والعياذ بالله -; حتى يبيعوا عليهم ما يساوي ريالا بريالين وأكثر حسب ما يتيسر لهم، وهذا في الحقيقة خطأ عظيم; لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ١ ; فكيف بمن يفعل الإلحاد؟! قوله: "لعن": اللعن: هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ومعنى "لعن رسول الله ﷺ " أي: دعا عليهم باللعنة. قوله:"زائرات القبور": زائرات: جمع زائرة، والزيارة هنا معناها: الخروج إلى المقابر وهي أنواع: منها ما هو سنة، وهي زيارة الرجال للاتعاظ والدعاء للموتى. ومنها ما هو بدعة، وهي زيارتهم للدعاء عندهم وقراءة القرآن ونحو ذلك. ومنها ما هو شرك، وهي زيارتهم لدعاء الأموات والاستنجاد بهم والاستغاثة ونحو ذلك، وزائر: اسم فاعل يصدق بالمرة الواحدة، وفي حديث أبي هريرة: " لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور "٢ بتشديد الواو، وهي صيغة مبالغة تدل على الكثرة أي كثرة الزيارة. قوله: " والمتخذين عليها المساجد ": هذا الشاهد من الحديث; أي: الذين يضعون عليها المساجد، وقد سبق أن اتخاذ القبور مساجد له صورتان: ١ سورة الحج آية: ٢٥. ٢ رواه: الإمام أحمد (٢/٣٣٧، ٣٥٦)، والترمذي (الجنائز، باب ما جاء في كراهة زيارة القبور للنساء، ٤/١٢) - وقال: "حسن صحيح"-، وابن ماجه في الكتاب والباب السابقين (رقم ١٥٧٦)، وابن حبان (رقم ٧٨٩)، والبيهقي (٤/٧٨) .
[ ١ / ٤٢٧ ]
والسرج " رواه أهل السنن١.
_________________
(١) ١. أن يتخذها مصلى يصلى عندها. ٢. بناء المساجد عليها. قوله: "والسرج": جمع سراج، توقد عليها السرج ليلا ونهارا تعظيما وغلوا فيها. وهذا الحديث يدل على تحريم زيارة النساء للقبور، بل على أنه من كبائر الذنوب; لأن اللعن لا يكون إلا على كبيرة، ويدل على تحريم اتخاذ المساجد والسرج عليها، وهو كبيرة من كبائر الذنوب للعن فاعله. المناسبة للباب إن اتخاذ المساجد عليها وإسراجها غلو فيها; فيؤدي بعد ذلك إلى عبادتها. مسألة: ما هي الصلة بين الجملة الأولى: "زائرات القبور"، والجملة الثانية "المتخذين عليها المساجد والسرج"؟ الصلة بينهما ظاهرة: هي أن المرأة لرقة عاطفتها وقلة تمييزها وضعف صبرها ربما تعبد أصحاب القبور تعطفا على صاحب القبر; فلهذا قرنها بالمتخذين عليها المساجد والسرج. ١ رواه: الطيالسي برقم (٢٧٣٣)، وأحمد (١/٢٢٩، ٢٨٧، ٣٢٤، ٣٣٧)، وابن أبي شيبة (٣/٣٤٤)، وأبو داود (كتاب الجنائز، باب في زيارة النساء القبور، ٣/٥٥٨)، والنسائي (كتاب الجنائز، باب التغليظ في اتخاذ السرج على القبور، ٤/٩٥)، والترمذي (الصلاة، باب كراهة أن يتخذ على القبر مسجدا، رقم ٣٢٠) - وقال: "حديث حسن"-، وابن ماجه مختصرا (كتاب الجنائز، باب النهي عن زيارة القبور، رقم ١٥٧٥)، وابن حبان (رقم ٧٨٨)، والطبراني في "الكبير" (١٢٧٢٥)، والحاكم (١/٣٧٤)، والبيهقي (٤/٢٧٨) .
[ ١ / ٤٢٨ ]
_________________
(١) وهل يدخل في اتخاذ السرج على المقابر ما لو وضع فيها مصابيح كهرباء لإنارتها؟ الجواب: أما في المواطن التي لا يحتاج الناس إليها، كما لو كانت المقبرة واسعة وفيها موضع قد انتهى الناس من الدفن فيه; فلا حاجة إلى إسراجه، فلا يسرج، أما الموضع الذي يقبر فيه فيسرج ما حوله; فقد يقال بجوازه; لأنها لا تسرج إلا بالليل; فليس في ذلك ما يدل على تعظيم القبر، بل اتخذ الإسراج للحاجة. ولكن الذي نرى أنه ينبغي المنع مطلقا للأسباب الآتية: ١. أنه ليس هناك ضرورة. ٢. أن الناس إذا وجدوا ضرورة لذلك; فعندهم سيارات يمكن أن يوقدوا الأنوار التي فيها ويتبين لهم الأمر، ويمكنهم أن يحملوا سراجا معهم. ٣. أنه إذا فتح هذا الباب; فإن الشر سيتسع في قلوب الناس ولا يمكن ضبطه فيما بعد، فلو فرضنا أنهم جعلوا الإضاءة بعد صلاة الفجر ودفنوا الميت; فمن الذي يتولى قفل هذه الإضاءة؟ الجواب: قد تترك، ثم يبقى كأنه متخذ عليها السرج; فالذي نرى أنه يمنع نهائيا. أما إذا كان في المقبرة حجرة يوضع فيها اللبن ونحوه; فلا بأس بإضاءتها لأنها بعيدة عن القبور، والإضاءة داخلة لا تشاهد; فهذا نرجو أن لا يكون به بأس. والمهم أن وسائل الشرك يجب على الإنسان أن يبتعد عنها ابتعادا عظيما، ولا يقدر للزمن الذي هو فيه الآن، بل يقدر للأزمان البعيدة; فالمسألة ليست هينة.
[ ١ / ٤٢٩ ]
_________________
(١) وفي الحديث ما يدل على تحريم زيارة النساء للقبور وأنها من كبائر الذنوب، والعلماء اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: تحريم زيارة النساء للقبور، بل إنها من كبائر الذنوب; لهذا الحديث. القول الثاني: كراهة زيارة النساء للقبور كراهة لا تصل إلى التحريم، وهذا هو المشهور من مذهب أحمد عن أصحابه; لحديث أم عطية: " نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا "١. القول الثالث: أنها تجوز زيارة النساء للقبور; لحديث المرأة التي مر النبي ﷺ بها وهي تبكي عند قبر، فقال لها: " اتقي الله واصبري فقالت له: إليك عني; فإنك لم تصب بمثل مصيبتي فانصرف الرسول ﷺ عنها، فقيل لها: هذا رسول الله ﷺ فجاءت إليه تعتذر; فلم يقبل عذرها، وقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى "٢ فالنبي ﷺ شاهدها عند القبر ولم ينهها عن الزيارة، وإنما أمرها أن تتقي الله وتصبر. ولما ثبت في "صحيح مسلم٣ " من حديث عائشة الطويل، وفيه: أن النبي ﷺ خرج إلى أهل البقيع في الليل، واستغفر لهم ودعا لهم، وأن جبريل أتاه في الليل وأمره، فخرج ﷺ مختفيا عن عائشة، وزار ودعا ورجع، ثم أخبرها الخبر; فقالت: ما أقول لهم يا رسول الله؟ قال: " قولي: السلام ١ رواه: البخاري (كتاب الجنائز، باب اتباع النساء للجنائز، ١/٣٩٤)، ومسلم (كتاب الجنائز، باب نهي النساء عن اتباع الجنائز، ٢/٦٤٦) . ٢ من حديث أنس، رواه: البخاري (كتاب الجنائز، باب زيارة القبور، ١/٣٩٥)، ومسلم (كتاب الجنائز، باب في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى، ٢/٦٣٧) . ٣ في (كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور، ٢/٦٦٩) .
[ ١ / ٤٣٠ ]
_________________
(١) عليكم يا أهل الديار من المؤمنين والمسلمين " إلخ. قالوا: فعلمها النبي ﷺ دعاء زيارة القبور، وتعليمه هذا دليل على الجواز. ورأيت قولا رابعا: أن زيارة النساء للقبور سنة كالرجال; لقوله ﷺ " كنت نهيتكم عن زيارة القبور; فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة "١ وهذا عام للرجال والنساء. ولأن عائشة ﵂ زارت قبر أخيها، فقال لها عبد الله بن أبي مليكة: أليس النبي ﷺ قد نهى عن زيارة القبور؟ قالت: إنه أمر بها بعد ذلك٢. وهذا دليل على أنه منسوخ. والصحيح القول الأول، ويجاب عن أدلة الأقوال الأخرى: بأن الصريح منها غير صحيح، والصحيح غير صريح; فمن ذلك: أولا: دعوى النسخ غير صحيحة; لأنها لا تقبل إلا بشرطين: ١. تعذر الجمع بين النصين، والجمع هنا سهل وليس بمتعذر; لأنه يمكن أن يقال: إن الخطاب في قوله: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور; فزوروها " للرجال، والعلماء اختلفوا فيما إذا خوطب الرجال بحكم: هل يدخل فيه النساء أو لا؟ وإذا قلنا بالدخول - وهو الصحيح -; فإن دخولهن في هذا الخطاب من باب دخول أفراد العام في العموم، وعلى هذا يجوز أن يخصص بعض أفراد العام بحكم يخالف العام، وهنا نقول: قد خص النبي ﷺ النساء من هذا الحكم، فأمره بالزيارة للرجل فقط; لأن ١ من حديث بريدة، رواه: مسلم (كتاب الجنائز، باب استئذان النبي ﷺ ربه -﷿- في زيارة قبر أمه، ٢/٦٧٢) . ٢ رواه: الحاكم (١/٣٧٦)، والبيهقي (٤/٧٨) . وصححه الذهبي، وقال العراقي في "تخريج الإحياء" (٤/٤١٨): "رواه ابن أبي الدنيا في القبور والحاكم بإسناد جيد":.
[ ١ / ٤٣١ ]
_________________
(١) النساء أخرجن بالتخصيص من هذا العموم بلعن الزائرات، وأيضا مما يبطل النسخ قوله: " لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج "١ ومن المعلوم أن قوله:" والمتخذين عليها المساجد والسرج " لا أحد يدعي أنه منسوخ; والحديث واحد; فادعاء النسخ في جانب منه دون آخر غير مستقيم، وعلى هذا يكون الحديث محكما غير منسوخ. ٢. العلم بالتأريخ، وهنا لم نعلم التأريخ; لأن النبي ﷺ لم يقل: كنت لعنت من زار القبور، بل قال: "كنت نهيتكم"، والنهي دون اللعن. وأيضا; فإن قوله: "كنت نهيتكم" خطاب للرجال، ولعن زائرات القبور خطاب للنساء فلا يمكن حمل خطاب الرجال على خطاب النساء، إذا; فالحديث لا يصح فيه دعوى النسخ. وثانيا: الجواب عن حديث المرأة وحديث عائشة; أن المرأة لم تخرج للزيارة قطعا، لكنها أصيبت، ومن عظم المصيبة عليها لم تتمالك نفسها لتبقى في بيتها، ولذلك خرجت وجعلت تبكي عند القبر مما يدل على أن في قلبها شيئا عظيما لم تتحمله حتى ذهبت إلى ابنها وجعلت تبكي عند قبره، ولهذا أمرها ﷺ أن تصبر; لأنه علم أنها لم تخرج للزيارة، بل خرجت لما في قلبها من عدم تحمل هذه الصدمة الكبيرة; فالحديث ليس صريحا بأنها خرجت للزيارة، وإذا لم يكن صريحا; فلا يمكن أن يعارض الشيء الصريح بشيء غير صريح. وأما حديث عائشة; فإنها قالت للرسول ﷺ " ماذا أقول؟ فقال: قولي: السلام عليكم "٢ فهل المراد أنها تقول ذلك إذا مرت، أو إذا ١ سبق (ص ٤٢٨) . ٢ البخاري: أحاديث الأنبياء (٣٣٢٦)، ومسلم: الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٤١)، وأحمد (٢/٣١٥) .
[ ١ / ٤٣٢ ]
_________________
(١) خرجت زائرة؟ فهو محتمل; فليس فيه تصريح بأنها إذا خرجت زائرة; إذ من الممكن أن يراد به إذا مرت بها من غير خروج للزيارة، وإذا كان ليس صريحا; فلا يعارض الصريح. وأما فعلها مع أخيها ﵄; فإن فعلها مع أخيها لم يستدل عليها عبد الله بن أبي مليكة بلعن زائرات القبور، وإنما استدل عليها بالنهي عن زيارة القبور مطلقا; لأنه لو استدل عليها بالنهي عن زيارة النساء للقبور أو بلعن زائرات القبور; لكنا ننظر بماذا ستجيبه. فهو استدل عليها بالنهي عن زيارة القبور، ومعلوم أن النهي عن زيارة القبور كان عاما، ولهذا أجابته بالنسخ العام، وقالت: إنه قد أمر بذلك، ونحن وإن كنا نقول: إن عائشة ﵂ استدلت بلفظ العموم; فهي كغيرها من العلماء لا يعارض بقولها قول الرسول ﷺ على أنه روي عنها; أنها قالت: " لو شهدتك ما زرتك ١ "، وهذا دليل على أنها ﵂ خرجت لتدعو له; لأنها لم تشهد جنازته، لكن هذه الرواية طعن فيها بعض العلماء، وقال: إنها لا تصح عن عائشة ﵂، لكننا نبقى على الرواية الأولى الصحيحة; إذ ليس فيها دليل على أن الرسول ﷺ نسخه، وإذا فهمت هي; فلا يعارض بقولها قول الرسول ﷺ إشكال وجوابه: في قوله: "زوارات القبور" ألا يمكن أن يحمل النهي على تكرار الزيارة لأن "زوارات" صيغة مبالغة؟ ١ رواه: ابن أبي شيبة (٣/٣٤٣)، والترمذي (الجنائز، باب زيارة النساء القبور، ٤/١١) . وفيه عنعنة ابن جريج، وهو مدلس; كما في "الجنائز" للألباني (ص ١٨٢)، وذكر ابن القيم في "تهذيب السنن" (٤/٣٥٠): "أنه هو المحفوظ".
[ ١ / ٤٣٣ ]
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الأوثان.
الثانية: تفسير العبادة.
الثالثة: أنه ﷺ لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه.
_________________
(١) الجواب: هذا ممكن، لكننا إذا حملناه على ذلك; فإننا أضعنا دلالة المطلق "زائرات". والتضعيف قد يحمل على كثرة الفاعلين لا على كثرة الفعل; ف "زوارات" يعني: النساء إذا كن مئة كان فعلهن كثيرا، والتضعيف باعتبار الفاعل موجود في اللغة العربية، قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ﴾ ١، فلما كانت الأبواب كثيرة كان فيها التضعيف; إذ الباب لا يفتح إلا مرة واحدة، وأيضا قراءة: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ﴾ ٢ ; فهي مثلها. فالراجح تحريم زيارة النساء للمقابر وأنها من كبائر الذنوب. وانظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٢٤/٣٤٣) . فيه مسائل: الأولى: تفسير الأوثان: وهي: كل ما عبد من دون الله، سواء كان صنما أو قبرا أو غيره. الثانية: تفسير العبادة: وهي: التذلل والخضوع للمعبود خوفا ورجاء ومحبة وتعظيما; لقوله: " لا تجعل قبري وثنا يعبد "٣. الثالثة: أنه ﷺ لم يستعذ إلا مما يخاف من وقوعه: وذلك في قوله ﷺ: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد "٤. ١ سورة ص آية: ٥٠. ٢ سورة الزمر آية: ٧٣. ٣ مالك: النداء للصلاة (٤١٦) . ٤ مالك: النداء للصلاة (٤١٦) .
[ ١ / ٤٣٤ ]
الرابعة: قرنه بهذا اتخاذ قبور الأنبياء مساجد.
الخامسة: ذكر شدة الغضب من الله.
السادسة: وهي من أهمها: معرفة صفة عبادة اللات التي هي من أكبر الأوثان.
السابعة: معرفة أنه قبر رجل صالح.
الثامنة: أنه اسم صاحب القبر، وذكر معنى التسمية.
_________________
(١) الرابعة: قرنه بهذا اتخاذ قبور الأنبياء مساجد: وذلك في قوله: " اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "١. الخامسة: ذكر شدة الغضب من الله: تؤخذ من قوله: "اشتد غضب الله". وفيه: إثبات الغضب من الله حقيقة، لكنه كغيره من صفات الأفعال التي نعرف معناها ولا نعرف كيفيتها. وفيه أنه يتفاوت كما ثبت في الحديث الصحيح حديث الشفاعة: " إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب مثله قبله ولا بعده "٢. السادسة: وهي من أهمها -: معرفة صفة عبادة اللات التي هي من أكبر الأوثان: وذلك في قوله: "فمات، فعكفوا على قبره". السابعة: معرفة أنه قبر رجل صالح: تؤخذ من قوله: "كان يلت لهم السويق"; أي: للحجاج; لأنه معطم عندهم; والغالب لا يكون معظما إلا صاحب دين. الثامنة: أنه اسم صاحب القبر، وذكر معنى التسمية: وهو أنه كان يلت السويق. ١ مالك: النداء للصلاة (٤١٦) . ٢ مر سابفا (ص ٣٣٢) .
[ ١ / ٤٣٥ ]
التاسعة: لعنه زوارات القبور.
العاشرة: لعنه من أسرجها.
_________________
(١) التاسعة: لعنه زوارات القبور: أي: النبي ﷺ وذكر ﵀ لفظ: "زوارات القبور" مراعاة للفظ الآخر. العاشرة: لعنه من أسرجها: وذلك في قوله: " والمتخذين عليها المساجد والسرج ". وهنا مسألة مهمة لم تذكر، وهي: أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا كما في قبر اللات، وهذه من أهم الوسائل، ولم يذكرها المؤلف ﵀، ولعله اكتفى بالترجمة عن هذه المسألة بما حصل للات، فإذا قيل بذلك; فله وجه. مسألة: المرأة إذا ذهبت للروضة في المسجد النبوي لتصلي فيها، فالقبر قريب منها، فتقف وتسلم، ولا مانع فيه. والأحسن البعد عن الزحام ومخالطة الرجال، ولئلا يظن من يشاهدها أن المرأة يجوز لها قصد الزيارة; فيقع الإنسان في محذور، وتسليم المرء على النبي ﷺ يبلغه حيث كان.
[ ١ / ٤٣٦ ]