_________________
(١) السحر لغة: ما خفي ولطف سببه، ومنه سمي البحر لآخر الليل; لأن الأفعال التي تقع فيه تكون خفية، وكذلك سمي السحور; لما يؤكل في آخر الليل; لأنه يكون خفيا; فكل شيء خفي سببه يسمى سحرا. وأما في الشرع; فإنه ينقسم إلى قسمين: الأول: عقد ورقى; أي: قراءات وطلاسم يتوصل بها الساحر إلى استخدام الشياطين فيما يريد به ضرر المسحور، لكن قد قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ١. الثاني: أدوية وعقاقير تؤثر على بدن المسحور وعقله وإرادته وميله; فتجده ينصرف ويميل، وهو ما يسمى عندهم بالصرف والعطف فيجعلون الإنسان ينعطف على زوجته أو امرأة أخرى، حتى يكون كالبهيمة تقوده كما تشاء، والصرف بالعكس من ذلك فيؤثر في بدن المسحور بإضعافه شيئا فشيئا حتى يهلك، وفي تصوره بأن يتخيل الأشياء على خلاف ما هي عليه وفي عقله; فربما يصل إلى الجنون والعياذ بالله. فالسحر قسمان: أ: شرك وهو الأول الذي يكون بواسطة الشياطين; يعبدهم ويتقرب إليهم ليسلطهم على المسحور. ب: عدوان وفسق، وهو الثاني الذي يكون بواسطة الأدوية والعقاقير ونحوها. ١ سورة البقرة آية: ١٠٢.
[ ١ / ٤٨٩ ]
_________________
(١) وبهذا التقسيم الذي ذكرناه نتوصل به إلى مسألة مهمة، وهي: هل يكفر الساحر أو لا يكفر؟ اختلف في هذا أهل العلم: فمنهم من قال: إنه يكفر ومنهم من قال: إنه لا يكفر. ولكن التقسيم السابق الذي ذكرناه يتبين به حكم هذه المسألة، فمن كان سحره بواسطة الشياطين; فإنه يكفر لأنه لا يتأتى ذلك إلا بالشرك غالبا; لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ ١ إلى قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ٢ ومن كان سحره بالأدوية والعقاقير ونحوها; فلا يكفر، ولكن يعتبر عاصيا معتديا. وأما قتل الساحر، فإن كان سحره كفرا; قتل قتل ردة، إلا أن يتوب على القول بقبول توبته، وهو الصحيح، وإن كان سحره دون الكفر; قتل قتل الصائل; أي: قتل لدفع أذاه وفساده في الأرض، وعلى هذا يرجع في قتله إلى اجتهاد الإمام، وظاهر النصوص التي ذكرها المؤلف أنه يقتل بكل حال; فالمهم أن السحر يؤثر بلا شك، لكنه لا يؤثر بقلب الأعيان إلى أعيان أخرى; لأنه لا يقدر على ذلك إلا الله عزوجل وإنما يخيل إلى المسحور أن هذا الشيء انقلب وهذا الشيء تحرك أو مشى وما أشبه ذلك، كما جرى لموسى ﵊ أمام سحرة آل فرعون، حيث كان يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى. ١ سورة البقرة آية: ١٠٢. ٢ سورة البقرة آية: ١٠٢.
[ ١ / ٤٩٠ ]
وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ١.
وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ٢.
_________________
(١) إذا قال قائل: ما وجه إدخال باب السحر في كتاب التوحيد؟ نقول: مناسبة الباب لكتاب التوحيد: لأن من أقسام السحر ما لا يتأتي غالبا إلا بالشرك; فالشياطين لا تخدم الإنسان غالبا إلا لمصلحة، ومعلوم أن مصلحة الشيطان أن يغوي بني آدم فيدخلهم في الشرك والمعاصي. وقد ذكر المؤلف في الباب آيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: "ولقد علموا": ضمير الفاعل يعود على متعلمي السحر والجملة مؤكدة بالقسم المقدر واللام وقد. ومعنى "اشتراه" ; أي: تعلمه. قوله: ﴿مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ٣ أي: ما له من نصيب، وكل من ليس له في الآخرة من خلاق; فمقتضاه أن عمله حابط باطل، لكن إما أن ينتفي النصيب انتفاء كليا فيكون العمل كفرا، أو ينتفي كمال النصيب فيكون فسقا. الآية الثانية: قوله تعالى: "يؤمنون ": أي: اليهود. "بالجبت" ; أي: السحر كما فسرها عمر بن الخطاب. واليهود كانوا من أكثر الناس ١ سورة البقرة آية: ١٠٢. ٢ سورة النساء آية: ٥١. ٣ سورة البقرة آية: ١٠٢.
[ ١ / ٤٩١ ]
قال عمر: " الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان "١.
_________________
(١) تعلما للسحر وممارسة له، ويدعون أن سليمان ﵇ علمهم إياه، وقد اعتدوا، فسحروا النبي ﷺ قوله: "الطاغوت": أجمع ما قيل فيه: هو ما تجاوز به العبد حده; من معبود، أو متبوع، أو مطاع. ومعنى "من معبود"; أي: بعلمه ورضاه، هكذا قال ابن القيم ﵀، وقد سبق في أول الكتاب٢ التعليق على هذا القول عند قوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٣. الشاهد: قوله: "بالجبت"، حيث فسرها أمير المؤمنين عمررضي الله عنهبأنها السحر. وأما تفسيره الطاغوت بالشيطان; فإنه من باب التفسير بالمثال. والسلف ﵏ يفسرون الآية أحيانا بمثال يحتذى عليه، مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٤. قال بعض المفسرين: الظالم لنفسه: الذي لا يصلي إلا بعد خروج الوقت، والمقتصد: الذي يصلي في آخر الوقت، والسابق بالخيرات: الذي يصلي في أول الوقت. وهذا مثال من الأمثلة، وليس ما تدل عليه الآية على وجه الشمول، ولهذا فسرها بعضهم بأن الظالم لنفسه الذي لا ١ علقه البخاري بصيغة الجزم في (كتاب التفسير، باب إن كنتم مرضى أو على سفر، ووصله ابن جرير في "تفسيره" (٣/١٣، ٥/٨٣) . وقال ابن حجر في "الفتح" (٨/٢٥٢): "وصله عبد بن حميد في "تفسيره" ومسدد في "مسنده" وعبد الرحمن بن رستة في "كتاب الإيمان"; كلهم من طريق أبي إسحاق، عن حسان بن فائد، عن عمر مثله، وإسناده قوي ". ووصله أيضا ابن أبي حاتم وأبو القاسم البغوي; كما في "تفسير ابن كثير" (١/٣١١) . ٢سبق (ص ٢٨) . ٣ سورة النحل آية: ٣٦. ٤ سورة فاطر آية: ٣٢.
[ ١ / ٤٩٢ ]
وقال جابر: " الطواغيت كهان كان ينزل عليهم الشيطان، في كل حي واحد "١.
_________________
(١) يخرج الزكاة، والمقتصد من يخرج الزكاة ولا يتصدق، والسابق بالخيرات من يخرج الزكاة ويتصدق. فتفسير عمررضي الله عنهللطاغوت بالشيطان تفسير بالمثال; لأن الطاغوت أعم من الشيطان; فالأصنام تعتبر من الطواغيت; كما قال تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ ٢ والعلماء والأمراء الذين يضلون الناس يعتبرون طواغيت; لأنهم طغوا وزادوا وفعلوا ما ليس لهم به حق. قوله: " الطواغيت كهان كان ينزل عليهم الشيطان، في كل حي واحد " هذا أيضا من باب التفسير بالمثال، حيث إنه جعل من جملة الطواغيت الكهان. والكاهن; قيل: هو الذي يخبر عما في الضمير. وقيل: الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل. وكان هؤلاء الكهان تنزل عليهم الشياطين بما استرقوا من السمع من السماء، وكان كل حي من أحياء العرب لهم كاهن يستخدم الشياطين، فتسترق له السمع، فتأتي بخبر السماء إليه. وكانوا يتحاكمون إليهم في الجاهلية. والطواغيت ليسوا محصورين في هؤلاء; فتفسير جابررضي الله عنهتفسير بالمثال كتفسير عمر (. ١ علقه البخاري بصيغة الجزم في الموضع السابق. وقال ابن حجر في "الفتح" (٨/٢٥٢): "ووصله ابن أبي حاتم من طريق وهب بن منبه"، ووصله أيضا ابن جرير في "تفسيره" (٣/١٣) . ٢ سورة المائدة آية: ٦٠.
[ ١ / ٤٩٣ ]
وعن أبي هريرةرضي الله عنهأن رسول الله ﷺ قال: " اجتنبوا السبع الموبقات..
_________________
(١) قوله: " اجتنبوا السبع الموبقات " النبي ﷺ أنصح الخلق للخلق; فكل شيء يضر الناس في دينهم ودنياهم يحذرهم منه، ولهذا قال: "اجتنبوا"، وهي أبلغ من قوله: اتركوا; لأن الاجتناب معناه أن تكون في جانب وهي في جانب آخر، وهذا يستلزم البعد عنها. و"اجتنبوا"، أي: اتركوا، بل أشد من مجرد الترك; لأن الإنسان قد يترك الشيء وهو قريب منه، فإذا قيل: اجتنبه; يعني: اتركه مع البعد. وقوله: السبع الموبقات هذا لا يقتضي الحصر; فإن هناك موبقات أخرى، ولكن النبي ﷺ يحصر أحيانا بعض الأنواع والأجناس، ولا يعني بذلك عدم وجود غيرها. ومن ذلك حديث: " السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله "١ فهناك غيرهم، ومثله: " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة "٢ وأمثلة هذا كثيرة، وإن قلنا ١ حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ; أنه قال: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله -﷿-، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها; حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ". أخرجه: البخاري في (الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، ١/٢١٩)، ومسلم في (الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، ٢/٧١٥) . ٢حديث أبي ذر: أن النبي ﷺ قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات. قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب. أخرجه: مسلم في (الإيمان، باب غلظ تحريم إسبال الإزار، ١/١٠٢) .
[ ١ / ٤٩٤ ]
قالوا: يا رسول الله! وما هن؟
_________________
(١) بدلالة حديث أبي هريرة في الباب على الحصر لكونه وقع ب "أل" المعرفة; فإنه حصرها لأن هذه أعظم الكبائر. قوله: "قالوا: يا رسول الله! وما هن؟ ": كان الصحابة ﵃ أحرص الناس على العلم، والنبي ﷺ إذا ألقى إليهم الشيء مبهما طلبوا تفسيره وتبيينه، فلما حذرهم النبي ﷺ من السبع الموبقات قالوا ذلك لأجل أن يجتنبوهن، فأخبرهم، وعلى هذه القاعدة أن الصحابة ﵃ أحرص الناس على العلم، لكن ما كانت الحكمة في إخفائه; فإن النبي ﷺ لا يخبرهم; كقوله ﷺ " إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة "١٢ ولم يرد تبيينها عن النبي ﷺ في حديث صحيح. وقد حاول بعض الناس أن يصحح حديث سرد الأسماء التسعة والتسعين٣ ولم يصب، بل نقل شيخ الإسلام اتفاق أهل المعرفة في ١ البخاري: الشروط (٢٧٣٦)، ومسلم: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (٢٦٧٧)، والترمذي: الدعوات (٣٥٠٨)، وابن ماجه: الدعاء (٣٨٦٠)، وأحمد (٢/٤٢٧،٢/٤٩٩،٢/٥٠٣،٢/٥١٦) . ٢ أخرجه: البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧) عن أبي هريرة ﵁. ٣أخرجه: الترمذي في (الدعوات، باب أسماء الله، ٩/١٧٣) - وقال: "غريب"-، وابن حبان (٢٣٨٤)، والحاكم (١/١٦)، والبيهقي في "السنن" (١٠/٢٧)، وفي "الأسماء والصفات" (ص ٥)، والبغوي في "شرح السنة" (٥/٣٢، ٣٣) . قال البيهقي في "الأسماء والصفات" (ص ٨): "ويحتمل أن يكون التفسير - أي: تفسير الأسماء - وقع من بعض الرواة، وكذلك في الحديث الوليد بن مسلم، ولهذا الاحتمال ترك البخاري ومسلم إخراج حديث الوليد في الصحيح". وقال شيخ الإسلام (٢٢/٣٨٢): "وحفاظ أهل الحديث يقولون: هذه الزيادة مما جمعه الوليد بن مسلم عن شيوخه من أهل الحديث، وفيها حديث أضعف من هذا رواه ابن ماجه". وقال ابن حزم في "المحلي" (٨/٣١): "وقد جاءت أحاديث في إحصاء التسعة والتسعين اسما مضطربة لا يصح منها شيء أصلا; فإنما تؤخذ من نص القرآن، ومما صح عن النبي ﷺ". وانظر: "تفسير ابن كثير" (٢/ ٢٦٩)، و"فتح الباري" (١١/٢١٥) . وأخرجه أيضا: ابن ماجه بزيادة ونقصان في "الأسماء والصفات" في (الدعاء، باب أسماء الله -﷿-، ٢/١٢٦٩) . وقال البوصيري في "الزوائد": "إسناد طريق ابن ماجه ضعيف; لضعف عبد الملك الصنعاني". وأخرجه أيضا: الحاكم (١/١٧)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (ص ٧) . وضعفه الذهبي، وكذا البيهقي بعبد العزيز بن الحصين بن الترجمان، وكذا ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٤/١٧٢) .
[ ١ / ٤٩٥ ]
_________________
(١) الحديث على أن عدها وسردها لا يصح عن النبي ﷺ وصدق ﵀ بدليل الاختلاف الكبير فيها. فمن حاول تصحيح هذا الحديث; قال: إن الثواب عظيم، " من أحصاها دخل الجنة " ; فلا يمكن للصحابة أن يفوتوه، فلا يسألوا عن تعيينها فدل هذا على أنها قد عينت من قبل النبي ﷺ لكن يجاب عن ذلك بأنه ليس بلازم، ولو عينها النبي ﷺ لكانت هذه الأسماء التسع والتسعين معلومة للعالم أشد من علم الشمس، ولنقلت في "الصحيحين" وغيرهما; لأن هذا مما تدعو الحاجة إليه، وتلح بحفظه والعناية به; فكيف لا يأتي إلا عن طرق واهية وعلى صور مختلفة؟! فالنبي ﷺ لم يبينها لحكمة بالغة، وهي أن يطلبها الناس ويتحروها في كتاب الله وسنة رسوله الله ﷺ حتى يعلم الحريص من غير الحريص. كما لم يبين النبي ﷺ ساعة الإجابة يوم الجمعة، والعلماء اختلفوا في حديث أبي موسى الذي في مسلم; حيث قال فيه: " هي ما بين أن يخرج الإمام إلى أن تقضى الصلاة " ١ فإن بعضهم صححه وبعضهم ضعفه، ١ حديث أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ﵁; قال: قال عبد الله بن عمر ﵄: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله ﷺ في شأن ساعة الجمعة؟ قال: قلت: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة". أخرجه: مسلم في (الجمعة، باب في الساعة التي في يوم الجمعة، ٢/٦٨٤) . وانظر: "فتح الباري" (٢/٤١٧- ٤٢٢، ١١/١٩٩) .
[ ١ / ٤٩٦ ]
قال: الشرك بالله ١
_________________
(١) لكن هو عندي صحيح; لأن علة التضعيف فيه واهية، والحال تؤيد صحته; لأن الناس مجتمعون أكبر اجتماع في البلد على صلاة مفروضة; فيكون هذا الوقت في هذه الحال حريا بإجابة الدعاء، وكذلك ليلة القدر لم يبينها النبي ﷺ مع أنها من أهم ما يكون. وقوله: "الموبقات": أي: المهلكات، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ ٢ ; أي: مكان هلاك. وقوله: "قالوا: يا رسول الله! وما هن؟ ": سألوا عن تبيينها، وبه تتبين الفائدة من الإجمال، وهي أن يتطلع المخاطب لبيان هذا المجمل; لأنه إذا جاء مبينا من أول وهلة; لم يكن له التلقي والقبول كما إذا أجمل ثم بين. وقوله: "وما هن": "ما": اسم استفهام مبتدأ، و"هن": خبر المبتدأ. وقيل: بالعكس، "ما": خبر مقدم وجوبا; لأن الاستفهام له الصدارة، و"هن": مبتدأ مؤخر. لأن "هن" ضمير معرفة، و"ما" نكرة، والقاعدة المتبعة أنه يخبر بالنكرة عن المعرفة ولا عكس. قوله: "قال: الشرك بالله": قدمه لأنه أعظم الموبقات; فإن أعظم الذنوب أن تجعل لله ندا وهو خلقك. والشرك بالله يتناول الشرك بربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه أو صفاته. فمن اعتقد أن مع الله خالقا أو معينا; فهو مشرك، أو أن أحدا سوى الله يستحق أن يعبد; فهو مشرك وإن لم يعبده، فإن عبده; فهو أعظم، أو أن لله مثيلا في أسمائه; فهو مشرك، أو أن الله استوى على العرش كاستواء الملك على عرش مملكته; فهو مشرك، أو أن الله ينزل إلى السماء الدنيا كنزول الإنسان إلى أسفل بيته من أعلى; فهو مشرك. ١ البخاري: الوصايا (٢٧٦٧)، ومسلم: الإيمان (٨٩)، والنسائي: الوصايا (٣٦٧١)، وأبو داود: الوصايا (٢٨٧٤) . ٢ سورة الكهف آية: ٥٢.
[ ١ / ٤٩٧ ]
والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق
_________________
(١) قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ٢. وبين ﷺ أن الشرك أعظم ما يكون من الجناية والجرم بقوله حين سئل: أي الذنب أعظم: " أن تجعل لله ندا وهو خلقك "٣٤ فالذي خلقك وأوجدك وأمدك وأعدك ورزقك كيف تجعل له ندا؟ فلو أن أحدا من الناس أحسن إليك بما دون ذلك، فجعلت له نظيرا; لكان هذا الأمر بالنسبة إليه كفرا وجحودا. قوله: والسحر: أي من الموبقات، وظاهر كلام النبي ﷺ أنه لا فرق بين أن يكون ذلك بواسطة الشياطين أو بواسطة الأدوية والعقاقير. لأنه إن كان بواسطة الشياطين; فالذي لا يأتي إلا بالإشراك بهم; فهو داخل في الشرك بالله. وإن كان دون ذلك; فهو أيضا جرم عظيم; لأن السحر من أعظم ما يكون في الجناية على بني آدم; فهو يفسد على المسحور أمر دينه ودنياه، ويقلقه فيصبح كالبهائم، بل أسوأ من ذلك; لأن البهيمة خلقت هكذا على طبيعتها، أما الآدمي; فإنه إذا صرف عن طبيعته وفطرته لحقه من الضيق والقلق ما لا يعلمه إلا رب العباد، ولهذا كان السحر يلي الشرك بالله عزوجل قوله: " وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ": القتل: إزهاق ١ سورة النساء آية: ٤٨. ٢ سورة المائدة آية: ٧٢. ٣ البخاري: تفسير القرآن (٤٤٧٧)، ومسلم: الإيمان (٨٦)، والترمذي: تفسير القرآن (٣١٨٢،٣١٨٣)، والنسائي: تحريم الدم (٤٠١٣،٤٠١٤)، وأبو داود: الطلاق (٢٣١٠)، وأحمد (١/٣٨٠،١/٤٣١،١/٤٣٤،١/٤٦٢،١/٤٦٤) . ٤ حديث عبد الله بن مسعود ﵁; قال: سألت النبي ﷺ: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل لله نذا وهو خلقك " الحديث. أخرجه: البخاري في (التفسير، باب قوله تعالى: فلا تجعلوا لله أندادا، ٣/١٩٠)، ومسلم في (الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب، ١/٩٠) .
[ ١ / ٤٩٨ ]
_________________
(١) الروح، والمراد بالنفس: البدن الذي فيه الروح، والمراد بالنفس هنا: نفس الآدمي وليس نفس البعير والحمار وما أشبهها. وقوله: "التي حرم الله": مفعول "حرم" محذوف تقديره: حرم قتلها; فالعائد على الموصول محذوف. وقوله: "إلا بالحق" أي: بالعدل; لأن هذا حكم، والحق إذا ذكر بإزاء الأحكام; فالمراد به العدل، وإن ذكر بإزاء الأخبار; فالمراد به الصدق، والعدل: هو ما أمر الله به ورسوله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ ١. والنفس المحرمة أربعة أنفس، هي: نفس المؤمن، والذمي، والمعاهد، والمستأمن; بكسر الميم: طالب الأمان. فالمؤمن لإيمانه، والذمي لذمته، والمعاهد لعهده، والمستأمن لتأمينه. والفرق بين الثلاثة - الذمي، والمعاهد، والمستأمن -: أن الذمي هو الذي بيننا وبينه ذمة; أي: عهد على أن يقيم في بلادنا معصوما مع بذل الجزية. وأما المعاهد; فيقيم في بلاده، لكن بيننا وبينه عهد أن لا يحاربنا ولا نحاربه. وأما المستأمن; فهو الذي ليس بيننا وبينه ذمة ولا عهد، لكننا أمناه في وقت محدد; كرجل حربي دخل إلينا بأمان للتجارة ونحوها، أو ليفهم الإسلام، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ ٢ وهناك فرق آخر، وهو أن العهد يجوز من جميع الكفار، والذمة لا تجوز إلا من اليهود والنصارى والمجوس دون بقية الكفار، وهذا هو المشهور من المذهب، والصحيح: أنها تجوز من جميع الكفار. ١ سورة النحل آية: ٩٠. ٢ سورة التوبة آية: ٦.
[ ١ / ٤٩٩ ]
وأكل الربا ١،
_________________
(١) فهذه الأنفس الأربع قتلها حرام، لكنها ليست على حد سواء في التحريم; فنفس المؤمن أعظم، ثم الذمي، ثم المعاهد، ثم المستأمن. وهل المستأمن مثل المعاهد أو أعلى؟ أشك في ذلك; لأن المستأمن من له عهد خاص، بخلاف المعاهدين; فالمعاهدون يتولى العهد أهل الحل والعقد منهم; فليس بيننا وبينهم عقود تأمينات خاصة، وأيا كان; فالحديث عام، وكل منهم معصوم الدم والمال. وقوله: "إلا بالحق": أي: مما يوجب القتل، مثل: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة. قوله: (وأكل الربا): الربا في اللغة: الزيادة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ ٢ ; يعني: زادت. وفي الشرع: تفاضل في عقد بين أشياء يجب فيها التساوي، ونسأ في عقد بين أشياء يجب فيها التقابض. والربا: ربا فضل; أي: زيادة، وربا نسيئة; أي: تأخير، وهو يجري في ستة أموال بينها الرسول ﷺ في قوله: " الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح "٣ فهذه هي الأموال الربوية بنص الحديث وإجماع المسلمين، وهذه الأصناف الستة إن بعت منها جنسا بمثله جرى فيه ربا الفضل وربا النسيئة، فلو زدت واحدا على آخر; فهو ربا فضل، أو سويته لكن أخرت القبض; فهو ربا نسيئة، وربما يجتمع النوعان كما لو بعت ذهبا بذهب متفاضلا ١ البخاري: الوصايا (٢٧٦٧)، ومسلم: الإيمان (٨٩)، والنسائي: الوصايا (٣٦٧١)، وأبو داود: الوصايا (٢٨٧٤) . ٢ سورة الحج آية: ٥. ٣ مسلم: المساقاة (١٥٨٧)، والترمذي: البيوع (١٢٤٠)، والنسائي: البيوع (٤٥٦١)، وابن ماجه: التجارات (٢٢٥٤)، وأحمد (٥/٣١٤،٥/٣٢٠)، والدارمي: البيوع (٢٥٧٩) .
[ ١ / ٥٠٠ ]
_________________
(١) والقبض متأخر; فقد اجتمع في هذا العقد ربا الفضل وربا النسيئة، وعلى هذا، فإذا بعت جنسا بجنسه; فلا بد من أمرين: التساوي، والتقابض في مجلس العقد. وإذا اختلفت الأجناس واتفقت العلة; أي: اتفق المقصود في العوضين; فإنه يجري ربا النسيئة دون ربا الفضل; فذهب بفضة متفاضلا مع القبض جائز، وذهب بفضة متساويا مع التأخير ربا لتأخر القبض. قال ﷺ " فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد "١٢. وقولنا: اتفقا في الغرض والمقصود احترازا مما إذا اختلف الغرض منها. فالذهب مثلا ثمن للأشياء، والفضة ثمن للأشياء، والبر قوت. وعلى هذا يجوز بيع صاع ثمن البر بدينار من الذهب مع التفرق وعدم التساوي لاختلاف القصد; لأن هذا يقصد به النقد والثمنية، وهذا يقصد به القوت. فإن قيل: الحديث يدل على أنه لا يصح إلا بالقبض; فما هو الجواب؟ نقول: حقيقة إن هذا مقتضى الحديث أنك إذا بعت ذهبا ببر وجب التقابض; لقوله ﷺ " فإذا اختلفت هذه الأصناف; فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد "٣٤. والجواب عن هذا أن نقول: قد دلت السنة من وجه آخر على أن ١ مسلم: المساقاة (١٥٨٧)، وأحمد (٥/٣٢٠) . ٢ سبق من حديث عبادة بن الصامت. ٣ مسلم: المساقاة (١٥٨٧)، وأحمد (٥/٣٢٠) . ٤ سبق من حديث عبادة بن الصامت.
[ ١ / ٥٠١ ]
_________________
(١) القبض ليس بشرط فيما إذا كان أحدهما ثمنا، قال ابن عباس: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين; فقال: " من أسلف في شيء; فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم " ١. وعلى هذا; فحديث: " فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد "٢ لا عموم لمفهومه; فلا يشترط القبض في كل صورة من صور المخالفة، وإنما يشترط القبض فيما إذا اتفقا في الغرض; كذهب بفضة، أو بر بشعير، وأما ذهب أو فضة بشعير ونحوه; فلا يشترط القبض. واختلف العلماء فيما عدا هذه الأصناف الستة; فالظاهرية قالوا: لا يجري الربا إلا في هذه الأصناف الستة; لأنهم لا يرون القياس، فيقتصر على ما جاء به النص، فيجوز عندهم مبادلة أرز بذرة متفاضلا مع تأخر القبض; لأنهما لا يدخلان في المنصوص عليه. وأما أهل القياس من المذاهب الأربعة; فإنهم عدوا الحكم إلى غيرها، إلا أن بعضا منهم لم يعد الحكم إلى غيرها، وهو من أهل القياس، مثل ابن عقيل ﵀; فإنه قال: لا يجري الربا إلا في هذه الأصناف الستة، لا لأنه لا قياس، ولكن لأن العلماء اختلفوا واضطربوا في العلة التي من أجلها كان الربا، فلما اضطربوا في العلة ألغينا جميع هذه العلل، وأبقينا النص على ما هو عليه من الحصر في المنصوص عليه. والصحيح أن الربا يجري في غير الأصناف الستة، وأن العلة هي ١ اخرجه: البخاري في (السلم، باب السلم في وزن معلوم، ٢/١٢٤)، ومسلم في (المساقاة، باب السلم، ٣/١٢٢٧) ; من حديث ابن عباس ﵄. ٢ مسلم: المساقاة (١٥٨٧)، وأحمد (٥/٣٢٠) .
[ ١ / ٥٠٢ ]
وأكل مال اليتيم
_________________
(١) الكيل والادخار مع الطعم، وهو أن يكون قوتا مدخرا، وهذا بالنسبة للبر والتمر والشعير. وبالنسبة للذهب والفضة: العلة هي الجنس والثمنية، فقولنا: "الجنس" لأجل أن يشمل الحلي إذا بيع بعضه ببعض، فيجري فيه الربا، مع أنه ليس بثمن، والثمنية مثل الدراهم والدنانير والأوراق النقدية المعروفة; فإنها بمنزلة الذهب والفضة، أو يقال: العلة الثمنية فقط والحلي خارج عن الثمنية خروجا طارئا; لأن التحلي طارئ، والأصل في الذهب والفضة الثمنية; لأنهما ثمن الأشياء. وأما الملح; فقال شيخ الإسلام: إنه يصلح به القوت; أي: فهو تابع له; فالعلة ليس أنه قوت، لكنه من ضرورياته، ولهذا لو طحنت برا ولم يكن فيه ملح; لم يبق إلا أياما يسيرة، فيفسد، فإذا كان فيه الملح منعه من الفساد; فيقول: لما كان يصلح به القوت جعل له حكمه. وقوله: "وأكل الربا": ذكر النبي ﷺ الأكل; لأنه أعم وجوه الانتفاع، هكذا قال أهل العلم، ولهذا قال تعالى في بني إسرائيل: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ ١ ولم يقل أكلهم، والأخذ أعم من الأكل; فأكل الربا معناه أخذه، سواء استعمله في الأكل أو الفرش أو البناء أو المسكن أو غير ذلك. قوله: " " وأكل مال اليتيم "٢ ": اليتيم: هو الذي مات أبوه قبل بلوغه، سواء كان ذكرا أم أنثى، أما من ماتت أمه قبل بلوغه; فليس يتيما لا شرعا ولا لغة. لأن اليتيم مأخوذ من اليتم، وهو الانفراد; أي: انفرد عن الكاسب له; لأن أباه هو الذي يكسب له. وخص اليتيم; لأنه لا أحد يدافع عنه; ولأنه أولى أن يرحم، ولهذا ١ سورة النساء آية: ١٦١. ٢ البخاري: الوصايا (٢٧٦٧)، ومسلم: الإيمان (٨٩)، والنسائي: الوصايا (٣٦٧١)، وأبو داود: الوصايا (٢٨٧٤) .
[ ١ / ٥٠٣ ]
والتولي يوم الزحف ١
_________________
(١) جعل الله له حقا في الفيء، وإذا كان أحق أن يرحم; فكيف يسطو هذا الرجل الظالم على ماله فيأكله;! ويقال في أكل مال اليتيم ما قيل في أكل الربا; فليس خاصا بالأكل، بل حتى لو استعمله في السكن أو الفرش أو الكتب أو غيرها; فهو داخل في ذلك. وأكل مال غير اليتيم ليس من الكبائر; لأن اليتيم له شأن خاص، ولهذا توعد الله من يأكل أموال اليتامي، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ ٢. قوله: " والتولي يوم الزحف " التولي: بمعنى الإدبار والإعراض، ويوم الزحف; أي: يوم تلاحم الصفين في القتال مع الكفار، وسمي يوم الزحف; لأن الجموع إذا تقابلت تجد أن بعضها يزحف إلى بعض، كالذي يمشي زحفا كل واحد منهم يهاب الآخر، فيمشي رويدا رويدا. والتولي يوم الزحف من كبائر الذنوب; لأنه يتضمن الإعراض عن الجهاد في سبيل الله، وكسر قلوب المسلمين، وتقوية أعداء الله، وهذا يؤدي إلى هزيمة المسلمين. لكن هذا الحديث خصصته الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ٣. فالله سبحانه استثنى حالين: الأولى: أن يكون متحرفا لقتال; أي: متهيئا له، كمن ينصرف ليصلح من شأنه أو يهيئ الأسلحة ويعدها، ومنه الانحراف إلى مكان آخر يأتي العدو من جهته، فهذا لا يعد متوليا، إنما يعد متهيئا. ١ البخاري: الوصايا (٢٧٦٧)، ومسلم: الإيمان (٨٩)، والنسائي: الوصايا (٣٦٧١)، وأبو داود: الوصايا (٢٨٧٤) . ٢ سورة النساء آية: ١٠. ٣ سورة الأنفال آية: ١٦.
[ ١ / ٥٠٤ ]
وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات "١.
_________________
(١) الثانية: المتحيز إلى فئة كما إذا حصرت سرية للمسلمين يمكن أن يقضي عليها العدو، فانصرف من هؤلاء لينقذها; فهذا لا بأس به لدعاء الضرورة إليه، بشرط ألا يكون على الجيش ضرر، فإن كان على الجيش ضرر وذهبت طائفة كبيرة إلى هذه السرية بحيث توهن قوة الجيش وتكسره أمام العدو; فإنه لا يجوز; لأن الضرر هنا متحقق، وإنقاذ السرية غير متحقق; فلا يجوز لأن المقصود إظهار دين الله، وفي هذا إذلال لدين الله، إلا إذا كان الكفار أكثر من مثلي المسلمين، فيجوز الفرار حينئذ، لقوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ ٢ أو كان عندهم عدة لا يمكن للمسلمين مقاومتها، كالطائرات إذا لم يكن عند المسلمين من الصواريخ ما يدفعها، فإذا علم أن الصمود يستلزم الهلاك والقضاء على المسلمين; فلا يجوز لهم أن يبقوا; لأن مقتضى ذلك أنهم يغررون بأنفسهم. وفي هاتين الآيتين تخصيص السنة بالكتاب، وهو قليل، ومن تخصيص السنة بالكتاب أن من الشروط التي بين النبي ﷺ والمشركين في الحديبية أن من جاء من المشركين مسلما يرد إليهم٣، وهذا الشرط عام يشمل الذكر والأنثى; فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ ٤. قوله: " وقذف المحصنات "٥ القذف: بمعنى الرمي، والمراد به هنا ١ البخاري: الوصايا (٢٧٦٧)، ومسلم: الإيمان (٨٩)، والنسائي: الوصايا (٣٦٧١)، وأبو داود: الوصايا (٢٨٧٤) . ٢ سورة الأنفال آية: ٦٦.
(٢) أخرجه: البخاري في (المغازي، باب غزوة الحديبية، ٣/١٣١) . ٤ سورة الممتحنة آية: ١٠. ٥ البخاري: الوصايا (٢٧٦٧)، ومسلم: الإيمان (٨٩)، والنسائي: الوصايا (٣٦٧١)، وأبو داود: الوصايا (٢٨٧٤) .
[ ١ / ٥٠٥ ]
_________________
(١) الرمي بالزنا، والمحصنات هنا الحرائر، وهو الصحيح، وقيل: العفيفات عن الزنا. والغافلات: وهن: العفيفات عن الزنا البعيدات عنه، اللاتي لا يخطر على بالهن هذا الأمر. والمؤمنات احترازا من الكافرات، فمن قذف امرأة هذه صفاتها; فإن ذلك من الموبقات، ومع ذلك يقام عليه الحد - ثمانون جلدة -، ولا تقبل شهادته ويكون فاسقا; فجعل الله عليه ثلاثة أمور، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ١ ثم قال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ ٢. وهذا الاستثناء لا يشمل أول الجمل بالاتفاق، ويشمل آخر الجمل بالاتفاق، واختلف العلماء في الجملة الثانية، وهي قوله: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ ٣ فقيل: إنه يعود إليها، وقيل: لا يعود. وبناء على ذلك إذا تاب القاذف: هل تقبل شهادته أم لا. الجواب: اختلف في ذلك أهل العلم: فمنهم من قال: لا تقبل شهادته أبدا ولو تاب، وأيدوا قولهم بأن الله أبد ذلك بقوله: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ ٤ وفائدة هذا التأبيد أن الحكم لا يرتفع عنهم مطلقا. وقال آخرون: بل تقبل; لأن مبنى قبول الشهادة وردها على الفسق، فإذا زال وهو المانع من قبول الشهادة; زال ما يترتب عليه. وينبغي في مثل هذا أن يقال: إنه يرجع إلى نظر الحاكم، فإذا رأى من المصلحة عدم قبول الشهادة لردع الناس عن التهاون بأعراض ١ سورة النور آية: ٤. ٢ سورة آل عمران آية: ٨٩. ٣ سورة النور آية: ٤. ٤ سورة النور آية: ٤.
[ ١ / ٥٠٦ ]
وعن جندب مرفوعا: " حد الساحر ضربة بالسيف "١ رواه
_________________
(١) المسلمين; فليفعل. وإلا، فالأصل أنه إذا زال الفسق وجب قبول الشهادة، وهل قذف المحصنين الغافلين المؤمنين كقذف المحصنات من كبائر الذنوب؟ الجواب: الذي عليه جمهور أهل العلم أن قذف الرجل كقذف المرأة، وإنما خص بذلك المرأة; لأن الغالب أن القذف يكون للنساء أكثر; إذ البغايا كثيرات قبل الإسلام، وقذف المرأة أشد; لأنه يستلزم الشك في نسب أولادها من زوجها، فيلحق بهن القذف ضررا أكثر; فتخصيصه من باب التخصيص بالغالب، والقيد الأغلبي لا مفهوم له; لأنه لبيان الواقع. والشاهد من هذا الحديث قوله السحر. قوله: "وعن جندب": ليس هو جندب بن عبد الله البجلي، بل جندب الخير المعروف بقاتل الساحر. قوله: "مرفوعا": أي: إلى النبي ﷺ فيكون من قول النبي ﵊، لكن نقل المؤلف عن الترمذي قوله: والصحيح أنه موقوف، أي: من قوله جندب. قوله: " حد الساحر ضربة بالسيف ": حده يعني: عقوبته المحددة شرعا. وظاهره أنه لا يكفر; لأن الحدود تطهر المحدود من الإثم. والكافر إذا قتل على ردته; فالقتل لا يطهره. وهذا محمول على ما سبق: أن من أقسام السحر ما لا يخرج الإنسان عن الإسلام، وهو ما كان بالأدوية والعقاقير التي توجب الصرف والعطف وما أشبه ذلك. ١ الترمذي: الحدود (١٤٦٠) .
[ ١ / ٥٠٧ ]
الترمذي، وقال: " الصحيح أنه موقوف"١.
وفي " صحيح البخاري" عن بجالة بن عبدة" قال: " كتب
_________________
(١) قوله: " ضربة بالسيف ": روي بالتاء بعد الباء، وروي بالهاء، وكلاهما صحيح، لكن الأولى أبلغ; لأن التنكير وصيغة الوحدة يدلان على أنها ضربة قوية قاضية. هذا كناية عن القتل، وليس معناه أن يضرب بالسيف مع ظهره مصفحا. قوله: وفي "صحيح البخاري": ذكر في الشرح أعني "تيسير العزيز الحميد": أن هذا اللفظ ليس في "البخاري"، والذي في "البخاري" أنه: " "أمر بأن يفرق بين كل ذي محرم من المجوس" "٢ لأنهم يجوزون نكاح المحارم - والعياذ بالله - فأمر عمر أن يفرق بين ذوي الرحم ورحمه، لكن ذكر الشارح صاحب "تيسير العزيز الحميد" أن القطيعي رواه في الجزء الثاني من "فوائده"، وفيه "ثم اقتلوا كل كاهن وساحر"، وقال (أي: الشارح): إسناده حسن. قال وعلى هذا فعزو المصنف إلى البخاري يحتمل أنه أراد أصله لا لفظه اهـ. ١ أخرجه: الترمذي في (الحدود، باب ما جاء في الساحر، ٥/١٥٦)، وقال: "هذا حديث لا نعرفه مرفوعا; إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث، وإسماعيل بن مسلم العدوي البصري قال وكيع: هو ثقة، ويروي عن الحسن أيضا، والصحيح عن جندب موقوف". والحديث أخرجه أيضا: الطبراني في "الكبير" (رقم ١٦٦٥)، والدارقطني (٣/١١٤)، والحاكم (٤/٣٦٠) . (وصححه ووافقه الذهبي)، والبيهقي (٨/١٣٦) . وأخرجه من طريق إسماعيل عن الحسن مرسلا: عبد الرزاق (١٠/١٨٤)، وابن حزم في "المحلى" (١١/٣٩٦) . والحديث ضعفه ابن حجر في "الفتح" (١٠/٢٣٦)، ورجح الذهبي في "الكبائر" وقفه (ص ٤٢) .
(٢) صحيح البخاري" (كتاب الجزية، باب الجزية والموادعة، ٢/٤٠٦) .
[ ١ / ٥٠٨ ]
عمر بن الخطابرضي الله عنهأن اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال: فقتلنا ثلاث سواحر "١.
وصح عن " حفصة رضي اللة عنها; أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقتلت "٢. وكذلك صح عن جندب٣.
_________________
(١) وهذا القتل هل هو حد أم قتله لكفره؟ يحتمل هذا وهذا بناء على التفصيل السابق٤ في كفر الساحر، ولكن بناء على ما سبق من التفصيل نقول: من خرج به السحر إلى الكفر فقتله قتل ردة، ومن لم يخرج به السحر إلى الكفر فقتله من باب دفع الصائل يجب تنفيذه حيث رآه الإمام. والحاصل: أنه يجب أن نقتل السحرة، سواء قلنا بكفرهم أم لم نقل; لأنهم يمرضون ويقتلون، ويفرقون بين المرء وزوجه، وكذلك بالعكس; فقد يعطفون فيؤلفون بين الأعداء، ويتوصلون إلى أغراضهم; فإن بعضهم قد يسحر أحدا ليعطفه إليه وينال مأربه منه، كما لو سحر امرأة ليبغي بها، ولأنهم كانوا يسعون في الأرض فسادا; فكان واجبا على ولي الأمر قتلهم بدون استتابة ما دام أنه لدفع ضررهم وفظاعة أمرهم، فإن الحد لا يستتاب صاحبه، متى قبض عليه وجب أن ينفذ فيه الحد. ١ أخرجه: الشافعي; كما في "بدائع المنن" (١٥٣٢)، وعبد الرزاق (١٠/١٧٩، ١٨٠)، وأحمد في "المسند" (١/١٩٠، ١٩١)، وأبو داود في (الخراج، باب أخذ الجزية من المجوس، ٣/٤٣١)، والبيهقي (٨/١٣٦)، وابن حزم (١١/٣٩٧) وصححه.
(٢) أخرجه: مالك في "الموطأ" (كتاب العقول، باب ما جاء في الغيلة والسحر، ٢/٨٧١) عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بلاغا. ووصله عبد الله بن الإمام في "مسائل أبيه" (ص ٤٢٧)، والبيهقي (٨/١٣٦) بسند صحيح، كما صححه الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بقوله: وصح عن حفصة ". ٣ أخرجه: البخاري في "التاريخ الكبير" (٢/٢٢٢)، والبيهقي (٨/١٣٦) . وسنده صحيح; كما صححه الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀. ٤ ص ٤٩٠) .
[ ١ / ٥٠٩ ]
قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية البقرة.
الثانية: تفسير آية النساء.
_________________
(١) قوله: "قال أحمد عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ": وهم: عمر، وحفصة، وجندب الخير١ أي: صح قتل الساحر عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ والقول بقتلهم موافق للقواعد الشرعية; لأنهم يسعون في الأرض فسادا، وفسادهم من أعظم الفساد; فقتلهم واجب على الإمام، ولا يجوز للإمام أن يتخلف عن قتلهم; لأن مثل هؤلاء إذا تركوا وشأنهم انتشر فسادهم في أرضهم وفي أرض غيرهم، وإذا قتلوا سلم الناس من شرهم، وارتدع الناس عن تعاطي السحر. فيه مسائل: · الأولى: تفسير آية البقرة: وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ٢ أي: نصيب، ومن لا خلاق له في الآخرة; فإنه كافر; إذ كل من له نصيب في الآخرة فإن مآله إلى الجنة. · الثانية: تفسير آية النساء: وهي قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ﴾ ٣ ١ سبق (ص ٥٠٩) . ٢ سورة البقرة آية: ١٠٢. ٣ سورة النساء آية: ٥١.
[ ١ / ٥١٠ ]
الثالثة: تفسير الجبت والطاغوت والفرق بينهما.
الرابعة: أن الطاغوت قد يكون من الجن وقد يكون من الإنس.
الخامسة: معرفة السبع الموبقات المخصوصات بالنهي.
السادسة: أن الساحر يكفر.
السابعة: أنه يقتل ولا يستتاب.
_________________
(١) والطاغوت﴾، وفسر عمر الجبت بالسحر والطاغوت بالشيطان، وفسر بأن الجبت: كل ما لا خير فيه من السحر وغيره. وأما الطاغوت; فهو: كل ما تجاوز به الإنسان حده من معبود أو متبوع أو مطاع. الثالثة: تفسير الجبت والطاغوت والفرق بينهما: وهذا بناء على تفسير عمر (. الرابعة: أن الطاغوت قد يكون من الجن، وقد يكون من الإنس: تؤخذ من قول جابر: الطواغيت كهان، وكذلك قول عمر: الطاغوت الشيطان، فإن الطاغوت إذا أطلق; فالمراد به شيطان الجن، والكهان شياطين الإنس. الخامسة: معرفة السبع الموبقات المخصوصات بالنهي: وقد سبق بيانها. السادسة: أن الساحر يكفر: تؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ ١ الآية. السابعة: أنه يقتل ولا يستتاب: يؤخذ من قوله: " حد الساحر ١ سورة البقرة آية: ١٠٢.
[ ١ / ٥١١ ]
الثامنة: وجود هذا في المسلمين على عهد عمر; فكيف فيما بعده؟!
_________________
(١) ضربة بالسيف "١٢، والحد إذا بلغ الإمام لا يستتاب صاحبه، بل يقتل بكل حال، أما الكفر; فإنه يستتاب صاحبه، وهذا هو الفرق بين الحد وبين عقوبة الكفر، وبهذا نعرف خطأ من أدخل حكم المرتد في الحدود، وذكروا من الحدود قتل الردة. فقتل المرتد ليس من الحدود; لأنه يستتاب، فإذا تاب ارتفع عنه القتل، وأما الحدود; فلا ترتفع بالتوبة إلا أن يتوب قبل القدرة عليه، ثم إن الحدود كفارة لصاحبها وليس بكافر، والقتل بالردة ليس كفارة وصاحبها كافر; لا يصلى عليه، ولا يغسل، ولا يدفن في مقابر المسلمين. الثامنة: وجود هذا في المسلمين في عهد عمر; فكيف فيما بعده؟!: تؤخذ من قوله: " كتب عمر: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة; " فهذا إذا كان في زمن الخليفة الثاني في القرون المفضلة، بل أفضلها; فكيف بعده من العصور التي بعدت عن وقت النبي ﷺ وخلفائه وأصحابه؟! فهو أكثر انتشارا بين المسلمين، وكلما بعد الناس عن زمن الرسالة استولت عليهم الضلالة والجهالة; فالضلالة: ارتكاب الخطأ عن جهل، والجهالة: ارتكاب الخطأ عن عمد، ولهذا نقول: من عمل سوءا بجهالة; فهو آثم، ومن عمل سوءا بجهل; فليس بآثم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ ٣ الآية، والمراد بالجهالة هنا ليست ضد العلم، بل ضد الرشد، وهي السفه. ١ الترمذي: الحدود (١٤٦٠) . ٢ سبق (ص ٥٠٨) . ٣ سورة النساء آية: ١٧.
[ ١ / ٥١٢ ]