[شرح قوله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾]
وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذريات:٥٦] الآية.
_________________
(١) وقد ذكر المؤلف ﵀ في هذه الترجمة عدة آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذريات:٥٦] . قوله: ﴿إلا ليعبدون﴾ استثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي: ما خلقت الجن والإنس لأي شيء إلا للعبادة. واللام في قوله: ﴿إلا ليعبدون﴾ للتعليل، وهذا التعليل لبيان الحكمة من الخلق، وليس التعليل الملازم للمعلول; إذ لو كان كذلك؛ للزم أن يكون الخلق كلهم عبادا لله يتعبدون له، وليس الأمر كذلك. فهذه العلة غائية، وليست موجبة. فالعلة الغائية لبيان الغاية والمقصود من هذا الفعل، لكنها قد تقع، وقد لا تقع مثل: بريتُ القلم لأكتب به، فقد تكتب، وقد لا تكتب. والعلة الموجبة معناها: أن المعلول مبني عليها، فلا بد أن تقع، وتكون سابقة للمعلول، وملازمة له. مثل: انكسر الزجاج لشدة الحر. قوله: ﴿خلقت﴾ أي: أوجدت، وهذا الإيجاد مسبوق بتقدير، وأصل الخلق التقدير. قال الشاعر: ولأنت تفري ما خلقت وبعض الناس يخلق ثم لا يفري
[ ١ / ٢٥ ]
قوله: ﴿الجن﴾ هم عالم غيبي مخفي عنا، ولهذا جاءت المادة من الجيم والنون، وهما يدلان على الخفاء والاستتار ومنه: الجَنة، والجِنة، والجُنَّة.
قوله: ﴿الإنس﴾ سموا بذلك، لأنهم لا يعيشون بدون إيناس، فهم يأنس بعضهم ببعض، ويتحرك بعضهم إلى بعض.
قوله: ﴿إلا ليعبدون﴾ فسر: إلا ليوحدون، وهذا حق، وفسر: بمعنى يتذللون لي بالطاعة فعلا للمأمور، وتركا للمحظور، ومن طاعته أن يوحد ﷾، فهذه هي الحكمة من خلق الجن والإنس.
ولهذا أعطى الله البشر عقولا، وأرسل إليهم رسلا، وأنزل عليهم كتبا، ولو كان الغرض من خلقهم كالغرض من خلق البهائم، لضاعت الحكمة من إرسال الرسل، وإنزال الكتب، لأنه في النهاية يكون كشجرة نبتت، ونمت، وتحطمت.
ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: من الآية٨٥] فلا بد أن يردك إلى معاد تجازى على عملك إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وليست الحكمة من خلقهم نفع الله، ولهذا قال تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذريات:٥٧] .
وأما قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَه﴾ [البقرة: من الآية٢٤٥] فهذا ليس إقراضا لله سبحانه، بل هو غني عنه، لكنه سبحانه شبه معاملة عبده له بالقرض; لأنه لا بد من وفائه، فكأنه التزام من الله سبحانه أن يوفي العامل أجر عمله، كما يوفي المقترض مَنْ أقرضه.
[ ١ / ٢٦ ]
[شرح قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾]
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: من الآية٣٦] .
_________________
(١) ·الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: من الآية٣٦] . قوله: ﴿ولقد﴾ اللام موطئة لقسم مقدر، وقد: للتحقيق. وعليه، فالجملة مؤكدة بالقسم المقدر، واللام، وقد. قوله: ﴿بعثنا﴾ أي: أخرجنا، وأرسلنا في كل أمة. والأمة هنا: الطائفة من الناس. وتطلق الأمة في القرآن على أربعة معان: أ- الطائفة: كما في هذه الآية. ب- الإمام، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: من الآية١٢٠] . ج- الملة: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: من الآية٢٢] . د- الزمن: ومنه قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: من الآية٤٥] . فكل أمة بعث فيها رسول من عهد نوح إلى عهد نبينا محمد ﷺ والحكمة من إرسال الرسل: أ- إقامة الحجة: قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: من الآية١٦٥] . ب- الرحمة: لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] .
[ ١ / ٢٧ ]
ج- بيان الطريق الموصل إلى الله تعالى، لأن الإنسان لا يعرف ما يجب لله على وجه التفصيل إلا عن طريق الرسل.
قوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ "أن": قيل: تفسيرية، وهي التي سبقت بما يدل على القول دون حروفه، كقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْك﴾ [المؤمنون: من الآية٢٧] والوحي فيه معنى القول دون حروفه، والبعث متضمن معنى الوحي; لأن كل رسول موحى إليه. وقيل: إنها مصدرية على تقدير الباء، أي: بأن اعبدوا، والراجح: الأول; لعدم التقدير.
قوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي: تذللوا له بالعبادة وسبق تعريف العبادة.
قوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ أي: ابتعدوا عنه بأن تكونوا في جانب، وهو في جانب.
والطاغوت: مشتق من الطغيان، وهو صفة مشبهة، والطغيان: مجاوزة الحد; كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة:١١] أي: تجاوز حده.
وأجمع ما قيل في تعريفه هو ما ذكره ابن القيم ﵀ بأنه: ما تجاوز به العبد حده من متبوع، أو معبود، أو مطاع.
ومراده من كان راضيا بذلك، أو يقال: هو طاغوت باعتبار عابده، وتابعه، ومطيعه، لأنه تجاوز به حده؛ حيث نزله فوق منزلته التي جعلها الله له، فتكون عبادته
[ ١ / ٢٨ ]
لهذا المعبود، واتباعه لمتبوعه، وطاعته لمطاعه طغيانا لمجاوزته الحد بذلك.
فالمتبوع مثل: الكهان، والسحرة، وعلماء السوء.
والمعبود مثل: الأصنام.
والمطاع مثل: الأمراء الخارجين عن طاعة الله، فإذا اتخذهم الإنسان أربابا يحل ما حرم الله من أجل تحليلهم له، ويحرم ما أحل الله من أجل تحريمهم له، فهؤلاء طواغيت، والفاعل تابع للطاغوت، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: من الآية٥٠] .
ولم يقل: إنهم طواغيت.
ودلالة الآية على التوحيد: أن الأصنام من الطواغيت التي تعبد من دون الله. والتوحيد لا يتم إلا بركنين، هما:
١- الإثبات.
٢- النفي.
إذ النفي المحض: تعطيل محض، والإثبات المحض: لا يمنع المشاركة، مثال ذلك: زيد قائم، يدل على ثبوت القيام لزيد، لكن لا يدل على انفراده به.
ولم يقم أحد، هذا نفي محض.
ولم يقم إلا زيد، هذا توحيد له بالقيام، لأنه اشتمل على إثبات ونفي.
وقوله: "الآية": أي: إلى آخر الآية، وتقرأ بالنصب، إما على أنها
[ ١ / ٢٩ ]
وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: من الآية٢٣] الآية.
_________________
(١) مفعول به لفعل محذوف تقديره أكمل الآية، أو أنها منصوبة بنزع الخافض، أي: إلى آخر الآية. ووجه الاستشهاد بهذه الآية لكتاب التوحيد: أنها دالة على إجماع الرسل عليهم الصلاة والسلام على الدعوة إلى التوحيد، وأنهم أرسلوا به; لقوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: من الآية٣٦] . [شرح قوله تعالى وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ] · الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ الآية. قوله: ﴿قضى﴾ قضاء الله﷿- ينقسم إلى قسمين:
(٢) قضاء شرعي.
(٣) قضاء كوني. فالقضاء الشرعي: يجوز وقوعه من المقضي عليه وعدمه، ولا يكون إلا فيما يحبه الله. مثال ذلك: هذه الآية: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ فتكون قضى بمعنى: شرع، أو بمعنى: وصى، وما أشبههما. والقضاء الكوني: لا بد من وقوعه، ويكون فيما أحبه الله، وفيما لا يحبه. مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٤] فالقضاء هنا كوني، لأن الله لا يشرع الفساد في الأرض، ولا يحبه.
[ ١ / ٣٠ ]
وقوله: ﴿ألا تعبدوا﴾ "أن" هنا: مصدرية بدليل حذف النون من "تعبدوا"، والاستثناء هنا مفرغ، لأن الفعل لم يأخذ مفعوله، فمفعوله ما بعد إلا.
وقوله: ﴿إلا إياه﴾ ضمير نصب منفصل واجب الانفصال، لأن المتصل لا يقع بعد إلا، قال ابن مالك:
وذو اتصال منه ما لا يبتدا ولا يلي إلا اختيارا أبدا١
إشكال وجوابه:
إذا قيل: ثبت أن الله قضى كونا ما لا يحبه، فكيف يقضي الله ما لا يحبه؟ فالجواب: أن المحبوب قسمان:
١- محبوب لذاته.
٢- محبوب لغيره.
فالمحبوب لغيره قد يكون مكروها لذاته، ولكن يحب لما فيه من الحكمة والمصلحة، فيكون حينئذ محبوبا من وجه، مكروها من وجه آخر. مثال ذلك: الفساد في الأرض من بني إسرائيل في حد ذاته مكروه إلى الله; لأن الله لا يحب الفساد، ولا المفسدين، ولكن للحكمة التي يتضمنها يكون بها محبوبا إلى الله﷿- من وجه آخر.
ومن ذلك: القحط، والجدب، والمرض، والفقر، لأن الله رحيم لا يحب أن يؤذي عباده بشيء من ذلك، بل يريد بعباده اليسر، لكن يقدره للحكم المترتبة عليه، فيكون محبوبا إلى الله من وجه، مكروها من وجه آخر.
_________________
(١) ١"ألفية ابن مالك" (ص ١٢) .
[ ١ / ٣١ ]
قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١] .
فإن قيل: كيف يتصور أن يكون الشيء محبوبا من وجه مكروها من وجه آخر؟
فيقال: هذا الإنسان المريض يعطى جرعة من الدواء مرة كريهة الرائحة واللون، فيشربها، وهو يكرهها لما فيها من المرارة واللون والرائحة، ويحبها لما فيها من الشفاء، وكذا الطبيب يكوي المريض بالحديدة المحماة على النار، ويتألم منها، فهذا الألم مكروه له من وجه، محبوب له من وجه آخر.
فإن قيل: لماذا لم يكن قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: من الآية٢٣] من باب القضاء القدري؟
أجيب: بأنه لا يمكن; إذ لو كان قضاء قدريا لعبد الناس كلهم ربهم، لكنه قضاء شرعي قد يقع وقد لا يقع.
والخطاب في الآية للنبي ﷺ لكن قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: من الآية٢٣] ولم يقل: "أن لا تعبد"، ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: من الآية١] فالخطاب الأول للرسول ﷺ والثاني عام، فما الفائدة من تغيير الأسلوب؟
أجيب: إن الفائدة من ذلك:
١. التنبيه؛ إذ تنبيه المخاطب أمر مطلوب للمتكلم، وهذا حاصل هنا بتغيير الأسلوب.
٢. أن النبي ﷺ زعيم أمته، والخطاب الموجه إليه موجه لجميع الأمة.
[ ١ / ٣٢ ]
٣. الإشارة إلى أن ما خوطب به الرسول ﷺ فهو له ولأمته; إلا ما دل الدليل على أنه مختص به.
٤. وفي هذه الآية خاصة الإشارة إلى أن النبي ﷺ مربوب لا رب، عابد لا معبود، فهو داخل في قوله: ﴿تعبدوا﴾ وكفى به شرفا أن يكون عبدا لله﷿-، ولهذا يصفه الله تعالى بالعبودية في أعلى مقاماته، فقال في مقام التحدي والدفاع عنه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: من الآية٢٣]، وقال في مقام إثبات نبوته ورسالته إلى الخلق: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: من الآية١]، وقال في مقام الإسراء والمعراج: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: من الآية١]، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠] .
أقسام العبودية:
تنقسم العبودية إلى ثلاثة أقسام:
١.عامة: وهي عبودية الربوبية، وهي لكل الخلق، قالت تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣] ويدخل في ذلك الكفار.
٢. عبودية خاصة: وهي عبودية الطاعة العامة، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: من الآية٦٣] وهذه تعم كل من تعبد لله بشرعه.
٣. خاصة الخاصة: وهي عبودية الرسل عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى عن نوح: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: من الآية٣] وقال عن محمد: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: من الآية٢٣] وقال في
[ ١ / ٣٣ ]
آخرين من الرسل: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ [صّ:٤٥] .
فهذه العبودية المضافة إلى الرسل خاصة الخاصة، لأنه لا يباري أحد هؤلاء الرسل في العبودية.
وقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أي: قضى ربك أن نحسن بالوالدين إحسانا.
والوالدان: يشمل الأم، والأب، ومن فوقهما، لكنه في الأم والأب أبلغ، وكلما قربا منك كانا أولى بالإحسان، والإحسان بذل المعروف، وفي قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ بعد قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ دليل على أن حق الوالدين بعد حق الله﷿-.
فإن قيل: فأين حق الرسول ﷺ؟
أجيب: بأن حق الله متضمن لحق الرسول ﷺ؛ لأن الله لا يعبد إلا بما شرع الرسول ﷺ
وقوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: من الآية٢٣] أي: كف الأذى عنهما، ففي قوله: ﴿إحسانا﴾ بذل المعروف، وفي قوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ كف الأذى، ومعنى ﴿أف﴾ أتضجر، لأنك إذا قلته، فقد يتأذيان بذلك، وفي الآية إشارة إلى أنهما إذا بلغا الكبر صارا عبئا على ولدهما، فلا يتضجر من الحال، ولا ينهرهما في المقال إذا أساءا في الفعل أو القول.
وقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: من الآية٢٣] أي: لينا حسنا بهدوء وطمأنينة، كقولك: أعظم الله أجرك، أبشري يا أمي، أبشر يا أبي، وما
[ ١ / ٣٤ ]
وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: من الآية٣٦] الآية.
_________________
(١) أشبه ذلك، فالقول الكريم يكون في صيغته، وأدائه، والخطاب به، فلا يكون مزعجا كرفع الصوت مثلا، بل يتضمن الدعاء والإيناس لهما. والشاهد من هذه الآية: قوله تعالى: ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: من الآية٢٣] فهذا هو التوحيد لتضمنه للنفي والإثبات. [شرح قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾] الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: من الآية٣٦] الآية: فقوله ﴿ولا تشركوا﴾ في مقابل "لا إله" لأنها نفي. وقوله: ﴿واعبدوا﴾ في مقابل "إلا الله"، لأنها إثبات. وقوله: ﴿شيئا﴾ نكرة في سياق النهي، فتعم كل شيء: لا نبيا، ولا ملكا، ولا وليا، بل ولا أمرا من أمور الدنيا، فلا تجعل الدنيا شريكا مع الله، والإنسان إذا كان همه الدنيا كان عابدا لها، كما قال ﷺ: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميلة، تعس عبد الخميصة) ١. وقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: من الآية٨٣] يقال فيها ما قيل في الآيه السابقة٢. وقوله: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [النساء: من الآية٣٦] أي: إحسانا، وذوو القربى هم من يجتمعون بالشخص في الجد الرابع، واليتامى: جمع يتيم، وهو الذي مات أبوه، ولم يبلغ والمساكين: هم الذين عدموا المال فأسكنهم الفقر، وابن السبيل: هو المسافر الذي انقطعت به النفقة. ١ أخرجه البخاري في (الجهاد، باب الحراسة في الغزو ٢/٣٢٧) . ٢ انظر: (ص ٣٤) .
[ ١ / ٣٥ ]
وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: من الآية١٥٠] الآيات.
_________________
(١) وقوله: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ الجار: الملاصق للبيت، أو من حوله، وذي القربى، أي: القريب، والجار الجنب، أي: الجار البعيد. وقوله: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ﴾ قيل: إنه الزوجة، وقيل: صاحبك في السفر; لأنه يكون إلى جنبك، ولكل منهما حق، فالآية صالحة لهما. وقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ هذا يشمل الإحسان إلى الأرقاء والبهائم، لأن الجميع ملك اليمين. وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ المختال: في هيئته. والفخور: في قوله، والله لا يحب هذا ولا هذا. [شرح قوله تعالى ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا] الآية الخامسة إلى السابعة: قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ أمره الله أن يقول للناس: ﴿تعالوا﴾ أي: أقبلوا، وهلموا، وأصله من العلو كأن المنادي يناديك أن تعلو إلى مكانه، فيقول: تعال، أي: ارتفع إلي. وقوله: ﴿أتل﴾ بالجزم جوابا للأمر في قوله: ﴿تعالوا﴾ . وقوله: ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ "ما" اسم موصولٍ مفعول لأتل، والعائد محذوف، والتقدير: ما حرمه ربكم عليكم. وقال: ﴿ربكم﴾ ولم يقل: ما حرم الله، لأن الرب هنا أنسب، حيث إن الرب له مطلق التصرف في المربوب، والحكم عليه بما تقتضيه حكمته.
[ ١ / ٣٦ ]
وقوله: ﴿ألا تشركوا﴾ "أن": تفسيرية، تفسر ﴿أتل ما حرم﴾ أي: أتلو عليكم ألا تشركوا به شيئا، وليست مصدرية، وقد قيل به، وعلى هذا القول تكون "لا" زائدة، ولكن القول الأول أصح، أي: أتل عليكم عدم الإشراك، لأن الله لم يحرم علينا أن لا نشرك به، بل حرم علينا أن نشرك به، ومما يؤيد أن "أن" تفسيرية أن "لا" هنا ناهية لتتناسب الجمل، فتكون كلها طلبية.
وقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أي: وأتلو عليكم الأمر بالإحسان إلى الوالدين.
وقوله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم﴾ بعد أن ذكر حق الأصول ذكر حق الفروع.
والأولاد في اللغة العربية: يشمل الذكر والأنثى، قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: من الآية١١] .
وقوله: ﴿من إملاق﴾ الإملاق: الفقر، و(من) للسببية والتعليل؛ أي: بسبب الإملاق.
وقوله: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ أي: إذا أبقيتموهم، فإن الرزق لن يضيق عليكم بإبقائهم; لأن الذي يقوم بالرزق هو الله.
وبدأ هنا برزق الوالدين، وفي سورة الإسراء بدأ برزق الأولاد، والحكمة في ذلك أنه قال هنا: ﴿من إملاق﴾ فالإملاق حاصل، فبدأ بذكر الوالدين اللذين أملقا، وهناك قال: ﴿خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: من الآية٣١] ١ فهما غنيان، لكن يخشيان الفقر، فبدأ برزق الأولاد قبل رزق الوالدين.
وتقييد النهي عن قتل الأولاد بخشية الإملاق بناء على واقع المشركين غالبا; فلا مفهوم له.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء آية: ٣١.
[ ١ / ٣٧ ]
وقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ﴾ ١ لم يقل: لا تأتوا، لأن النهي عن القرب أبلغ من النهي عن الإتيان; لأن النهي عن القرب نهي عنها، وعما يكون ذريعة إليها، ولذلك حرم على الرجل أن ينظر إلى المرأة الأجنبية، وأن يخلو بها، وأن تسافر المرأة بلا محرم; لأن ذلك يقرب من الفواحش.
وقوله: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ٢ قيل: ما ظهر فحشه، وما خفي; لأن الفواحش منها شيء مستفحش في نفوس جميع الناس، ومنها شيء فيه خفاء.
وقيل: ما أظهرتموه، وما أسررتموه، فالإظهار: فعل الزنا- والعياذ بالله- مجاهرة، والإبطان فعله سرا. وقيل: ما عظم فحشه، وما كان دون ذلك، لأن الفواحش ليست على حد سواء، ولهذا جاء في الحديث: " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ "٣،وهذا يدل على أن الكبائر فيها أكبر وفيها ما دون ذلك.
وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ ٤ النفس التي حرم الله: هي النفس المعصومة، وهي نفس المسلم، والذمي، والمعاهد، والمستأمن، بكسر الميم. والحق: ما أثبته الشرع. والباطل: ما نفاه الشرع. فمن الحق الذي أثبته الشرع في قتل النفس المعصومة أن يزني المحصن فيرجم حتى يموت، أو يقتل مكافئه، أو يخرج على الجماعة، أو يقطع الطريق، فإنه
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية: ١٥١. ٢ سورة الأنعام آية: ١٥١. ٣ من حديث أبي بكرة، أخرجه: البخاري (كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور، ٢/٢٥١)، ومسلم (كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر، ١/٩١) . ٤ سورة الأنعام آية: ١٥١.
[ ١ / ٣٨ ]
يقتل، قال ﷺ " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة"١ وقال هنا: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ ٢ وقال قبلها: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ﴾ ٣ فيكون النهي عن قتل الأولاد مكررا مرتين: مرة بذكر الخصوص، ومرة بذكر العموم.
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ ٤ المشار إليه ما سبق، والوصية بالشيء هي العهد به على وجه الاهتمام، ولهذا يقال: وصيته على فلان، أي: عهدت به إليه ليهتم به. وقوله: ﴿تَعْقِلُونَ﴾ العقل هنا: حسن التصرف، وأما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٥ فمعناه: تفهمون.
وفي هذا دليل على أن هذه الأمور إذا التزم بها الإنسان، فهو عاقل رشيد، وإذا خالفها، فهو سفيه ليس بعاقل. وقد تضمنت هذه الآية خمس وصايا:
الأولى: توحيد الله.
الثانية: الإحسان بالوالدين.
الثالثة: أن لا نقتل أولادنا.
الرابعة: أن لا نقرب الفواحش.
الخامسة: أن لا نقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق.
_________________
(١) ١ من حديث ابن مسعود، رواه: البخاري (كتاب الديات، باب إذا قتل بحجر أو بعصا، ٤/ ٢٦٨)، ومسلم (كتاب القسامة، باب ما يباح به دم المسلم، ٣/١٣٠٢) . ٢ سورة الأنعام آية: ١٥١. ٣ سورة الأنعام آية: ١٥١. ٤ سورة الأنعام آية: ١٥١. ٥ سورة الزخرف آية: ٣.
[ ١ / ٣٩ ]
وقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ١.
وقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا﴾ هذا حماية لأموال اليتامى أن لا نقربها إلا بالخصلة التي هي أحسن، فلا نقربها بأي تصرف إلا بما نرى أنه أحسن، فإذا لاح للولي تصرفان أحدهما أكثر ربحا، فالواجب عليه أن يأخذ بما هو أكثر ربحا لأنه أحسن.
والحسن هنا يشمل: الحسن الدنيوي، والحسن الديني، فإذا لاح تصرفان أحدهما أكثر ربحا وفيه ربا، والآخر أقل ربحا وهو أسلم من الربا، فنقدم الأخير، لأن الحسن الشرعي مقدم على الحسن الدنيوي المادي.
وقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (حتى): هنا: حرف غاية، فما بعدها مخالف لما قبلها. أي: إذا بلغ أشده، فإننا ندفعه إليه بعد أن نختبره، وننظر في حسن تصرفه، ولا يجوز لنا أن نبقيه عندنا، ومعنى أشده: قوته العقلية والبدنية، والخطاب هنا لأولياء اليتامى، أو للحاكم على قول بعض أهل العلم، وبلوغ الأشد يختلف، والمراد به هنا الأشد الذي يكون به التكليف، وهو تمام خمس عشرة سنة أو إنبات العانة أو الإنزال.
وقوله: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ ٢ أي: أوفوا الكيل إذا كلتم فيما يكال من الأطعمة والحبوب. وأوفوا الميزان: إذا وزنتم فيما يوزن، كاللحوم مثلا والأمر بالإيفاء شامل لجميع ما تتعامل به مع غيرك; فيجب عليك أن توفي بالكيل والوزن وغيرهما في التعامل. وقوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل. ولما كان قوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ قد
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية: ١٥٢. ٢ سورة الأنعام آية: ١٥٢.
[ ١ / ٤٠ ]
يشق بعض الأحيان; لأن الإنسان قد يفوته أن يوفي الكيل أو الوزن أحيانا، أعقب ذلك بقوله: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ١ أي: طاقتها، فإذا بذل جهده وطاقته، وحصل النقص، فلا يعد مخالفا؛ لأن ما خرج عن الطاقة معفو عنه فيه، وكما أن هذه الجملة تفيد العفو من وجه، وهو ما خرج عن الوسع، فإنها تفيد التغليظ من وجه، وهو أن على المرء أن يبذل وسعه في الإيفاء بالقسط، ولكن متى تبين الخطأ وجب تلافيه؛ لأنه داخل في الوسع.
وقوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ ٢ معناه: أي قول تقوله، فإنه يجب عليك أن تعدل فيه، سواء كان ذلك لنفسك على غيرك، أو لغيرك على نفسك، أو لغيرك على غيرك، أو لتحكم بين اثنين، فالواجب العدل، إذ العدل في اللغة الاستقامة، وضده الجور والميل، فلا تمل يمينا ولا شمالا، ولم يقل هنا: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٣ لأن القول لا يشق فيه العدل غالبا.
وقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ٤ أي: المقول له ذا قرابة، أي: صاحب قرابة، فلا تحابيه لقرابته؛ فتميل معه على غيره من أجله، فاجعل أمرك إلى الله﷿- الذي خلقك، وأمَرك بهذا، وإليه سترجع، ويسألك عزوجل ماذا فعلت في هذه الأمانة. وقد أقسم أشرف الخلق، وسيد ولد آدم، وأعدل البشر، محمد ﷺ وقال: " وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت; لقطعت يدها " ٥.
وقوله: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ ٦ قدم المتعلَّق، للاهتمام به. وعهد الله:
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية: ١٥٢. ٢ سورة الأنعام آية: ١٥٢. ٣ سورة الأنعام آية: ١٥٢. ٤ سورة المائدة آية: ١٠٦. ٥ من حديث عائشة، رواه: البخاري (كتاب الأنبياء، باب حدثنا أبو اليمان، ٢/٤٦٦)، ومسلم (كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف، ٣/١٣١٥) . ٦ سورة الأنعام آية: ١٥٢.
[ ١ / ٤١ ]
ما عهد به إلى عباده، وهي عبادته ﷾ والقيام بأمره، كما قال عزوجل: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ١ [المائدة: ١٢] .
هذا ميثاق من جانب المخلوق، وقوله تعالى: ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ٢ [المائدة: ١٢] هذا من جانب الله﷿.
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٣: هذه الآية الكريمة فيها أربع وصايا من الخالق عزوجل:
الأولى: أن لا نقرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن.
الثانية: أن نوفي الكيل والميزان بالقسط.
الثالثة: أن نعدل إذا قلنا.
الرابعة: أن نوفي بعهد الله.
والآية الأولى فيها خمس وصايا. صار الجميع تسع وصايا.
ثم قال عزوجل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ ٤ هذه هي الوصية العاشرة، فقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي﴾ ٥ يحتمل أن المشار إليه ما سبق، لأنك لو تأملته وجدته محيطا بالشرع كله، إما نصا، وإما إيماء، ويحتمل أن المراد به ما علم من دين الله، أي: هذا الذي جاءكم به الرسول ﷺ هو صراطي، أي: الطريق الموصل إليه ﷾.
والصراط يضاف إلى الله﷿-، ويضاف إلى سالكه; ففي قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ٦ هنا أضيف إلى
_________________
(١) ١ سورة المائدة آية: ١٢. ٢ سورة المائدة آية: ١٢. ٣ سورة الأنعام آية: ١٥٢. ٤ سورة الأنعام آية: ١٥٣. ٥ سورة الأنعام آية: ١٥٣. ٦ سورة الفاتحة آية: ٧.
[ ١ / ٤٢ ]
سالكه، وفي قوله تعالى: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ١ هنا أضيف إلى الله﷿- فإضافته إلى الله ﷿- لأنه موصل إليه، ولأنه هو الذي وضعه لعباده- جل وعلا-، وإضافته إلى سالكه لأنهم هم الذين سلكوه.
وقوله: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ هذه حال من: ﴿صِرَاطُ﴾ أي: حال كونه مستقيما لا اعوجاج فيه فاتبعوه.
وقوله: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ٢ السبل، أي: الطرق الملتوية الخارجة عنه، وتفرق: فعل مضارع منصوب بأن بعد فاء السببية، لكن حذفت منه تاء المضارعة، وأصلها: "تتفرق"، أي أنكم إذا اتبعتم السبل تفرقت بكم عن سبيله، وتشتت بكم الأهواء وبعدت.
وهنا قال: (السبل): جمع سبيل، وفي الطريق التي أضافها الله إلى نفسه قال: (سبيله) سبيل واحد، لأن سبيل الله﷿- واحد، وأما ما عداه، فسبل متعددة، ولهذا قال النبي ﷺ " وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا واحدة " ٣، فالسبيل المنجي واحد، والباقية متشعبة متفرقة، ولا يرد على هذا قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ ٤ لأن: ﴿سُبُلَ﴾ في الآية الكريمة، وإن كانت مجموعة، لكن أضيفت إلى السلام فكانت منجية، ويكون المراد بها شرائع الإسلام.
_________________
(١) ١ سورة الشورى آية: ٥٣. ٢ سورة الأنعام آية: ١٥٣. ٣ أخرجه: أحمد (٢/٣٣٢)، وأبو داود (٤٥٩٦)، والترمذي (٢٦٤٠)، وابن ماجه (٣٩٩١)، وابن أبي عاصم (٦٦)، وابن حبان (٣٩٩١) ; عن أبي هريرة، وصححه الترمذي والحاكم. ٤ سورة المائدة آية: ١٦.
[ ١ / ٤٣ ]
قال ابن مسعود: " من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ﷺ
_________________
(١) وقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١ أي: ذلك المذكور وصاكم لتنالوا به درجة التقوى، والالتزام بما أمر الله به ورسوله ﷺ · وقوله: قال ابن مسعود: "من أراد " إلخ: الاستفهام هنا للحث والتشويق، واللام في قوله: "فليقرأ" للإرشاد. وقوله: "وصية محمد": الوصية بمعنى العهد، ولا يكون العهد وصية إلا إذا كان في أمر هام. وقوله: "محمد ﷺ ": أي: رسول الله محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي ﷺ وهذا التعبير من ابن مسعود يدل على جواز مثله، مثل: قال محمد رسول الله ﷺ، ووصية محمد ﷺ ولا ينافي قوله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ ٢ لأن دعاء الرسول هنا أي: مناداته، فلا تقولوا عند المناداة: يا محمد! ولكن قولوا: يا رسوله الله! أما الخبر، فهو أوسع من باب الطلب، ولهذا يجوز أن تقول: أنا تابع لمحمد ﷺ، أو اللهم! صل على محمد، وما أشبه ذلك. وقوله: "التي عليها خاتمه": الخاتم بمعنى التوقيع. وقوله: "وصية محمد ﷺ "، ليست وصية مكتوبة مختوما عليها، لأن النبي ﷺ لم يوص بشيء، ويدل لذلك: أن أبا جحيفة سأل علي بن أبي طالب: " هل عهد إليكم النبي ﷺ بشيء؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة؛ إلا فهما يؤتيه الله تعالى رجلا في القرآن، وما في هذه الصحيفة. ١ سورة الأنعام آية: ١٥٣. ٢ سورة النور آية: ٦٣.
[ ١ / ٤٤ ]
التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ١ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ ٢ "٣ الآية.
وعن معاذ بن جبل (﵁)، قال: " كنت رديف النبي ﷺ على حمار، فقال لي: يا معاذ! أتدري
_________________
(١) قيل: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر "٤. فلا يظن أن النبي ﷺ أوصى بهذه الآيات وصية خاصة مكتوبة، لكن ابن مسعودرضي الله عنهيرى أن هذه الآيات قد شملت الدين كله، فكأنها الوصية التي ختم عليها رسول الله ﷺ وأبقاها لأمته. وهي آيات عظيمة، إذا تدبرها الإنسان وعمل بها، حصلت له الأوصاف الثلاثة الكاملة: العقل، والتذكر، والتقوى. وقوله: "فليقرأ قوله تعالى " إلخ الآيات سبق الكلام عليها. وقوله: "رديف": بمعنى رادف، أي: راكب معه خلفه، فهو فعيل بمعنى فاعل، مثل: رحيم بمعنى راحم، وسميع بمعنى سامع. وقوله: "على حمار": أي: أهلي، لأن الوحشي لا يركب. وقوله: "أتدري": أي: أتعلم. ١ سورة الأنعام آية: ١٥١. ٢ سورة الأنعام آية: ١٥٣. ٣ أخرجه: الترمذي (أبواب تفسير القرآن، ٨/٢٣٠) - وقال: "حديث حسن غريب"-، والطبراني في "الكبير" (١٠٠٦٠) بلفظ: "من سره أن يقرأ صحيفة محمد ﷺ " إلخ. ٤ رواه: البخاري (كتاب الديات، باب العاقلة، ٤/٢٧٤) .
[ ١ / ٤٥ ]
ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟. قلت، الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا.
_________________
(١) قوله: "ما حق الله على العباد؟ ": أي: ما أوجبه عليهم، وما يجب أن يعاملوه به، وألقاه على معاذ بصيغة السؤال، ليكون أشد حضورا لقلبه حتى يفهم ما يقوله ﷺ قوله: "وما حق العباد على الله؟ ": أي: ما يجب أن يعاملهم به، والعباد لم يوجبوا شيئا، بل الله أوجبه على نفسه فضلا منه على عباده، قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١. فأوجب سبحانه على نفسه أن يرحم من عمل سوء بجهالة، أي: بسفه وعدم حسن تصرف ثم تاب من بعد ذلك وأصلح. ومعنى كتب، أي: أوجب. قوله: "قلت: الله ورسوله أعلم": لفظ الجلالة: مبتدأ و"رسوله": معطوف عليه، وأعلم: خبر المبتدأ، وأفرد الخبر هنا مع أنه لاثنين، لأنه على تقدير: "من"، واسم التفضيل إذا كان على تقدير: "من"، فإن الأشهر فيه الإفراد والتذكير. والمعنى: أعلم من غيرهما، وأعلم مني أيضا. قوله: "يعبدوه": أي: يتذللوا له بالطاعة. قوله: "ولا يشركوا به شيئا": أي: في عبادته وما يختص به، وشيئا نكرة في سياق النفي، فتعم كل شيء؛ لا رسولا، ولا ملكا، ولا وليا، ولا غيرهم. ١ سورة الأنعام آية: ٥٤.
[ ١ / ٤٦ ]
وحق العباد على الله، أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا؟. قلت، يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟
_________________
(١) وقوله: "وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا": وهذا الحق تفضل الله به على عباده، ولم يوجبه عليه أحد، ولا تظن أن قوله: "من لا يشرك به شيئا" أنه مجرد عن العبادة، لأن التقدير: من يعبده ولا يشرك به شيئا، ولم يذكر قوله: "من يعبده"، لأنه مفهوم من قوله: "وحق العباد"، ومن كان وصفه العبودية، فلا بد أن يكون عابدا. ومن لم يعبد الله ولم يشرك به شيئا; هل يعذب؟ الجواب: نعم، يعذب، لأن الكلام فيه حذف، وتقديره: من يعبده ولا يشرك به شيئا، ويدل لهذا أمران: الأول: قوله: "حق العباد"، ومن كان وصفه العبودية; فلا بد أن يكون عابدا. الثاني: أن هذا في مقابل قوله فيما تقدم: "أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا"; فعلم أن المراد بقوله: "لا يشركوا به شيئا"; أي: في العبادة. قوله: "أفلا أبشر الناس ": أي: أأسكت فلا أبشر الناس؟ ومثل هذا التركيب: الهمزة ثم حرف العطف ثم الجملة، لعلماء النحو فيه قولان: الأول: أن بين الهمزة وحرف العطف محذوفا يقدر بما يناسب المقام، وتقديره هنا: أأسكت فلا أبشر الناس؟ الثاني: أنه لا شيء محذوف، لكن هنا تقديم وتأخير، وتقديره: فألا أبشر؟ فالجملة معطوفة على ما سبق، وموضع الفاء سابق على
[ ١ / ٤٧ ]
قال: لا تبشرهم فيتكلوا ". أخرجاه في "الصحيحين"١.
_________________
(١) الهمزة، فالأصل: فألا أبشر الناس؟ لكن لما كان مثل هذا التركيب ركيكا، وهمزة الاستفهام لها الصدارة، قدمت على حرف العطف، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ ٣. والبشارة: هي الإخبار بما يسر. وقد تستعمل في الإخبار بما يضر، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٤ لكن الأكثر الأول. قوله: "لا تبشرهم": أي: لا تخبرهم، ولا ناهية. ومعنى الحديث أن الله لا يعذب من لا يشرك به شيئا، وأن المعاصي تكون مغفورة بتحقيق التوحيد، ونهى ﷺ عن إخبارهم، لئلا يعتمدوا على هذه البشرى دون تحقيق مقتضاها، لأن تحقيق التوحيد يستلزم اجتناب المعاصي، لأن المعاصي صادرة عن الهوى، وهذا نوع من الشرك، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ ٥. ومناسبة الحديث للترجمة فضيلة التوحيد، وأنه مانع من عذاب الله. ١رواه البخاري (كتاب اللباس، باب إرداف الرجل خلف الرجل، ٤/٨٤)، ومسلم (كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة، ١/٥٨) . ٢ سورة الغاشية آية: ١٧. ٣ سورة يوسف آية: ١٠٩. ٤ سورة آل عمران آية: ٢١. ٥ سورة الجاثية آية: ٢٣.
[ ١ / ٤٨ ]
· فيه مسائل:
الأولى: الحكمة في خلق الجن والإنس.
الثانية: أن العبادة هي التوحيد، لأن الخصومة فيه.
_________________
(١) المسائل: · الأولى: الحكمة من خلق الجن والإنس: أخذها ﵀ من قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١ فالحكمة هي عبادة الله، لا أن يتمتعوا بالمآكل والمشارب والمناكح. · الثانية: أن العبادة هي التوحيد: أي: أن العبادة مبنية على التوحيد، فكل عبادة لا توحيد فيها ليست بعبادة، لا سيما أن بعض السلف فسروا قوله تعالى: ﴿إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ إلا ليوحدون. وهذا مطابق تماما لما استنبطه المؤلف ﵀ من أن العبادة هي التوحيد، فكل عبادة لا تبنى على التوحيد فهي باطلة، قال ﷺ " قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه "٢. وقوله: "لأن الخصومة فيه": أي في التوحيد بين الرسول ﷺ وقريش، فقريش يعبدون الله؛ يطوفون له، ويصلون، ولكن على غير الإخلاص والوجه الشرعي، فهي كالعدم لعدم الإتيان بالتوحيد، قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ ٣. ١ سورة الذاريات آية: ٥٦. ٢ من حديث أبي هريرة، رواه: مسلم (كتاب الزهد، باب من أشرك في عمله غير الله، ٤/ ٢٢٨٩) . ٣ سورة التوبة آية: ٥٤.
[ ١ / ٤٩ ]
الثالثة: أن من لم يأت به، لم يعبد الله، ففيه معنى قوله: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ ١.
الرابعة: الحكمة في إرسال الرسل.
الخامسة: أن الرسالة عمت كل أمة.
السادسة: أن دين الأنبياء واحد.
_________________
(١) ·وقوله في الثالثة: ففيه معنى قوله: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ ٢ لستم عابدين عبادتي، لأن عبادتكم مبنية على الشرك، فليست بعبادة لله تعالى. ·الرابعة: الحكمة في إرسال الرسل: أخذها رحمه الله تعالى من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٣ فالحكمة هي: الدعوة إلى عبادة الله وحده، واجتناب عبادة الطاغوت. ·الخامسة: أن الرسالة عمت كل أمة: أخذها من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ ٤. ·السادسة: أن دين الأنبياء واحد: أخذها من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٥ ومثله قوله تعالى: ﴿َمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٦ وهذا لا ينافي قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ٧ لأن الشرعة العملية تختلف باختلاف الأمم، أو الأماكن، والأزمنة، وأما أصل الدين فواحد، قال تعالى: ﴿شَرَعَ ١ سورة الكافرون آية: ٣. ٢ سورة الكافرون آية: ٣. ٣ سورة النحل آية: ٣٦. ٤ سورة النحل آية: ٣٦. ٥ سورة النحل آية: ٣٦. ٦ سورة الأنبياء آية: ٢٥. ٧ سورة المائدة آية: ٤٨. أن من لم يأت به، لم يعبد الله، ففيه معنى قوله: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ ١.
[ ١ / ٥٠ ]
لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾
السابعة: المسألة الكبيرة إن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت ففيه معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ ١ الآية.
_________________
(١) ٢. السابعة: المسألة الكبيرة أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت. ودليله قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٣ فمن عبد الله ولم يكفر بالطاغوت، فليس بموحد، ولهذا جعل المؤلف ﵀ هذه المسألة كبيرة، لأن كثيرا من المسلمين جهلها في زمانه وفي زماننا الآن. تنبيه: لا يجوز إطلاق الشرك أو الكفر أو اللعن على من فعل شيئا من ذلك لأن الحكم بذلك في هذه وغيرها له أسباب وله موانع، فلا نقول لمن أكل الربا: ملعون، لأنه قد يوجد مانع يمنع من حلول اللعنة عليه، كالجهل مثلا، أو الشبهة، وما أشبه ذلك، وكذا الشرك لا نطلقه على من فعل شركا، فقد تكون الحجة ما قامت عليه بسبب تفريط علمائهم، وكذا نقول: من صام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه، ولكن لا نحكم بهذا لشخص معين إذ إن الحكم المعلق على الأوصاف لا ينطبق على الأشخاص إلا بتحقق شروط انطباقه وانتفاء موانعه. فإذا رأينا شخصا يتبرز في الطريق، فهل نقول له: لعنك الله؟ الجواب: لا، إلا إذا أريد باللعن في قوله: "اتقوا الملاعن" ٤: أن ١ سورة البقرة آية: ٢٥٦. ٢ سورة الشورى آية: ١٣. ٣ سورة النحل آية: ٣٦. ٤ من حديث معاذ، رواه: أبو داود (كتاب الطهارة، باب المواضع التي نهى النبي ﷺ عن البول فيها، ١/٢٩)، وابن ماجه (كتاب الطهارة، باب النهي عن الخلاء على قارعة الطريق، ١/١١٩)، والحاكم (١/١٦٧) - وقال: "صحيح"، ووافقه الذهبي-، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٩٧) .
[ ١ / ٥١ ]
الثامنة: أن الطاغوت عام في كل ما عبد من دون الله.
التاسعة: عظم شأن الثلاث آيات المحكمات في سورة الأنعام عند السلف، وفيها عشر مسائل، أولها النهي عن الشرك.
العاشرة: الآيات المحكمات في سورة الإسراء وفيها ثماني عشرة مسألة، بدأها الله بقوله: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾
_________________
(١) الناس أنفسهم يلعنون هذا الشخص ويكرهونه، ويرونه مخلا بالأدب مؤذيا للمسلمين، فهذا شيء آخر. فدعاء القبر شرك، لكن لا يمكن أن نقول لشخص معين فعله: هذا مشرك، حتى نعرف قيام الحجة عليه، أو نقول: هذا مشرك باعتبار ظاهر حاله. ·الثامنة: أن الطاغوت عام في كل ما عبد من دون الله: فكل ما عبد من دون الله، فهو طاغوت، وقد عرفه ابن القيم: بأنه كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع١ فالمعبود كالصنم، والمتبوع كالعالم، والمطاع كالأمير. ·التاسعة: عظم شأن الثلاث آيات المحكمات في سورة الأنعام: المحكمات، أي: التي ليس فيها نسخ، أخذ ذلك من قول ابن مسعود (. ·العاشرة: الآيات المحكمات في سورة الإسراء: وهي قوله ١ انظر: (ص ٢٨) في تقييد عبارة ابن القيم ﵀.
[ ١ / ٥٢ ]
١ وختمها بقوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ ٢ ونبهنا الله سبحانه على عظم شأن هذه المسائل بقوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ ٣.
الحادية عشرة: آية سورة النساء التي تسمى آية الحقوق العشرة بدأها الله تعالى بقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ٤.
_________________
(١) تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ٥ وفيها ثماني عشرة مسألة بدأها بقوله تعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ ٦ وختمها بقوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ ٧. وقد نبهنا الله- سبحانه- على عظم شأن هذه المسائل بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ ٨ فبدأها الله بالنهي عن الشرك بقوله تعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ ٩ والقاعد ليس قائما، لأنه لا خير لمن أشرك بالله، (مذموما) عند الله وعند أوليائه، (مخذولا) لا ينتصر في الدنيا ولا في الآخرة. وختمها بقوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ ١٠ فهذه عقوبته عندما يلقى في النار، كل يلومه ويدحره، فيندحر، والعياذ بالله. ·الحادية عشرة: آية سورة النساء التي تسمى آية الحقوق العشرة بدأها بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ١١ فأحق الحقوق ١ سورة الإسراء آية: ٢٢. ٢ سورة الإسراء آية: ٣٩. ٣ سورة الإسراء آية: ٣٩. ٤ سورة النساء آية: ٣٦. ٥ سورة الإسراء آية: ٢٣. ٦ سورة الإسراء آية: ٢٢. ٧ سورة الإسراء آية: ٣٩. ٨ سورة الإسراء آية: ٣٩. ٩ سورة الإسراء آية: ٢٢. ١٠ سورة الإسراء آية: ٣٩. ١١ سورة النساء آية: ٣٦.
[ ١ / ٥٣ ]
الثانية عشرة: التنبيه على وصية رسول الله ﷺ عند موته.
الثالثة عشرة: معرفة حق الله علينا.
الرابعة عشرة: معرفة حق العباد عليه إذا أدوا حقه.
الخامسة عشرة: أن هذه المسألة لا يعرفها أكثر الصحابة.
_________________
(١) حق الله، ولا تنفع الحقوق إلا به، فبدئت هذه الحقوق به، ولهذا لما سأل النبِيَّ ﷺ حكيمُ بن حزام عمن كان يتصدق ويعتق ويصل رحمه في الجاهلية هل له من أجر؟ فقال النبي ﷺ " "أسلمت على ما أسلفت من الخير " ١ فدل على أنه إذا لم يسلم لم يكن له أجر، فصارت الحقوق كلها لا تنفع إلا بتحقيق حق الله. ·الثانية عشرة: التنبيه على وصية رسول الله ﷺ عند موته: وذلك من حديث ابن مسعود (٢، ولكن النبي ﷺ لم يوص بها حقيقة، بل أشار إلى أننا إذا تمسكنا بكتاب الله، فلن نضل بعده، ومن أعظم ما جاء به كتاب الله قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ٣. ·الثالثة عشرة: معرفة حق الله علينا: وذلك بأن نعبده ولا نشرك به شيئا. ·الرابعة عشرة: معرفة حق العباد عليه إذا أدوا حقه: وذلك بأن لا يعذب من لا يشرك به شيئا، أما من أشرك، فإنه حقيق أن يعذب. ·الخامسة عشرة: أن هذه المسألة لا يعرفها أكثر الصحابة: وذلك ١ من حديث حكيم بن حزام، رواه: البخاري (كتاب الزكاة، باب من تصدق في الشرك ثم أسلم، ١/٤٤٣)، ومسلم (كتاب الإيمان، باب بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده، ١/ ١١٣) . ٢ سبق تخريجه (ص ٤٥) . ٣ سورة الأنعام آية: ١٥١.
[ ١ / ٥٤ ]
السادسة عشرة: جواز كتمان العلم للمصلحة.
السابعة عشرة: استحباب بشارة المسلم بما يسره.
_________________
(١) أن معاذا أخبر بها تأثما، أي خروجا من إثم الكتمان عند موته، بعد أن مات كثير من الصحابة، وكأنهرضي الله عنهعلم أن النبي ﷺ كان يخشى أن يفتتن الناس بها، ويتكلوا، ولم يرد ﷺ كتمها مطلقا؛ لأنه لو أراد ذلك لم يخبر بها معاذا ولا غيره. ·السادسة عشرة: جواز كتمان العلم للمصلحة: هذه ليست على إطلاقها، إذ إن كتمان العلم على سبيل الإطلاق لا يجوز لأنه ليس بمصلحة، ولهذا أخبر النبي ﷺ معاذا ولم يكتم ذلك مطلقا، وأما كتمان العلم في بعض الأحوال، أو عن بعض الأشخاص لا على سبيل الإطلاق، فجائز للمصلحة، كما كتم النبي ﷺ ذلك عن بقية الصحابة؛ خشية أن يتكلوا عليه، وقال لمعاذ: " لا تبشرهم فيتكلوا " ١. ونظير هذا الحديث قوله ﷺ لأبي هريرة: " بشر الناس أن من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه دخل الجنة " ٢ بل قد تقتضي المصلحة ترك العمل، وإن كان فيه مصلحة لرجحان مصلحة الترك، كما هم النبي ﷺ أن يهدم الكعبة ويبنيها على قواعد إبراهيم، ولكن ترك ذلك خشية افتتان الناس، لأنهم حديثو عهد بكفر٣. ·السابعة عشرة: استحباب بشارة المسلم بما يسره لقوله: " أفلا أبشر الناس؟ " وهذه من أحسن الفوائد. ١ سبق تخريجه (ص ٤٨) . ٢ من حديث أبي هريرة، رواه: مسلم (كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة، ١/٥٩) . ٣ من حديث عائشة، رواه: البخاري (كتاب الحج، باب فضل مكة، ١/٤٨٧)، ومسلم (كتاب الحج، باب نقض الكعبة ٢/٩٦٩) .
[ ١ / ٥٥ ]
الثامنة عشرة: الخوف من الاتكال على سعة رحمة الله.
_________________
(١) ·الثامنة عشرة: الخوف من الاتكال على سعة رحمة الله: وذلك لقوله: " لا تبشرهم فيتكلوا "؛ لأن الاتكال على رحمة الله يسبب مفسدة عظيمة هي الأمن من مكر الله. وكذلك القنوط من رحمة الله، يبعد الإنسان من التوبة، ويسبب اليأس من رحمة الله، ولهذا قال الإمام أحمد: "ينبغي أن يكون سائرا إلى الله بين الخوف والرجاء، فأيهما غلب هلك صاحبه"، فإذا غلب الرجاء أدى ذلك إلى الأمن من مكر الله، وإذا غلب الخوف أدى ذلك إلى القنوط من رحمة الله. وقال بعض العلماء: إن كان مريضا غلَّب جانب الرجاء، وإن كان صحيحا غلب جانب الخوف. وقال بعض العلماء: إذا نظر إلى رحمة الله وفضله؛ غلَّب جانب الرجاء، وإذا نظر إلى فعله وعمله؛ غلَّب جانب الخوف لتحصل التوبة. ويستدلون بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ ١ أي: خائفة أن لا يكون تقبل منهم لتقصير أو قصور، وهذا القول جيد، وقيل: يغلب الرجاء عند فعل الطاعة ليحسن الظن بالله، ويغلِّب جانب الخوف إذا هم بالمعصية؛ لئلا ينتهك حرمات الله. وفي قوله: " أفلا أبشر الناس؟ " ٢ دليل على أن التبشير مطلوب فيما يسر من أمر الدين والدنيا، ولذلك بشرت الملائكة إبراهيم، قال تعالى: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ٣ وهو إسحاق، والحليم إسماعيل، وبشر النبي ﷺ أهله بابنه إبراهيم، فقال: " ولد لي الليلة ولد ١ سورة المؤمنون آية: ٦٠. ٢ سبق تخريجه (ص ٤٨) . ٣ سورة الذاريات آية: ٢٨.
[ ١ / ٥٦ ]
التاسعة عشرة: قول المسؤول عما لا يعلم: الله ورسوله أعلم.
_________________
(١) سميته باسم أبي إبراهيم "١. فيؤخذ منه أنه ينبغي للإنسان إدخال السرور على إخوانه المسلمين ما أمكن بالقول أو بالفعل، ليحصل له بذلك خير كثير، وراحة، وطمأنينة قلب، وانشراح صدر. وعليه، فلا ينبغي أن يدخل السوء على المسلم، ولهذا يروى عن النبي ﷺ: " لا يحدثني أحد عن أحد بشيء، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر "٢. وهذا الحديث فيه ضعف، لكن معناه صحيح، لأنه إذا ذكر عندك رجل بسوء، فسيكون في قلبك عليه شيء ولو أحسن معاملتك، لكن إذا كنت تعامله وأنت لا تعلم عن سيئاته، ولا محذور في أن تتعامل معه، كان هذا طيبا، وربما يقبل منك النصيحة أكثر، والنفوس ينفر بعضها من بعض قبل الأجسام، وهذه مسائل دقيقة تظهر للعاقل بالتأمل. ·التاسعة عشرة: قول المسؤول عما لا يعلم: الله ورسوله أعلم: وذلك لإقرار النبي ﷺ معاذا لما قالها، ولم ينكر النبي ﷺ على معاذ، حيث عطف رسول الله ﷺ على الله بالواو، وأنكر على من قال: " ما ١ من حديث أنس ﵁، رواه: مسلم (كتاب الفضائل، باب رحمته ﷺ الصبيان والعيال، ٤/١٨٠٧) . ٢ من حديث ابن مسعود، رواه: أبو داود (كتاب الأدب، باب في رفع الحديث من المجلس، ٥/١٨٣) - وسكت عنه-، والترمذي (المناقب، باب في فضل أزواج النبي ﷺ، رقم ٣٨٩٣) - وقال: "غريب من هذا الوجه"-، وأحمد في "المسند" (١/٣٩٥) . وفي إسناده عندهم الوليد بن هشام أو ابن أبي هشام الكوفي، مستور; كما في "تقريب التهذيب" (٢/٣٣٦) . وزيد بن زائدة; قال ابن حجر في "التقريب" (١/٢٧٤): "مقبول"، وباقي رجاله ثقات. وصححه أحمد شاكر -﵀- في تحقيقه لـ "المسند" (٣٧٥٩) .
[ ١ / ٥٧ ]
العشرون: جواز تخصيص بعض الناس بالعلم دون بعض.
_________________
(١) شاء الله وشئت، وقال: أجعلتني لله ندا؟! بل ما شاء الله وحده "١. فيقال: إن الرسول ﷺ عنده من العلوم الشرعية ما ليس عند القائل، ولهذا لم ينكر الرسول ﷺ على معاذ، بخلاف العلوم الكونية القدرية، فالرسول ﷺ ليس عنده علم منها. فلو قيل: هل يحرم صوم العيدين؟ جاز أن نقول: الله ورسوله أعلم، ولهذا كان الصحابة إذا أشكلت عليهم المسائل؛ ذهبوا إلى رسول الله ﷺ فيبينها لهم، ولو قيل: هل يتوقع نزول مطر في هذا الشهر؟ لم يجز أن نقول: الله ورسوله أعلم؛ لأنه من العلوم الكونية. ·العشرون: جواز تخصيص بعض الناس بالعلم دون بعض: وذلك أن النبي ﷺ خص هذا العلم بمعاذ دون أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. فيجوز أن نخصص بعض الناس بالعلم دون بعض، حيث إن بعض الناس لو أخبرته بشيء من العلم افتتن، قال ابن مسعود: " إنك لن تحدث قوما بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة "٢ وقال علي: ١ من حديث ابن عباس، رواه: أحمد; كما في "المسند" (١/٢١٤)، وابن ماجه (كتاب الكفارات، باب النهي أن يقال: ما شاء الله وشئت، ١/٦٨٤) . وقال البوصيري في "الزوائد": "وفي إسناده الأجلح بن عبد الله، مختلف فيه، ضعفه الإمام أحمد وأبو حاتم والنسائي وأبو داود وابن سعد، ووثقه ابن معين ويعقوب بن سفيان والعجلي، وباقي الإسناد ثقات". ورواه أيضا: الطبراني في "الكبير" (١٣٠٠٥)، والبيهقي في، "السنن" (٣/٢١٧) . ٢ رواه: مسلم في مقدمة "صحيحه" (١/١١) .
[ ١ / ٥٨ ]
الحادية والعشرون: تواضعه ﷺ لركوب الحمار مع الإرداف عليه.
الثانية والعشرون: جواز الإرداف على الدابة.
الثالثة والعشرون: عظم شأن هذه المسألة.
الرابعة والعشرون: فضيلة معاذ بن جبل.
_________________
(١) " حدثوا الناس بما يعرفون "١ فيحدث كل أحد حسب مقدرته وفهمه وعقله. الحادية والعشرون: تواضعه ﷺ لركوب الحمار مع الإرداف عليه: النبي ﷺ أشرف الخلق جاها، ومع ذلك هو أشد الناس تواضعا، حيث ركب الحمار وأردف عليه، وهذا في غاية التواضع، إذ إن عادة الكبراء عدم الإرداف، وركب ﷺ الحمار، ولو شاء لركب ما أراد، ولا منقصة في ذلك، إذ إن من تواضع لله﷿- رفعه. ·الثانية والعشرون: جواز الإرداف على الدابة: وذلك أن النبي ﷺ أردف معاذا، لكن يشترط للإرداف أن لا يشق على الدابة، فإن شق، لم يجز ذلك. ·الثالثة والعشرون: عظم شأن هذه المسألة: حيث أخبر النبي ﷺ معاذا، وجعلها من الأمور التي يبشر بها. ·الرابعة والعشرون: فضيلة معاذ (: وذلك أن النبي ﷺ خصه بهذا العلم، وأردفه معه على الحمار. ١ رواه: البخاري (كتاب العلم، باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه، ١/٦٢) .
[ ١ / ٥٩ ]