وَلا مُرْجِيًّا حَدَّثْتُكَ، وَإِلا لَمْ أُحَدِّثْكَ، فَقُلْتُ: مَا فِيَّ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي خَصْلَتَيْنِ: تَكْذِيبًا بِالْقَدَرِ، وَتَصْدِيقًا بِالنُّجُومِ ".
وَقَالَ: أَخَذَ يَزِيدُ بِعَرَضِ شَيْبَتِهِ، وَقَالَ: آمَنَّا بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ
وَأَخْرَجَ عَنْ جُنَادَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " ثَلاثٌ مِنْ فِعَالِ
[ ١٦٣ ]
الْجَاهِلِيَّةِ لا يَدَعُهُنَّ أَهْلُ الإِسْلامِ: اسْتِنَاءَةٌ بِالْكَوَاكِبِ، وَطَعْنٌ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيْتِ " وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ فِي أُمَّتِي أَرْبَعًا مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَيْسُوا بِتَارِكِيهِنَّ: الْفَخْرُ فِي الأَنْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَحْسَابِ، وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيْتِ " لأَنَّ تَفْسِيرَ هَذِهِ الأَحَادِيثِ قَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ وَأَخْرَجَ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطِّلِبِ ﵁، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي حَتَّى خَرَجْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا خَرَجْنَا
[ ١٦٤ ]
نَظَرَ إِلَيْهَا، وَقَالَ: " هَذِهِ جَزِيرَةٌ قَدْ بَرِئَتْ مِنَ الشِّرْكِ، مَا لَمْ تُضِلُّهُمُ النُّجُومُ.
قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ تُضِلُّهُمُ النُّجُومُ؟ قَالَ: يَقُولُونَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْغَيْثُ: مُطِرْنَا بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا ".
وَأَخْرَجَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا أَصْبَحَ، قَالَ: " أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ رَبُّكُمُ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ إِلا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ، فَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَحَمِدَنِي عَلَى سُقْيَايَ، فَقَدْ آمَنَ بِي وَكَفَرَ بِالْكَوَاكِبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَقَدْ آمَنَ بِالْكَوَاكِبِ وَكَفَرَنِي، وَكَفَرَ نِعْمَتِي ".
[ ١٦٥ ]
وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الزَّجَّاجِ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا جَاءَ التَّغْلِيظُ فِي هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ الْمَطَرَ الَّذِي جَاءَ عِنْدَ سُقُوطِ النَّجْمِ هُوَ فِعْلُ النَّجْمِ، وَلا يَجْعَلُونَهُ سُقْيًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ وَافَقَ سُقُوطَ النَّجْمِ.
وَأَمَّا مَنْ نَسَبَ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَجَعَلَهُ وَقْتًا كَمَوَاقِيتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا.
[ ١٦٦ ]
وَالدَّلِيلُ عَلَى حُسْنِ ذَلِكَ وَجَوَازِهِ: " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حِينَ اسْتَسْقَى بِالنَّاسِ بِالْمُصَلَّى نَادَى الْعَبَّاسَ: كَمْ بَقِيَ مِنْ نَوْءِ الثُّرَيَّا؟، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِنَّ الْعُلَمَاءَ بِهَا يَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَعْتَرِضُ فِي الأُفُقِ سَبْعًا بَعْدَ وُقُوعِهَا، فَوَاللَّهِ مَا مَضَتْ تِلْكَ السَّبْعُ حَتَّى غِيثَ النَّاسُ ".
قَدْ مَضَى الْكَلامُ فِي الضَّرْبِ الأَوَّلِ مِنْ عِلْمِ النُّجُومِ وَهُوَ الْمُبَاحُ.
[ ١٦٧ ]
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي، وَهُوَ الْمَحْظُورُ، فَهُوَ مَا يَدَّعِيهِ الْمُنَجِّمُونَ مِنَ الأَحْكَامِ، وَلَيْسَ أَشَدُّ إِتْعَابًا لِلْفِكْرِ، وَإِنْصَابًا لِلْبَدَنِ، وَإِضْلالا لِلْفَهْمِ مِنْهُ، فَإِذَا أَنْفَدَ النَّاظِرُ فِيهِ عُمُرَهُ بِإِسْهَارِ اللَّيْلِ، وَشَغَلَ الْقَلْبَ عَنِ الْمَطْعَمِ، وَالْمَشْرَبِ، وَاللَّذَّاتِ، وَالْعَمَلِ لِلدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَتَبَاعَدَ مِنَ اللَّهِ، وَرَسُولِهِ، وَمِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، وَرَمَاهُ النَّاسُ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ بِالْكُفْرِ وَالزَّنْدَقَةِ، كَانَ عُرْفُهُ الَّذِي انْتَهَى إِلَيْهِ، وَزُبْدَتُهُ الَّتِي مَخَضَ عَنْهَا عِلْمَ كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ مَتَى يَكُونُ؟ وَفِي أَيِّ وَقْتٍ يُحْدَثُ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ؟ وَمِقْدَارُ مَا يَكْسَفُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَوَقْتُ الانْجِلاءِ؟ وَهَذَا عِلْمٌ لا يَنْفَعُ اللَّهُ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، لا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى أَمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وَإِنَّمَا الْكُسُوفُ شَيْءٌ قَدَّرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِمَسِيرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، فَيَكُونُ بِاجْتِمَاعِهِمَا أَوْ تَقَابُلِهِمَا، وَلَيْسَ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْلَمْ وَقْتَ الْكُسُوفِ حِينَ يَكُونُ مِنْ عَيْبٍ وَلا نَقْصٍ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْعَيْبُ فِي الْجَهْلِ بِمَا تَعْلَمُهُ الْعَرَبُ مِنْ أَمْرِ النُّجُومِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ، فَإِنِ اسْتَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ، وَأَطْمَعَهُ فِي الْقَضَاءِ وَالأَحْكَامِ، وَاعْتَقَدَ فِي الْكُسُوفِ أَنَّهُ لِمَوْتِ أَحَدٍ أَوْ حَيَاتِهِ أَوْ حُلُولِ حَادِثَةٍ وَوُقُوعِ جَائِحَةٍ، فَقَدْ عَقِلَهُ الشَّيْطَانُ بِالْغُرُورِ، وَقَطَعَ أَسْبَابَهُ مِنَ الدِّينِ، لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَأْثَرَ بِالْغَيْبِ دُونَ أَنْبِيَائِهِ وَمَلائِكَتِهِ،
[ ١٦٨ ]
إِلا مَا أَطْلَعَهُمْ عَلَيْهِ.
وَأَخْرَجَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: إِنَّمَا انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلاةِ» .
وَأَخْرَجَ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبَّادٍ الْعَبْدِيِّ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، قَالَ: شَهِدْتُ خُطْبَةً لِسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، فَذَكَرَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ،
[ ١٦٩ ]
أَنَّهُ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ كُسُوفَ الشَّمْسِ وَكُسُوفَ هَذَا الْقَمَرِ، وَزَوَالَ هَذِهِ النُّجُومِ عَنْ مَوَضِعِهَا لِمَوْتِ رِجَالٍ عُظَمَاءَ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، وَإِنَّهُمْ قَدْ كَذَبُوا، وَلَكِنَّهَا هِيَ آيَاتُ اللَّهِ يَعْتَبِرُ بِهَا عِبَادُهُ، لِيَنْظُرَ مَنْ يُحْدِثُ لَهُ مِنْهُمْ تَوْبَةً» قَالَ الشَّيْخُ: إِنْ سَأَلَ سَائِلٌ عَنْ حَدِيثِ، عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي، فَأَرَانِي الْقَمَرَ، فَقَالَ: «اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا، فَإِنَّهُ الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ» .
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا: أَخَذَ بِيَدِي، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، تَعَوَّذِي بِاللَّهِ مِنْ هَذَا، فَإِنَّهُ الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ» .
وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْقَمَرُ غَاسِقًا، لأَنَّهُ يَكْسَفُ،
[ ١٧٠ ]
فَيَغْسَقُ، أَيْ يَسْوَدُّ، وَيُظْلَمُ.
الْغَسَقُ: الظُّلْمَةُ.
وَوُقُوبُهُ: دُخُولُهُ إِمَّا فِي حَالِ الْكُسُوفِ، وَإِمَّا فِي شَيْءٍ يَسْتُرُهُ، وَيُكْسَفُ نُورُهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: تَعَوَّذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ، لأَنَّ أَهْلَ الْفَسَادِ يَنْتَشِرُونَ فِي الظُّلْمَةِ، وَيَتَمَكَّنُونَ فِيهَا مِمَّا لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ فِي حَالِ
[ ١٧١ ]
الضِّيَاءِ، فَيَقْدُمُونَ عَلَى الْعَظَائِمِ، وَيَجْتَرِئُونَ عَلَى انْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ، فَأَضَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِعْلَ أَهْلِ الْفَسَادِ فِي تِلْكَ الْحَالِ إِلَى الْقَمَرِ، لأَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ الْفِعْلِ: كُسُوفُهُ، كَمَا يُسَمَّى الشَّيْءُ بِاسْمِ غَيْرِهِ إِذَا كَانَ سَبَبًا لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلَوْ كَانَ النَّظَرُ فِي أَحْكَامِ النُّجُومِ يُفُيدُ عِلْمًا صَحِيحًا، لَمْ يَجُزْ لَنَا اسْتِعْمَالُهُ، لأَنَّ شَرِيعَتَنَا قَدْ حَظَرَتْهُ وَنَهَتْ عَنْهُ، فَلا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ الدُّخُولُ فِيهِ، وَكَيْفَ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ وَقَدْ حَظَرَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ مَا دُونَهُ مِنْ تَعْلِيقِ الْخَرَزِ، وَالْحَلَقِ لِلْمَنْفَعَةِ بِهَا.
وَأَخْرَجَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي عَضُدِ رَجُلٍ حَلْقَةً مِنْ صُفْرٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» فَقَالَ: مِنَ الْوَاهِنَةِ.
قَالَ: «انْبُذْهَا عَنْكَ، فَإِنَّهَا لا تُزِيدُكَ إِلا وَهْنًا، لَوْ مِتَّ
[ ١٧٢ ]
وَهِيَ عَلَيْكَ وُكِّلْتَ إِلَيْهَا» .
وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي قِلابَةَ، قَالَ: «قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّمِيمَةَ مِنْ قِلادَةِ الصَّبِيِّ» .
قَالَ: وَهُوَ الشَّيْءُ يُحْرِزُ فِي عُنُقِ الصَّبِيِّ مِنَ الْعَيْنِ، وَقَطَعَهَا مِنْ عُنُقِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
قَالَ الشَّيْخُ: فَقَدْ وَرَدَ هَذَا التَّغْلِيطُ فِي تَعْلِيقِ حَلْقَةٍ وَنَحْوِهَا، فَكَيْفَ فِي خِدْمَةِ كَوْكَبٍ وَطَاعَةِ مُنَجِّمٍ؟ ! فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ هُبُوبِ بَعْضِ الرِّيَاحِ: «هَبَّتْ لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُنَافِقِينَ» .
وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخُ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: رُحْنَا مِنَ الْمُرَيْسِيعِ قَبْلَ الزَّوَالِ،
[ ١٧٣ ]
وَكَانَ الْجُهْدُ بِنَا يَوْمَنَا وَلَيْلَتَنَا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: وَسَرَّحَ النَّاسُ ظَهْرَهُمْ، فَأَخَذَتْهُمْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، حَتَّى أَشْفَقَ النَّاسُ مِنْهَا، وَسَأَلُوا عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «لِمَوْتِ مُنَافِقٍ عَظِيمِ النِّفَاقِ بِالْمَدِينَةِ، فَلِذَلِكَ عَصَفَتِ الرِّيحُ» .
فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى عَرَّفَ نَبِيَّهُ ﷺ أَنَّهُ إِذَا هَبَّتْ رِيحٌ فِي يَوْمِ كَذَا، فَاعْلَمْ أَنِّي أُمِيتُ فُلانًا، وَكَفَيتُكَ أَمْرَهُ، فَيَكُونُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ إِخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا أَنْكَرْتَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ وَضَعَ عَلَى النُّجُومِ عَلامَاتٍ وَدِلالاتٍ أَنَّهَا إِذَا نَزَّلَتْ بَعْضَ الْبُرُوجِ، دَلَّتْ عَلَى كَذَا؟ قُلْنَا: لا يُنْكَرُ هَذَا لَوْ أَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ، وَرَسُولُهُ ﷺ فَأَمَّا وَلَمْ يَأْتِ الْخَبَرُ بِذَلِكَ، فَإِنَّا لا نُجَوِّزُهُ، وَلا نُجَوِّزُ إِلا مَا جَوَّزَتْهُ الشَّرِيعَةُ، أَوِ اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَى تَجْوِيزِهِ.
[ ١٧٤ ]
مَطْلَبُ ذِكْرِ الأَحَادِيثِ الْمَأْثُورَةِ فِي النَّهْيِ عَنِ النَّظَرِ فِي أَحْكَامِ النُّجُومِ وَأُخْرِجَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: «لا تَسْأَلُوا عَنِ النُّجُومِ، وَلا تُفَسِّرُوا الْقُرْآنَ بِرَأْيِكُمْ، وَلا تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي، فَإِنَّ ذَلِكَ الإِيمَانُ الْمَحْضُ» .
وَأُخْرِجَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: «نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ النَّظَرِ فِي النُّجُومِ، وَأَمَرَنِي بِإِسْبَاغِ الطُّهُورِ» .
[ ١٧٥ ]
وَبِطَرِيقٍ آخَرَ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا عَلِيُّ، أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَإِنْ شَقَّ عَلَيْكَ، وَلا تَأْكُلِ الصَّدَقَةَ، وَلا تُنْزِ الْحَمِيرَ عَلَى الْخَيْلِ، وَلا تُجَالِسْ أَصْحَابَ النُّجُومِ» .
وَأُخْرِجَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ النَّظَرِ فِي النُّجُومِ» .
وَأَخْرَجَ بِطَرِيقٍ آخَرَ عَنْهُ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنِ النَّظَرِ فِي النُّجُومِ» .
وَأَخْرَجَ عَنْهُ ﵁ بِطُرِقٍ شَتَّى، أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى
[ ١٧٦ ]
النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النَّظَرِ فِي النُّجُومِ» .
وَأَخْرَجَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النَّظَرِ فِي النُّجُومِ» .
وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا، وَإِذَا ذُكِرَ الْقَدَرُ فَأَمْسِكُوا، وَإِذَا ذُكِرَتِ النُّجُومُ فَأَمْسِكُوا» .
[ ١٧٧ ]
وَأَخْرَجَ بِطُرُقٍ أُخَرَ عَنْهُ مِثْلَهُ.
وَعَنِ الأَعْمَشِ مِثْلَهُ سَوَاءٌ.
قَالَ الشَّيْخُ ﵀: أَرَادَ ﷺ بِالإِمْسَاكِ عَنِ النُّجُومِ الْكَفَّ عَمَّا يَقُولُ الْمُنَجِّمُونَ فِيهَا، مِنْ أَنَّهَا فَاعِلَةٌ مُدَبِّرَةٌ، وَأَنَّهَا
[ ١٧٨ ]
تُسْعِدُ وَتُنْحِسُ، وَأَنَّ مَا يَكُونُ فِي الْعَالَمِ مِنْ حَادِثٍ فَهُوَ بِحَرَكَاتِ النُّجُومِ، فَأَمَرَ ﵊ بِالإِمْسَاكِ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ، وَأَنْ يُقَالَ فِيهَا: إِنَّهَا كَمَا جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى يُهْتَدَى بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ، وَالْبَحْرِ، وَيُعْرَفُ بِالشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ عَدَدُ السِّنِينَ وَالْحِسَابُ، وَإِنَّ فِيهَا دَلالَةً عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ.
وَأَخْرَجَ بِطُرِقٍ عَدِيدَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ، فَقَدِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، مَا زَادَ زَادَ، وَمَا زَادَ زَادَ» .
[ ١٧٩ ]
إِنْ قِيلَ: كَيْفَ أَضَافَ النَّبِيُّ ﷺ عِلْمَ النُّجُومِ إِلَى السِّحْرِ؟ فَالْجَوَابُ: لأَنَّهُمَا وَقَعَا مِنَ التَّمْوِيهِ، وَالْخِدَاعِ، وَالأَبَاطِيلِ مَوْقِعًا وَاحِدًا، إِذِ النُّجُومُ لا فِعْلَ لَهَا فِي خَيْرٍ وَلا شَرٍّ، وَإِنَّمَا اللَّهُ تَعَالَى الْفَاعِلُ عِنْدَ حَرَكَتِهَا، وَكَذَلِكَ السِّحْرُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ الْمَلَكَيْنِ مَعَ مَنْ أَخَذَ السِّحْرَ عَنْهُمَا: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فَأَعْلَمَنَا أَنَّ ذَلِكَ إِذَا وَقَعَ
[ ١٨٠ ]
عَنْ فِعْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَلَيْسَ بِوَاقِعٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ، أَيْ: بِإِرَادَةِ اللَّهِ ﷿.
وَأَخْرَجَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفِ بْنِ الأَحْمَرِ، أَنَّ مُسَافِرَ بْنَ عَوْفٍ، قَالَ لِعَلِيٍّ ﵁ حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الأَنْبَارِ إِلَى أَهْلِ النَّهْرَوَانِ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لا تَسِرْ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ، وَسِرْ فِي ثَلاثِ سَاعَاتٍ يمْضِينَ مِنَ النَّهَارِ.
قَالَ عَلِيٌ ﵁: وَلِمَ؟ قَالَ: لأَنَّكَ إِنْ سِرْتَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ أَصَابَكَ أَنْتَ وَأَصْحَابَكَ بَلاءٌ، وَضُرٌّ شَدِيدٌ، وَإِنْ سِرْتَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي أَمَرْتُكَ
[ ١٨١ ]
بِهَا، ظَفَرْتَ، وَظَهَرْتَ، وَأَصَبْتَ مَا طَلَبْتَ.
فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: مَا كَانَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ مُنجِّمٌ، وَلا لَنَا مِنْ بَعْدِهِ، هَلْ تَعْلَمُ مَا فِي بَطْنِ فَرَسِي هَذِهِ؟ قَالَ: إِنْ حَسَبْتُ عَلِمْتُ.
قَالَ: مَنْ صَدَّقَكَ بِهَذَا الْقَوْلِ كَذَّبَ الْقُرْآنَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤] .
مَا كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يَدَّعِي عِلْمَ مَا ادَّعَيْتَ عِلْمَهُ، تَزْعُمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي تُصِيبُ السُّوءَ مَنْ سَارَ فِيهَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: مَنْ صَدَّقَكَ بِهَذَا الْقَوْلِ اسْتَغْنَى عَنِ اللَّهِ فِي صَرْفِ الْمَكْرُوهِ عَنْهُ، وَيَنْبَغِي لِلْمُقِيمِ بِأَمْرِكِ أَنْ يُوَلِيَكَ الْحَمْدَ دُونَ اللَّهِ رَبِّهِ، لأَنَّكَ أَنْتَ بِزَعْمِكَ هَدَيْتَهُ إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي
[ ١٨٢ ]
تُنْجِي مِنَ السُّوءِ مَنْ سَافَرَ فِيهَا، فَمَنْ صَدَّقَكَ بِهَذَا الْقَوْلِ لَمْ آمَنْ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ كَمَنِ اتَّخَذَ دُونَ اللَّهِ نِدًّا أَوْ ضِدًّا، اللَّهُمَّ لا طَائِرَ إِلا طَائِرُكَ، وَلا خَيْرَ إِلا خَيْرُكَ، وَلا إِلَهَ غَيْرُكَ.
نُكَذِّبُكَ، وَنُخَالِفُكَ، وَنَسِيرُ فِي السَّاعَةِ الَّتِي تَنْهَانَا عَنْهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِيَّاكُمْ وَتَعَلُّمَ هَذِهِ النُّجُومِ إِلا مَا تَهْتَدُونَ بِهِ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، إِنَّمَا الْمُنَجِّمُ كَالْكَافِرِ، وَالْكَافِرُ فِي النَّارِ، وَالْمُنَجِّمُ كَالسَّاحِرِ، وَالسَّاحِرُ كَالْكَافِرِ، وَالْكَافِرُ فِي النَّارِ، وَاللَّهِ لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَنْظُرُ فِي النُّجُومِ، وَتَعْمَلُ بِهَا، لأُخَلِّدَنَّكَ فِي الْحَبْسِ مَا بَقِيتَ وَبَقِيتُ، وَلأَحْرِمَنَّكَ الْعَطَاءَ مَا كَانَ لِي سُلْطَانٌ، ثُمَّ سَارَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي نَهَاهُ عَنْهَا، فَلَقِيَ أَهْلَ النَّهْرَوَانِ، فَقَتَلَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ سِرْنَا فِي السَّاعَةِ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا، فَظَفَرْنَا وَظَهَرْنَا، لَقَالَ قَائِلٌ: سَارَ
[ ١٨٣ ]
فِي السَّاعَةِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا الْمُنَجِّمُ.
مَا كَانَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ مُنَجِّمٌ، وَلا لَنَا مِنْ بَعْدِهِ، فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا بِلادَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَسَائِرَ الْبِلْدَانِ.
أَيُّهَا النَّاسُ تَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَثِقُوا بِهِ، فَإِنَّهُ يَكْفِي مِمَّنْ سِوَاهُ ".
وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، أَنَّ الرَّبِيعَ بْنَ سَبْرَةَ الْجُهَنِي حَدَّثَهُ، قَالَ: " لَمَّا غَزَا عُمَرُ ﵁ وَأَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى الشَّامِ خَرَجْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نُدْلِجَ نَظَرْتُ فَإِذَا الْقَمَرُ فِي الدَّبَرَانَ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَذْكُرَ لِعُمَرَ ذَلِكَ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ ذِكْرَ النُّجُومِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا حَفْصٍ، انْظُرْ إِلَى الْقَمَرِ مَا أَحْسَنَ اسْتِوَاءِهِ اللَّيْلَةَ! فَنَظَرَ
[ ١٨٤ ]
فَإِذَا هُوَ فِي الدَّبَرَانِ، قَالَ: قَدْ عَرَفْتُ مَا تُرِيدُ يَا ابْنَ سَبْرَةَ، تَقُولُ: إِنَّ الْقَمَرَ بِالدَّبَرَانِ، وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا نَخْرُجُ بِالشَّمْسِ وَلا بِالْقَمَرِ، وَلَكِنْ نَخْرُجُ بِاللَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ".
قَالَ الشَّيْخُ: كَذَا كَانَ الْحَدِيثُ فِي أَصْلِ الْحِيرِيِّ، وَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ عِنْدِي سَمَاعُ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ عُمَرَ ﵁، وَلَعَلَّ الرَّبِيعَ رَوَاهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ ﵁ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَخْرَجَ عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ تَعَالَى: " ﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلا﴾ [النحل: ١٥]، قَالَ: طُرُقًا، ﴿وَعَلامَاتٍ﴾ [النحل: ١٦]، قَالَ: هِيَ النُّجُومُ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا خَلَقَ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلاثِ خِصَالٍ: جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَجَعَلَهَا نَهْتَدِي بِهَا، وَجَعَلَهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينَ، فَمَنْ تَعَاطَى فِيهَا غَيْرَ ذَلِكَ، فَقَدْ أَخْطَأَ حَظَّهُ، وَقَالَ رَأْيَهُ، وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وَتَكَلَّفَ
[ ١٨٥ ]
مَا لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَإِنَّ أُنَاسًا جَهَلَةً بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ أَحْدَثُوا فِي هَذِهِ النُّجُومِ كِهَانَةً: مَنْ أَعْرَسَ بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا، كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَمَنْ سَافَرَ بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا، كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَعَمْرِي مَا مِنَ النُّجُومِ نَجْمٌ إِلا يُولَدُ بِهِ الطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ، وَالأَحْمَرُ وَالأَبْيَضُ، وَالْحَسَنُ وَالذَّمِيمُ، قَالَ: وَمَا عِلْمُ هَذَا النَّجْمِ وَهَذِهِ الدَّابَّةِ وَهَذَا الطَّيْرِ بِشَيْءٍ مِنَ الْغَيْبِ، وَقَضَى اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ: ﴿لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥] .
وَلَعَمْرِي لَوْ أَنَّ أَحَدًا عَلِمَ الْغَيْبَ لَعَلِمَهُ آدَمُ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَهُ مَلائِكَتَهُ، وَعَلَّمَهُ أَسْمَاءَ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَسْكَنَهُ الْجَنَّةَ، فَأَكَلَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شَاءَ، وَنَهَاهُ عَنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَمَا زَالَ بِهِ الْبَلاءُ حَتَّى وَقَعَ بِمَا نُهِيَ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ أَحَدٌ يَعْلَمُ الْغَيْبَ لَعَلِمَهُ الْجِنُّ حِينَ مَاتَ نَبِيُّ اللَّهِ سُلَيْمَانُ ﵇ فَلَبِثَ الْجِنُّ يَعْمَلُونَ لَهُ حَوْلا فِي أَشَدِّ الْعَذَابِ وَأَشَدِّ الْهَوَانِ لا يَشْعُرُونَ بِمَوْتِهِ، وَمَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ، وَهِيَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: تَبَيَّنَتِ الإِنْسُ أَنَّ الْجِنَّ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ.
قَالَ: قَدْ كَانَتْ تَقُولُ قَبْلَ ذَلِكَ: إِنَّا نَعْلَمُ،
[ ١٨٦ ]