حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: أَنْبَأَ أَبُو عِمَارَةَ التِّنِّيسِيُّ، قَالَ: أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: ذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْكِنْدِيُّ فِي كِتَابِ الأَدْوَارِ مَا أَقَامَ بِهِ لِلْمُنَجِّمِينَ عُذْرًا لأَغْلاطِهِمْ، فَحَطَّ بِذَلِكَ مِنْ أَقْدَارِهِمْ: " أَنَّ عُلَمَاءَ الْهِنْدِ كَانُوا أَحْذَقَ النَّاسِ بِهَذَا الْعِلْمِ، وَأَصْدَقَهُمْ فِي الْحُكْمِ، وَأَنَّهُ نَشَأَ فِيهِمْ أَوْلادُهُمْ، فَأَحَبُّوا إِفَادَتَهُمْ عِلْمَهُمْ، فَوَاظَبُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَزِدْهُمْ طُولُ الْمُوَاظَبَةِ مِنَ الْعِلْمِ لِغُمُوضِهِ إِلا بُعْدًا، وَمِنْ فَهْمٍ إِلا جَهْلا وَصَدًّا، فَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنْ يَخْتَصِرُوا مِنْ عِلْمِهِمْ جُزْءًا يُلْقُونَهُ إِلَيْهِمْ لِيَقْرُبَ فِهْمُهُ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَصَرُوهُ، وَصَنَّفُوهُ كِتَابَيْنِ: الأَرجهير، وَتَفْسِيرُهُ جُزْءٌ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ مِنْ عِلْمِهِمْ، وَالْمِجَسْطِيَّ، وَأَلْقَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِمْ فَقَبِلَتْهُ أَفْهَامُهُمْ، وَقَوِيَتْ عَلَى
[ ٢٠٦ ]
تَعَلُّمِهِ طِبَاعُهُمْ، وَهَلَكَ الْمُخْتَصِرُونَ، وَأَسَنَّ الْمُتَعَلِّمُونَ، وَنَشَأَ فِيهِمْ شَبَابٌ وَغِلْمَانٌ أَحَبُّوا لَهُمْ مِثْلَ مَا أَحَبَّ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ، فَجَذَبُوهُمْ إِلَى التَّعْلِيمِ، فَاسْتَغْلَقَ بَابُهُ عَلَيْهِمْ، وَدَقَّ مَا كَانَ اخْتُصِرَ عَلَى عُقُولِهِمْ، فَلَمْ يَفْهَمُوهُ، وَلا تَعَلَّمُوهُ، فَقَالَ الْمُسِنُّونَ: قَدْ عَرَضَ لِهَؤُلاءِ مِنْ قِلَّةِ الْفَهْمِ مَا يُخَافُ مَعَهُ دُثُورُ هَذَا الْعِلْمِ، وَقَدْ كَانَ عُلَمَاؤُنَا اخْتَصَرُوا لَنَا مِنْ عِلْمِهِمْ مَا قَدْ صَعُبَ الْيَوْمَ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَصِرُوا لِهَؤُلاءِ أَيْضًا مِثْلَ مَا اخْتُصِرَ لَنَا، فَاخْتَصَرُوا مِنَ الأرجهير جُزْءًا مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ، وَصَنَّفُوهُ كِتَابًا يُدْعَى الأَرْكَنْدُ وَتَفْسِيرُهُ: الْمُسَهَّلُ، وَأَلْقَوْهُ عَلَيْهِمْ، فَقَبِلُوهُ، وَتَعَلَّمُوهُ، وَأَحَاطَتْ بِهِ أَفْهَامُهُمْ، وَأَدْرَكَتْهُ أَذْهَانُهُمْ، ثُمَّ اخْتُصِرَ مِنَ الْمِجَسْطِيِّ وَمِنْ هَذِينِ الْكِتَابَيْنِ أَعْنِي الأَرْكَنْدَ، اخْتُصِرَتِ الزِّيجَاتُ الَّتِي بِأَيْدِيهِمُ الْيَوْمَ ".
قَالَ يَعْقُوبُ: فَمَا ظَنُّكَ بِعِلْمٍ اخْتُصِرَ مِنْهُ جُزْءٌ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ، وَمِنْ جُزْءٍ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ مَا يَبْقَى مِنَ الإِصَابَةِ فِيهِ؟ ! قَالَ الشَّيْخُ: فَأَوْرَدَ هَذَا كَمَا تَرَى لِلاعْتِذَارِ مِنْ بُعْدِ إِصَابَةِ
[ ٢٠٧ ]
الْمُنَجِّمِينَ، وَكَثْرَةِ أَغْلاطِهِمِ وَهَذِهِ الْحِكَايَةُ مَا نَعْلَمُ أَلَهَا صِحَّةٌ أَمْ لا؟ وَإِلا اشْتَبَهَ بِطُولِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ بِأَنَّ الزِّيجَاتِ قَدِ اخْتُصِرَتْ مِنْ مُخْتَصَرِ الْمُخْتَصَرِ، وَإِنَّ اخْتِصَارَهَا مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءٍ كَثِيرَةٍ، مَا أُنْكِرَ قَوْلُهُ، لِمُشَابَهَتِهِ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَلَوْ صَحَّ مَا ذَكَرَهُ يَعْقُوبُ مِنْ ذَهَابِ مَا ذَهَبَ مِنْ عِلْمِ النُّجُومِ وَاخْتِلالِهِ، لَكَانَ تَرْكُهُ وَالإِعْرَاضُ عَنْهُ أَوْلَى مِنِ اسْتِعْمَالِهِ
وَأَخْرَجَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: " كَانَتْ أَرْضٌ بَيْنَ أَبِي وَبَيْنَ رَجُلٍ، فَأَرَادَ قِسْمَتَهَا، وَكَانَ الرَّجُلُ صَاحِبَ نُجُومٍ، فَنَظَرَ إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي فِيهَا السُّعُودُ، فَخَرَجَ فِيهَا، وَنَظَرَ إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي فِيهَا النُّحُوسُ، فَبَعَثَ إِلَى أَبِي، فَلَمَّا اقْتَسَمَا الأَرْضَ، خَرَجَ خَيْرُ السَّهْمَيْنِ لأَبِي، فَجَعَلَ صَاحِبُ النُّجُومِ يَتَعَجَّبُ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: مَا لَكَ؟ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: فَهَلا أَدُلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِمَّا صَنَعْتَ؟
[ ٢٠٨ ]
إِذَا أَصْبَحْتَ، فَتَصَدَّقْ بِصَدَقَةٍ، يَذْهَبْ عَنْكَ نَحْسُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ، فَتَصَدَّقْ بِصَدَقَةٍ، يَذْهَبْ عَنْكَ نَحْسُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ ".
وَأَخْرَجَ عَنْ عَبْدِ الْحَكَمِ بْنِ سَلامٍ الْمِصْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ، يَقُولُ: رَأَيْتُ فِي بَعْضِ الْبَرَارِي كِتَابًا، وَكَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ اللِّسَانَ، فَدَبَّرْتُهُ فَإِذَا فِيهِ:
يُدَبِّرُ بِالنُّجُومِ وَلَيْسَ يَدْرِي وَرَبُّ الْعَرْشِ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ
وَأَخْرَجَ عَنِ الأَصْمَعِيِّ، قَالَ: قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ
[ ٢٠٩ ]
أَحْمَدَ:
" بَلِّغَا عَنِّي الْمُنَجِّمَ أَنِّي كَافِرٌ بِالَّذِي قَضَتْهُ الْكَوَاكِبْ
مُؤْمِنٌ أَنَّ مَا يَكُونُ وَمَا كَانَ قَضَاءٌ مِنَ الْمُهَيْمِنِ وَاجِبْ.
وَأَخْرَجَ عَنْهُ أَيْضًا لِلْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ:
أَبْلِغَا عَنِّي الْمُنَجِّمَ أَنِّي كَافِرٌ بِالَّذِي قَضَتْهُ الْكَوَاكِبْ
عَالِمٌ أَنَّ مَا يَكُونُ وَمَا كَانَ قَضَاءٌ مِنَ الْمُهَيْمِنِ وَاجِبْ
مُوقِنٌ أَنَّ مَنْ تَكَهَّنَ أَوْ نَجَّمَ كُلُّ عَلَى الْمَقَادِيرِ كَاذِبْ
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيُّ: الْبَيْتُ الثَّالِثُ أَنْشَدَنِيهِ أَبِي بِغَيْرِ
[ ٢١٠ ]
هَذَا الإِسْنَادِ وَأَخْرَجَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو خَلِيفَةَ، قَالَ: وَقَفَ بَعْضُ الْمُنَجِّمِينَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الأَصَمِّ، فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ قَالَ: أَصْبَحْتُ أَغْدُو عَلَى الاسْتِخَارَةِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَنْتَ تَغْدُو عَلَى الطَّالِعِ، وَأَصْبَحْتُ أَرْجُو اللَّهَ، وَأَنْتَ تَرْجُو الْمُشْتَرِيَ، وَأَصْبَحْتُ أَخَافُ اللَّهَ ﷿، وَأَنْتَ تَخَافُ زُحَلَ "
[ ٢١١ ]
أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: قِيلَ لأَبِي مُحَمَّدٍ الْبَافِيِّ " إِنَّ مُنَجِّمًا لَقِيَ رَجُلا مُسْلِمًا، فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ فَقَالَ: أَصْبَحْتُ أَرْجُو اللَّهَ، وَأَخَافُهُ، وَأَصْبَحْتَ أَنْتَ تَرْجُو الْمُشْتَرِيَ، وَتَخَافُ زُحَلَ، فَنَظَمَهُ الْبَافِيُّ شِعْرًا، وَأَنْشَدَنَاهُ:
أَصْبَحْتُ لا أَرْجُو وَلا أَخْشَى سِوَى الْجَبَّارِ فِي الدُّنْيَا وَيَوْمِ الْمَحْشَرِ
وَأَرَاكَ تَخْشَى مَا يُقَدَّرُ أَنَّهُ يَأْتِي بِهِ زُحَلٌ وَتَرْجُو الْمُشْتَرِي
شَتَّانَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ فَالْتَزِمْ طُرْقَ النَّجَاةِ وَخَلِّ طُرْقَ الْمُنْكَرِ "
[ ٢١٢ ]
وَأَخْرَجَ عَنِ الْبَافِيِّ لَهُ:
وَكُنْتُ إِنْ بَكَّرْتُ فِي حَاجَةٍ أُطَالِعُ التَّقْوِيمَ وَالزِّيجَا
فَأَصْبَحَ الزِّيجُ كَتَصْحِيفِهِ وَأَصْبَحَ التَّقْوِيمُ تَعْوِيجَا
وَأَخْرَجَ عَنْ مَنْصُورٍ الْفَقِيهِ لَهُ:
[ ٢١٣ ]
مَنْ كَانَ يَخْشَى زُحَلا أَوْ كَانَ يَرْجُو الْمُشْتَرِي
فَإِنَّنِي مِنْهُ وَإِنْ كَانَ أَبِي الأَدْنَى بَرِي
وَأَخْرَجَ عَنْ مَنْصُورٍ الْفَقِيهِ أَيْضًا لَهُ:
إِذَا كُنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ النُّجُومَ تَضُرُّ وَتَنْفَعُ مَنْ تَحْتَهَا
فَلا تُنْكِرَنْ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِأَنَّكَ بِاللَّهِ أَشْرَكْتَهَا
وَلِمَنْصُورٍ أَيْضًا فِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُ بِغَيْرِ هَذَا الإِسْنَادِ:
[ ٢١٤ ]
لَيْسَ لِلنَّجْمِ إِلَى ضُرٍّم وَلا نَفْعٍ سَبِيلْ
إِنَّمَا النَّجْمُ عَلَى الأَوْقَاتِ وَالشَّمْسِ دَلِيلْ
أَنْشَدَنِي أَبُو النَّجِيبِ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الأُرْمَوِيُّ، قَالَ: أَنْشَدَنِي مَعْرُوفُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُذَكَّرُ لابْنِ عَبَّادٍ الصَّاحِبِ: «خَوَّفَنِي مُنَجِّمٌ أَخُو خَبَلْ تَرَاجُعَ الْمِرِّيخِ فِي بُرْجِ الْحَمَلْ
[ ٢١٥ ]
فَقُلْتُ دَعْنِي مِنْ أَبَاطِيلِ الْحِيَلْ الْمُشْتَرِي عِنْدِي سَوَاءٌ وَزُحَلْ أَدْفَعُهُ بِخَالِقِي ﷿»
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، أنا أَبُو عِمَارَةَ التِّنِّيسِيُّ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، قَالَ: أُنْشِدْتُ لِبَعْضِهِمْ: «