عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلا عِكْرِمَةُ عَنْ حِسَابِ النُّجُومِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَتَحَرَّجُ أَنْ يُخْبِرَهُ، قَالَ عِكْرِمَةُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: «عِلْمٌ عَجَزَ النَّاسُ عَنْهُ وَدِدْتُ أَنْ عَلِمْتَهُ»
قَالَ الشَّيْخُ: وَالَّذِي سَأَلَهُ عِكْرِمَةُ عَنْهُ إِنَّمَا كَانَ مِنَ الضَّرْبِ الأَوَّلِ الَّذِي كَانَتِ الْعَرَبُ تَخْتَصُّ بِهِ، فَظَنَّ الرَّجُلُ أَنَّهُ مَحْظُورٌ لَمَّا سَمِعَ التَّغْلِيظَ الْوَارِدَ فِي عِلْمِ النُّجُومِ، وَحَسِبَ أَنَّهُ عَلَى الْعُمُومِ.
يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: مَا قَدَّمَنَا ذِكْرَهُ مِنْ رُوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّغْلِيظِ عَلَى مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ.
وَيُوَضِّحُهُ أَيْضًا مَا رُوِيَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ قَوْمًا يَنْظُرُونَ فِي النُّجُومِ، وَيَحْسِبُونَ أَبْرَاجًا، وَمَا أَرَى لِلَّذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مِنْ خَلاقٍ» .
[ ١٨٩ ]
وَأَخْرَجَ عَنْ مَيْمُونَ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ لابْنِ عَبَّاسٍ: أَوْصِنِي.
قَالَ: «أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهَ، وَإِيَّاكَ وَعِلْمَ النُّجُومِ، فَإِنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْكِهَانَةِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَذْكُرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلا بِخَيْرٍ، فَيُكِبَّكَ اللَّهُ عَلَى وَجْهِكَ فِي جَهَنَّمَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَظْفَرَ بِهِمْ هَذَا الدِّينَ، وَإِيَّاكَ وَالْكَلامَ فِي الْقَدَرِ، فَإِنَّهُ مَا تَكَلَّمَ فِيهِ اثْنَانِ إِلا أَثِمَا، أَوْ أَثِمَ أَحَدُهُمَا» .
[ ١٩٠ ]
قَالَ الشَّيْخُ: فَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّ عِلْمَ النُّجُومِ شُعْبَةٌ مِنَ السِّحْرِ»، وَقَالَ: هُوَ أَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْكِهَانَةِ، وَكِلا الأَمْرَيْنِ أَعْنِي السِّحْرَ وَالنُّجُومَ، عَظِيمٌ أَمْرُهُمَا، فَظِيعٌ شَأْنُهُمَا وَالْكِهَانَةُ مِنْ عُلُومِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَتِ الشَّيَاطِينُ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ، فَتُلْقِيَهُ إِلَى أَوْلِيَائِهَا مِنَ الْكَهَنَةِ، فَأَبْطَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِالإِسْلامِ، وَحَرَسَ السَّمَاوَاتِ بِالنُّجُومِ وَالشُّهُبِ، وَمَنَعَ الشَّيَاطِينَ مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمَعِ.
وَأَخْرَجَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ سَاحِرًا، أَوْ عَرَّافًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ» .
[ ١٩١ ]
وَأَخْرَجَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْكُهَّانُ قَدْ كَانُوا يُحَدِّثُونَ بِشَيْءٍ، فَيَكُونُ حَقًّا.
قَالَ: «تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ، فَيَقْذِفُهَا فِي أُذِنِ وَلِيِّهِ، فَيُزِيدُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كِذْبَةٍ» .
قَالَ الشَّيْخُ: إِنَّمَا يَدْخُلُ الشَّبَهُ عَلَى النَّاسِ فِي أَمْرِ الْمُنَجِّمِينَ مِنْ قَبِيلِ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْمُنَجِّمَ يُصِيبُ فِي مَسْأَلَةٍ تَقْعُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، كَالْجَنِينِ الَّذِي لا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، أَوِ الْمَرِيضِ الَّذِي لا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَصِحَّ أَوْ يَمُوتَ، وَالْغَائِبِ الَّذِي لا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَانٍ أَوْ يَؤُوبَ.
[ ١٩٢ ]
وَمِنْ شَأْنِ النَّاسِ أَنْ يَحْفَظُوا الصَّوَابَ لِلْعُجْبِ بِهِ وَالشَّغَفِ، وَيَتَنَاسَوْنَ الْخَطَأَ، لأَنَّهُ الأَصْلُ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ، وَالأَمْرُ الَّذِي لا يُنْكِرُونَهُ، وَمَنْ ذَا الَّذِي يَتَحَدَّثُ بِأَنَّهُ سَأَلَ الْمُنَجِّمَ فَأَخْطَأَ؟ ! وَإِنَّمَا التَّحَدُّثُ بِأَنَّهُ سَأَلَهُ فَأَصَابَ.
وَالصَّوَابُ فِي الْمَسْأَلَةِ إِذَا كَانَتْ بَيْنَ أَمْرَينِ قَدْ يَقَعُ أَحْيَانًا لِلْمَعْتُوهِ وَالطِّفْلِ، فَضْلا عَنِ المُتَلَطِّفِ الرَّفِيقِ، وَالْقَوْلُ فِي إِصَابَةِ الْمُنَجِّمِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ فِي الطَّيْرَةِ:
تَعَلَّمْ أَنَّهُ لا طَيْرَ إِلا عَلَى مُتَطَيِّرٍ وَهِيَ الثُّبُورُ
بَلْ شَيْءٌ يُوَافِقُ بَعْضَ شَيْءٍ أَحَايِينًا وَبَاطِلُهُ كَثِيرُ
وَإِنْ وُجِدَ لِمَنْ يَدَّعِي الأَحْكَامَ إِصَابَةٌ فِي شَيْءٍ، فَخَطَؤُهُ أَضْعَافُهُ، وَلا تَبْلُغُ إِصَابَتُهُ عُشْرَ مِعْشَارِهِ، وَتَكُونُ الإِصَابَةُ اتِّفَاقًا
[ ١٩٣ ]
كَمَا يَظُنُّ الظَّانُّ الْمُنَافِي لِلْعِلْمِ الْمُقَارِنِ لِلْجَهْلِ الشَّيْءَ فَيَكُونُ عَلَى ظَنِّهِ، وَيُخْطِئُ فِيمَا هُوَ مَعْلُومٌ أَكْثَرَ عُمُرِهِ، وَلا يُقَالُ: إِنَّ هَذِهِ إِصَابَةٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهَا، وَيُرْجَعُ إِلَيْهَا، بَلْ إِذَا تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الإِصَابَةُ فِي قَوْلِهِ، وَكَثُرَ الصِّدْقُ فِي لَفْظِهِ وَالصِّحَّةُ فِي حُكْمِهِ، وَلَمْ يُخْرَمْ مِنْهُ إِلا الأَقَلُّ حِينَئِذٍ سَلِمَتْ لَهُ هَذِهِ الْفَضِيلَةُ، وَشُهِدَ لَهُ بِهَذِهِ الْمُعْجِزَةِ، وَلا فَرْقَ بَيْنَ الْمُنَجِّمِ وَالْكَاهِنِ إِذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي الإِخْبَارَ بِالْغُيُوبِ، وَكَيْفَ يُسَلَّمُ لِلْمُنَجِّمِينَ مَا يَدَّعُونَهُ وَأَحَدُهُمْ عَلَى التَّحْقِيقِ مَا يَعْرِفُ مَا حَدَثَ فِي مَنْزِلِهِ وَلا مَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ، بَلْ لا يَعْرِفُ مَا يُصْلِحُهُ فِي نَفْسِهِ، وَيُؤْثِرُ عَنْهُ أَنْ يُخْبِرَ بِالْغَيْبِ الَّذِي لَمْ يُؤْتِهِ اللَّهُ أَحَدًا، وَلَمْ يَسْتَوْدِعْهُ بَشَرًا إِلا لِرَسُولٍ يَرْتَضِيهُ أَوْ نَبِيٍّ يَصْطَفِيهُ.
وَأَخْرَجَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِنِسَاءٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي عُرْسٍ وَهُنَّ يُغَنِّينَ:
[ ١٩٤ ]
وَأَهْدَى لَهَا كَبْشًا تَنَحْنَحَ فِي الْمِرْبَدِ وَزَوْجُكِ فِي النَّادِي وَيَعْلَمُ مَا فِي غَدِ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلا اللَّهُ تَعَالَى» .
وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهَا إِلا اللَّهُ: لا يَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ إِلا اللَّهُ، وَلا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَلا يَعْلَمُ مَا غَدٍ إِلا اللَّهُ، وَلا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ إِلا اللَّهُ، وَلا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ أَحَدٌ إِلا اللَّهُ ﷿ ".
قَالَ: وَقَدْ نَطَقَ الْقُرْآنُ بِمِثْلِ مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْحَدِيثُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ
[ ١٩٥ ]
الْغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤]، وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ عِنْدَهُ عِلْمَ هَذِهِ الأَشْيَاءِ وَفِي خَلْقِهِ مَنْ يَعْلَمُهَا كَعِلْمِهِ، وَلَوْ كَانَ فِي خَلْقِهِ مَنْ يَعْلَمُهَا كَعِلْمِهِ مَا كَانَ لِوَصْفِهِ نَفْسَهُ بِالْعِلْمِ بِهَا مَوْقِعٌ يَخْتَصُّ بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، لِمُشَارَكَةِ خَلْقِهِ فِيهَا، وَلا إِفَادَةَ لِلْمُتَصَفِّحِ قَرَاءَتَهَا، وَإِذَا اشْتَرَكَ الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ فِي شَيْءٍ، فَكَيْفَ يَتَبَيَّنُ الْقَادِرُ مِنْهُمَا وَالْعَاجِزُ فِيهِمَا عَلَى أَوْضَاعِ الْمُنَجِّمِينَ وَهُمْ قَدْ شَارَكُوا رَبَّ الْعَالَمِينَ ﵎ فِي عِلْمِ هَذِهِ الأُمُورِ؟ لأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُخْبِرُ أَنَّ طُوفَانَ نَارٍ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ يَحُدُّهُ يَأْتِي عَلَى الْخَلْقِ يَنْتَثِرُ لَهُ الْكَوَاكِبُ، فَالْمُظْهِرُ لِلتَّمَسُّكِ بِالشَّرْعِ مِنْهُمْ يَقُولُ: إِنَّهُ الْقِيَامَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَيَتَكَلَّمُونَ أَيْضًا فِي الْغَيْثِ وَفِي تَحَاوِيلِ السِّنِينَ، وَيَحْكُمُونَ عَلَى الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ مِنْ طَالِعٍ يُؤْخَذُ لِلْوَقْتِ أَوْ كَانَ أُخِذَ لِسُقُوطِ النُّطْفَةِ، فَيَقُولُونَ ذَكَرٌ هُوَ أَوْ أُنْثَى، وَمَتَى تُلْقِيهِ أُمُّهُ، وَيَتَحَقَّقُونَ بِحُكْمِهِمْ مُدَّةَ عُمُرِهِ وَمَا يَكُونُ حِرْفَتُهُ، وَأَيُّ شَيْءٍ يَصِيرُ إِلَيْهِ مِنْ كَسْبِهِ، وَأَيْنَ يَكُونُ مَنِيَّتُهُ.
وَلَوْ صَحَّ أَنَّ أَقْوَالَ الْمُنَجِّمِينَ فِي الْقَطْعِ عَلَى الآجَالِ صَحِيحَةٌ غَيْرُ سَقِيمَةٍ، وَفِي الأَرْزَاقِ وَالاكْتِسَابِ صَادِقَةٌ غَيْرُ كَاذِبَةٍ،
[ ١٩٦ ]
لاحْتَرَسَ الْعِبَادُ مِنْ مَالِكِهِمْ، وَجَازَتْ عَلَيْهِ حِيَلُهُمْ، وَأَفْسَدَ إِرَادَتَهُ مَكْرُهُمْ.
وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ بِاللَّهِ فِي ذَلِكَ، فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخُ بِسَنَدِهِ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ أَحْكَامَ النُّجُومِ لا يَصْلُحُ تَعَاطِي عِلْمِهَا لِذِي عَقْلٍ وَلا دِينٍ، لأَنَّهُ لا سَبِيلَ إِلَى اتِّصَالِ الصَّوَابِ فِيهَا، وَالَّذِي يُشْبِهُ الصَّوَابَ فَإِنَّمَا يَتَهَيَّأُ بِالاتِّفَاقِ، وَكَيْفَ الْعَاقِلُ مِنْ نَفْسِهِ بِأَنْ يُكَذَبَ مَرَّةً، وَيُصْدَقَ أُخْرَى؟ وَإِنَّمَا عُمُرُ الإِنْسَانِ كَالْبِضَاعَةِ الَّتِي يَنْبَغِي أَلا يُنْفِقَهَا إِلا فِي عِلْمٍ يَزْدَادُ بِالإِنْفَاقِ، فَبُعْدًا مِنْ بَاطِلٍ، وَقُرْبًا مِنْ حَقٍّ، وَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ لا يُخْطِئَ النَّاظِرُ فِي أَحْكَامِ النُّجُومِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ لَكَانَ فِي ذَلِكَ تَنْغِيصٌ لِلْعَيْشِ، وَتَكْدِيرٌ لِصَفْوِهِ، وَتَضْيِيقٌ لِمُنْفَسَحِ الآمَالِ الَّتِي بِهَا قَرَّتِ الأَنْفُسُ، وَعُمِرَتِ الدُّنْيَا، وَلَمْ يَفِ مَا يُرْجَى مِنَ الْخَيْرِ مَا يُتَوَقَّعُ مِنَ الشَّرِّ، لأَنَّ بَعْضًا لَوْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَمُوتُ إِلَى سَنَةٍ لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ
[ ١٩٧ ]
يَكْتَسِبُهُ مِنْ دُنْيَاهُ، وَلا صِحَّةٍ يَمْتَنِعُ بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَهَذَا لا يُشْبِهُ تَفَضُّلَ اللَّهِ، وَإِحْسَانَهُ، وَرَأْفَتَهُ بِخَلْقِهِ، وَلَوْ أَنَّ النَّاظِرَ فِيهَا عَلِمَ أَنَّهُ لا يَمُوتُ مِائَةَ سَنَةٍ، وَأَنَّهُ يَمْلِكُ فِيهَا مَا مَلَكَ قَارُونُ، وَيَكُونُ عَلَى غَايَةِ الصِّحَّةِ، لَبَطَرَ، وَمَا انْتَهَى عَنْ لَذَّةٍ وَلا فَاحِشَةٍ، وَلا تَوَرَّعَ عَنْ مُحَرَّمٍ، وَلا اتَّقَى حَتْفًا هَاجِمًا، وَلا زَوَالا مِنْ نِعْمَةٍ، اتِّكَالا عَلَى مَا عَلِمَ مِنْ عُمُرِهِ وَحَالِهِ، وَلَفَسَدَتِ الدُّنْيَا بِذَلِكَ، فَسَادُهَا بِإِهْمَالِ النَّاسِ، لَوْ تَرَكُوا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ، وَلأَكَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلَعَلَّ أَحَدَهُمْ أَنْ يُؤَخِّرَ التَّوْبَةَ إِلَى يَوْمٍ أَوْ سَاعَةٍ أَوْ سَنَةٍ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَيَتَحَاذَقَ عَلَى رَبِّهِ، وَيْدُخَلَ الْجَنَّةَ بِتَوْبَتِهِ، وَلَيْسَ هَذَا فِي حِكْمَةِ اللَّهِ ﷿ وَصَوَابِ تَدْبِيرِهِ، فَلا شَكَّ أَنَّ الْخَيْرَ فِيمَا اخْتَارَهُ اللَّهُ لَنَا مِنْ طَيِّ عِلْمِ ذَلِكَ عَنَّا، وَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى جَمِيلِ صُنْعِهِ وَلَطِيفِ إِحْسَانِهِ» .
وَأَخْرَجَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: " هَلْ لِعِلْمِ النُّجُومِ أَصْلٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، يُقَالُ لَهُ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ: إِنَّا لا نُؤْمِنُ لَكَ حَتَّى تُعِلِّمَنَا بِدُوَّ الْخَلْقِ وَآجَالَهُ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى غَمَامَةٍ، فَأَمْطَرَتْهُمْ، وَاسْتَنْقَعَ عَلَى الْجَبَلِ مَاءٌ صَافٍ، ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ
[ ١٩٨ ]
وَالنُّجُومِ أَنْ تَجْرِيَ فِي ذَلِكَ الْمَاءِ، ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ أَنْ يَرْتَقِيَ هُوَ وَقَوْمُهُ عَلَى الْجَبَلِ، فَارْتَقَوُا الْجَبَلَ، فَقَامُوا عَلَى الْمَاءِ حَتَّى عَرَفُوا بُدُوَّ الْخَلْقِ وَآجَالَهُ بِمَجَارِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَسَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَعْلَمُ مَتَى يَمُوتُ وَمَتَى يَمْرَضُ، وَمَنْ ذَا الَّذِي يُولَدُ لَهُ، وَمَنْ ذَا الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ، قَالَ: فَبَقُوا كَذَلِكَ بُرْهَةً مِنْ دَهْرِهِمْ، ثُمَّ إِنَّ دَاوُدَ ﵊ قَاتَلَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ، فَأَخْرَجُوا إِلَى دَاوُدَ فِي الْقِتَالِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، وَمَنْ حَضَرَ أَجَلُهُ خَلَّفُوهُ فِي بُيُوتِهِمْ، فَكَانَ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ دَاوُدَ، وَلا يُقْتَلُ مِنْ هَؤُلاءِ أَحَدٌ، فَقَالَ دَاوُدُ: يَا رَبِّ، أُقَاتِلُ عَلَى طَاعَتِكَ، وَيُقَاتِلُ هَؤُلاءِ عَلَى مَعْصِيَتِكَ، فَيُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِي، وَلا يُقْتَلُ مِنْ هَؤُلاءِ أَحَدٌ.
فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنِّي كُنْتُ عَلَّمْتُهُمْ بُدُوَّ الْخَلْقِ وَآجَالَهُ، وَإِنَّمَا أَخْرَجُوا إِلَيْكَ مَنْ لَمْ يَحْضُرْهُ أَجَلُهُ، وَمَنْ حَضَرَ أَجَلُهُ خَلَّفُوهُ فِي بُيُوتِهِمْ، فَمِنْ ثُمَّ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِكَ، وَلا يُقْتَلُ مِنْهُمْ أَحَدٌ.
قَالَ دَاوُدُ: يَا رَبِّ، عَلَى مَاذَا عَلَّمْتَهُمْ؟ قَالَ: عَلَى مَجَارِي الشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، وَالنُّجُومِ، وَسَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.
قَالَ: فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى، فَحُبِسَتِ الشَّمْسُ عَلَيْهِمْ، فَزَادَ فِي النَّهَارِ، فَاخْتَلَطَتِ الزِّيَادَةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَلَمْ يَعْرِفُوا قَدْرَ الزِّيَادَةِ، فَاخْتَلَطَ عَلَيْهِمْ حِسَابُهُمْ.
[ ١٩٩ ]
قَالَ عَلِيٌ: فَمِنْ ثُمَّ كُرِهَ النَّظَرُ فِي النُّجُومِ ".
قَالَ الشَّيْخُ: فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ وَاحِدٍ مَجْهُولٍ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ عِلْمِ الْقَوْمِ بِأَوْقَاتِ آجَالِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ غَالِبِ أَحْوَالِهِمْ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَحَبْسُ اللَّهِ تَعَالَى الشَّمْسَ عَلَى دَاوُدَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لأَنَّ فِي رُوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تُحْبَسْ عَلَى أَحَدٍ، إِلا عَلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ لَيَالِيَ سَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ» .
وَأَمَّا بِطُولِ عِلْمِ النُّجُومِ الْمُتَعَلِّقِ بِالأَحْكَامِ، فَإِنَّهُ صَحِيحٌ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا، وَمِمَّا سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: «لَمَّا تَجَهَّزَ الْمُعْتَصِمُ لِغَزْوِ عَمُّورِيَّةَ حَكَمَ الْمُنَجِّمُونَ عَلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ أَنَّهُ لا يَرْجِعُ مِنْ غَزْوِهِ، فَإِنْ رَجَعَ كَانَ مَعْلُولا خَائِبًا، لأَنَّهُ خَرَجَ فِي وَقْتِ نَحْسٍ، فَكَانَ مِنْ فَتْحِهِ الْعَظِيمِ وَظَفَرِهِ مَا لَمْ يَخْفَ» .
حَتَّى وَصَفَ ذَلِكَ أَبُو تَمَّامٍ
[ ٢٠٠ ]
الطَّائِيُّ فِي قَصِيدَتِهِ الَّتِي أَوَّلُهَا: " السَّيْفُ أَصْدَقُ أَنْبَاءً مِنَ الْكُتُبِ فَقَالَ:
وَالْعِلْمُ فِي شُهُبِ الأَرْمَاحِ لامِعَةٌ بَيْنَ الْخَمِيسَيْنِ لا فِي السَبْعَةِ الشُّهُبِ
أَيْنَ الرُّوَايَةُ أَمْ أَيْنَ النُّجُومُ وَمَا صَاغُوهُ مِنْ زُخْرُفٍ فِيهَا وَمِنْ كَذِبِ
تَخَرُّصًا وَأَحَادِيثًا مُلَفَّقَةً لَيْسَتْ بِنَبْعٍ إِذَا عُدَّتْ وَلا غُرُبِ
عَجَائِبًا زَعَمُوا الأَيَّامَ مُجْفِلَةً عَنْهُنَّ فِي صَفَرِ الأَصْفَارِ أَوْ رَجَبِ
وَخَوَّفُوا النَّاسَ مِنْ دَهْيَاءَ مُظْلِمَةٍ إِذَا بَدَا الْكَوْكَبُ الْغَرْبِيُّ ذُو الذَّنَبِ
وَصَيَّرُوا الأَبْرَاجَ الْعُلْيَا مَرْتَبَةً مَا كَانَ مُنْقَلِبًا أَوْ غَيْرَ مُنْقَلِبِ
[ ٢٠١ ]
يَقْضُونَ بِالأَمْرِ عَنْهَا وَهِيَ غَافِلَةٌ مَا دَارَ فِي فَلَكٍ مِنْهَا وَفِي قُطُبِ
لَوْ بَيَّنَتْ قَطُّ أَمْرًا قَبْلَ مَوْقِعِهِ لَمْ يَخْفَ مَا حَلَّ بِالأَوْثَانِ وَالصُّلُبِ ".
وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي الطَّيِّبِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكَاتِبِ لِمُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ الضَّبِّيِّ: «
إِنَّ النُّجُومَ الَّتِي تَسْرِي بِهَا الْعَرَبُ زُرْقُ الأَسِنَّةِ وَالْهِنْدِيَّةُ الْقُضُبُ
الْبِيضُ وَالسُّمْرُ أَمْضَى فِي مَطَالِعِهَا مِنَ النُّجُومِ وَأَسْدُ الْحَرْبِ تُجْتَنَبُ
لأَنَّهَا أَنْجُمٌ شُهْبٌ إِذَا نَجَمَتْ ضَلَّتْ هُنَاكَ لَدَيْهَا الأَنْجُمُ الشُّهُبُ
كَفَاكَ بِالسَّيْفِ نَجْمًا لَيْسَ يُسْعِدُهُ رَأْسٌ فَيُنْجِيَهُ فِي حَالَةٍ ذَنَبُ
[ ٢٠٢ ]
مَا لِلْكَوَاكِبِ مِنْ صُنْعٍ وَمِنْ عَمَلٍ إِلا التَّخَرُّصُ مِنْ قَوْمٍ بِهَا اكْتَسَبُوا
إِنَّ النُّجُومَ غُفُولٌ فِي أَمَاكِنِهَا عَمَّا تَدُورُ بِهِ الأَيَّامُ وَالْحُقَبُ
فَكَيْفَ تُحَدِّثُ فِيمَا بَيْنَنَا عُقُبًا مِنَ الزَّمَانِ وَفِيمَا بَيْنَهَا عُقُبُ
أَمْ كَيْفَ يَقْضِي عَلَى مَا لا نُشَاهِدُهُ مِنْهَا وَمَا هِيَ عَنْهُ نُزَّحٌ غُيُبُ
مَا فِي النُّجُومِ لِذِي لُبٍّ وَمَعْرِفَةٍ مُمَيَّزٌ وَطَرٌ يَوْمًا وَلا إِرَبُ
لَوْ أنَّهَا فَعَلَتْ شَيْئًا إِذَا رَفَعَتْ عَنْهَا الْمَنَاحِسُ إِذْ ذَاكَ الَّذِي يَجِبُ
فَالْبَعْضُ يَكْسِفُ مِنْهَا الْبَعْضَ مُعْتَرِضًا فَآفِلٌ مَرَّةً عَنْهَا وَمُنْقَلِبُ
حَصِّلْ عَلَى الْمُدَّعِي عِلْمًا بِغَامِضِهَا فَإِنَّ مَحْصُولَهُ التَّمْوِيهُ وَالْكَذِبُ
مَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا مَاذَا يَحِلُّ بِهِ لَمْ يَدْرِ مِنْ غَيْرِهِ مَا بَعْدُ يَكْتَسِبُ
[ ٢٠٣ ]
إِنَّ الَّذِي ابْتَدَعَ الأَشْيَاءَ دَبَّرَهَا فِي الْخَلْقِ لا فَلَكٌ يَدْرِي وَلا قُطْبُ» .
وَأَخْرَجَ عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّ قَيْصَرَ، سَأَلَ قُسَّ بْنَ سَاعِدَةَ، قَالَ: " أَخْبِرْنِي هَلْ نَظَرْتَ فِي النُّجُومِ؟ قَالَ: نَعَمْ أَيُّهَا الْمَلِكُ، نَظَرْتُ فِيمَا يُرَادُ بِهِ الْهِدَايَةُ، وَلَمْ أَنْظُرْ فِيمَا يُرَادُ بِهِ الْكِهَانَةُ، وَقَدْ قُلْتُ فِي النُّجُومِ أَبْيَاتًا مِنَ الشِّعْرِ، فَأَنْشَأَ:
عِلْمُ النُّجُومِ عَلَى الْعُقُولِ وَبَالُ وَطِلابُ شَيْءٍ لا يُنَالُ ضَلالُ
مَاذَا طِلابُكَ عِلْمَ شَيْءٍ غُيِّبَتْ مِنْ دُونِهِ الْخَضْرَاءُ لَيْسَ يُنَالُ
هَيْهَاتَ مَا أَحَدٌ بِغَامِضِ فِطْنَةٍ يَدْرِي كَمِ الأَرْزَاقُ وَالآجَالُ
إِلا الَّذِي مِنْ فَوقِ عَرْشٍ رَبُّنَا لِوَجْهِهِ الإِكْرَامُ وَالإِجْلالُ ".
[ ٢٠٤ ]
وَأَخْرَجَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَارِيِّ أَنَّهُ أَنْشَدَ: "
أَيُّهَا الْمُعْتَزِي إِلَى التَّنْجِيمِ تُهْتَ فِي غَمْرَةِ الْجَهُولِ الأَثِيمِ
أَتَعْلَمُ النُّجُومُ تَحْكُمُ فِي الْغَيْبِ بِحُكْمٍ يَرُدُّ حُكْمَ الْحَكِيمِ
كَيْفَ تَدْرِي النُّجُومُ أَمْ كَيْفَ تُنْبِي بِقَضَاءٍ مُغَيَّبٍ مَكْتُومِ
وَهِيَ لا تَعْلَمُ النُّحُوسَ إِذَا مَا أَدْرَكَتْهَا مِنْ أَيِّمَا إِقْلِيمِ
لا وَمَنْ ظِلْتُ أَرْتَجِي مِنْهُ عَفْوًا عَنْ ذُنُوبِي وَفُرْجَةِ الْهُمُومِ
مَا عَلَى الأَرْضِ مَنْ يُطِيقُ مِنَ الْخَلْقِ دِفَاعَ الْمُكَوَّنِ الْمَحْتُومِ
فَكِلِ الأَمْرَ إِنْ عَقِلْتَ إِلَى اللَّهِ وَلا تَغْتَرِرْ بِلَبْسِ النُّجُومِ
[ ٢٠٥ ]