اللَّهُ ينقص ما يشاء ومنه إتمام الزيادة
دع ما تريد لما يريد فإن لله الإرادة»
أنشدنا أبو إسحاق إبراهيم بن علي الفيروز أبادي الفقيه لنفسه
حكيم يرى أَنَّ النُّجُومَ حَقِيقَةٌ وَيَذْهَبُ فِي أَحْكَامِهَا كُلَّ مَذْهَبِ
يُخَبِّرُ عَنْ أَفْلاكِهَا وَبُرُوجِهَا وَمَا عِنْدَهُ عِلْمٌ بِمَا فِي الْمُغَيَّبِ
[ ٢١٨ ]
وَأَخْرَجَ عَنْ فَضْلِ بْنِ مَرْوَانَ يَقُولُ: " عِلْمَانِ نَظَرْتُ فِيهِمَا، أَمْعَنْتُ النَّظَرَ، فَلَمْ أَرَهُمَا يَصِحَّانِ: النُّجُومُ، وَالسِّحْرُ ".
وَهَذَا كَلامٌ لِبَعْضِ الْمُتقَدِّمِينَ فِي الطَّعْنِ عَلَى الْمُنَجِّمِينَ.
قَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ السَّلَفِ: يُقَالُ لِلْمُنَجِّمِ: أَخْبِرْنِي عَمَّا ادَّعَيْتَهُ مِنْ عِلْمِ النُّجُومِ، وَكَثْرَةِ شَوَاهِدِهِ وَبَرَاهِينِهِ، لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ خَالَفَكَ فِيهِ مُخَالِفُونَ؟ وَطَعَنَ عَلَيْكَ طَاعِنُونَ؟ فَأَقَلُّهُمْ عَلَيْكَ اعْتِرَاضًا، وَأَسْهَلُهُمْ فِيكَ أَمْرًا: مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ قِيَاسَكَ قِيَاسٌ فَاسِدٌ، وَنَظَرَكَ نَظَرٌ مَدْخُولٌ، وَأَنَّكَ لا تَرْجِعُ مِنْ ذَلِكَ إِلا إِلَى ظَنٍّ وَحِسْبَانٍ، وَأَكْثَرُ مَا تَقُولُهُ مِنْهُ، فَإِنَّمَا تَقُولُهُ بِالْحَدْسِ وَالتَّبْخِيتِ، وَأَنَّكَ فِي أَكْثَرِهِ كَصَاحِبِ الزَّوْجِ وَالْفَرْدِ، أَوْ كَالْمُتَخَرِّصِ الْمُدَّعِي عِلْمَ عِلْمِ الْغَيْبِ.
وَيَسْتَدِلُّ قَائِلُ هَذَا بِكَثْرَةِ خَطَئِكَ فِي قَضَايَاكَ وَقَوْلِكَ لِلشَّيْءِ:
[ ٢١٩ ]
إِنَّهُ يَكُونُ، وَلا يَكُونُ، وَللشَّيْءِ إِنَّهُ لا يَكُونُ، فَيَكُونُ، وَفِي تَوْقِيتِكَ لِلشَّيْءِ وَقْتًا قَرِيبًا، فَيَكُونُ بَعِيدًا، وَرُبَّمَا بَاعَدْتَهُ، فَيَكُونُ قَرِيبًا، وَيُخْبِرُ عَنْ مِقْدَارِ الشَّيْءِ الْكَائِنِ، فَيَتَضَعَّفُ أَضْعَافًا، وَرُبَّمَا يَنْقُصُ نُقْصَانًا كَثِيرًا، وَيَمْتَحِنُكَ الْمُمْتَحِنُ، فَيَقُولُ: بِمَ تَقْضِي عَلَيَّ: أَقُومُ أَمْ أَقْعُدُ، فَإِنْ قُلْتَ تَقُومُ: قَعَدْتُ، وَإِنْ قُلْتَ: تَقْعُدُ قُمْتُ.
فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا لَطِيفٌ لا يَضْبِطُهُ الْحِسَابُ، وَلا يُحَصِّلُهُ الْقَضَاءُ.
قَالَ لَكَ: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ أَمْرَ النُّجُومِ كُلَّهُ لَطِيفٌ لا يَضْبِطُهُ الْحِسَابُ، وَلا يُحَصِّلُهُ الْقَضَاءُ، وَلا يَصِحُّ فِيهِ، وَكَذَا إِنْ قُلْتَ: إِنَّ هَذَا لا يَكُونُ إِلا مِنْ غَلَطِ الْحَاسِبِ وَالْمُنَجِّمِ، قَالَ لَكَ خَصْمُكَ: فَلَعَلَّ أَوَّلَ هَذَا وَآخِرَهُ غَلَطٌ، وَأَنْتَ لا تَعْلَمُ.
فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّ الَّذِي يُؤَمِّنُنِي مِنَ الْغَلَطِ فِي الْكُلِّ، وَالَّذِي يَدُلُّنِي عَلَى أَنَّ فِيهِ الأَمْرَ الْجَلِيلَ الْمَفْهُومَ: أَنِّي قَدْ أَجِدُ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ صَحِيحًا، وَإِنِّي إِذَا تَحَفَّظْتُ فِي الْحِسَابِ وَالْحُكْمِ، أَصَبْتُ، وَلَمْ أُخْطِ، رَجَعَ خَصْمُكَ إِلَى أَنْ يَقُولَ: فَهَكَذَا أَصْحَابُ الْحَدَسِ وَالتَّبْخِيتِ وَالتَّخْلِيطِ، وَالنَّاظِرُونَ فِي الأَكْتَافِ قَدْ يُصِيبُونَ كَثِيرًا،
[ ٢٢٠ ]
وَيَقُولُ قَائِلُهُمْ: لَوْ تَحَفَّظْتُ لَمْ أُخْطِ، وَكَذَا صَاحِبُ الزُّكَانِ قَدْ يُصِيبُ بِأَكْثَرَ مِنْ صَوَابِكَ، وَيُجِيبُ بِأَوْضَحَ مِنْ جَوَابِكَ، وَهَذَا الرَّاجِزُ يَأْتِي بِالأَمْرِ الْعَجِيبِ، وَالصَّوَابِ الْكَثِيرِ، وَيُخْبِرُ عَنِ الشَّاهِدِ وَالْغَائِبِ، وَعَمَّا كَانَ وَيَكُونُ فِي الأَوْقَاتِ الْيَسِيرَةِ وَالْمُدَدِ الْقَرِيبَةِ، وَلا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إِلَى أَخْذِكَ الارْتِفَاعَ وَتَعَرُّفِكَ الْوَقْتَ، وَإِحْصَائِكَ السَّاعَاتِ، وَإِقَامَتِكَ الطَّالِعَ وَالأَوْتَارَ، وَتَقَوُّمِكَ الْكَوَاكِبَ، وَمَعْرِفَتِكَ بِالاتِّصَالِ وَالانْصِرَافِ وَمَطَارِحِ الشُّعَاعِ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ، مَعَ أَشْيَاءَ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِكَ.
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا عِنْدَ خَصْمِكَ أَكْثَرُ مِنْكَ صَوَابًا، وَأَخْصَرُ جَوَابًا، وَأَقَلُّ تَرْدَادًا وَتَوَقُّفًا، وَأَمْضَى عَزِيمَةً، وَأَنْفَذُ بَصِيرَةً، مَعَ غِنَاهُمْ عَنْ آلاتِكَ، وَكَثْرَةِ مُقَدِّمَاتِكَ، وَلَيْسَ الشَّأْنُ أَنْ تُحَسِّنَ أَمْرَ نَفْسِكَ، وَتَلْتَمِسَ لَهَا الْمَعَاذِيرَ عِنْدَ خَصْمِكَ، وَإِنَّمَا الشَّأَنُ: فِي أَنْ تَصْدَعَ بِالْحُجَّةِ، وَتَأْتِيَ بِالْبَيِّنَةِ الْوَاضِحَةِ، مَعَ أَنَّ بَعْضَ مَنْ يَشْرَكُكَ فِي صِنَاعَتِكَ يَزْعُمُ أَنَّ عِلْمَ النُّجُومِ لا يَثْبَتُ فِي الْقِيَاسِ، وَلا يَصِحُّ عِنْدَ الاحْتِجَاجِ، وَأَصْلُهُ: أَوْضَاعٌ مُسْتَحْسَنَةٌ،
[ ٢٢١ ]
وَأُمُورٌ اصْطِلاحِيَّةٌ، قَالَ: وَإِلا فَبِأَيِّ قِيَاسٍ أَوْجَبَ قِسْمَةَ الْبُرُوجِ الاثْنَيْ عَشَرَ عَلَى الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ، وَكَيْفَ صَارَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْكَوَاكِبِ الْخَمْسَةِ بَيْتَانِ بَيْتَانِ، وَلِلنَّيِّرَيْنِ بَيْتٌ بَيْتٌ، وَبِأَيَّةِ حُجَّةٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْجَدْيُ وَالدَّلْوُ بَيْتَيْ زُحَلَ دُونَ سَائِرِ الْبُيُوتِ الاثْنَيْ عَشَرَ، وَلِمَ صَارَ الْقَوْسُ وَالْحُوتُ بَيْتَيِ الْمُشْتَرِي دُونَ غَيْرِهِمَا؟ ! وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْمِرِّيخِ وَالشَّمْسِ، وَالزُّهَرَةِ، وَعُطَارِدِ، وَالْقَمَرِ، وَمَا الَّذِي أَوْجَبَ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ شُرُفُ الشَّمْسِ: الْحَمْلَ، وَهُبُوطُهَا فِي الْمِيزَانِ دُونَ أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ بِخِلافِ ذَلِكَ، وَدُونَ أَنْ يَكُونَ شُرُفُهَا: الأَسَدَ الَّذِي زَعَمْتُمْ أَنَّهُ بَيْتُهَا، وَيَكُونُ هُبُوطَهَا هُوَ الدَّلْوُ الَّذِي زَعَمْتُمْ أَنَّهُ بَيْتُ وَبَالِهَا، وَيَجْرِي الْقَوْلُ فِي سَائِرِ الْكَوَاكِبِ وَبُيُوتِهَا وَإِشْرَافِهَا، وَمَوَاضِعِ هُبُوطِهَا وَمُثَلَّثَاتِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قِسْتُمُوا لِهَا هَذَا الْمَجْرَى، وَلِمَ بَدَأْتُمْ بِزُحَلَ فِي الْقِسْمَةِ؟ وَلِمَ حِينَ بَدَأْتُمْ بِهِ أَعْطَيْتُمُوهُ بَيْتَيْنِ بَيْتَيْنِ دُونَ ثَلاثَةٍ، وَدُونَ وَاحِدٍ؟ ! فَإِنْ قُلْتُمْ: بَدَأْنَا بِالزُّحَلِ، لأَنَّهُ أَعْلَى فَلَكًا مِنْ سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَأَوْسَعُ دَائِرَةً، وَأَثْقَلُ سَيْرًا، وَأَقْوَى أَمْرًا.
قُلْنَا: وَلِمَ بَدَأْتُمْ بِهِ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، وَدُونَ أَنْ تَبْدَأُوا بِالشَّمْسِ الَّتِي هِيَ عِنْدَكُمْ قَيِّمَةُ الْكَوَاكِبِ، وَبِهَا يَسْتَقِيمُ، وَبِهَا تَرْجِعُ، وَتَسْتَوْلِي عَلَى النُّجُومِ، فَتُحْرِقُهَا، وَتَذْهَبُ بِقُوَاهَا، وَبِطُلُوعِهَا يَكُونُ
[ ٢٢٢ ]
النَّهَارُ، وَبِمَغِيبِهَا يَأْتِي اللَّيْلُ، وَهِيَ سِرَاجُ الْعَالَمِ، وَضَوْءُهُ، وَأَحْرَى أَنُّكُمْ بَدَأْتُمْ بِهَا فِي الإِشْرَاقِ، فَهَلا بَدَأْتُمْ بِهَا فِي الْبُيُوتِ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: إِنَّا نَبْدَأُ بِالشَّمْسِ فِي الْقِسْمَةِ لِهَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي وُصِفَتْ، قِيلَ لَهُ: وَلِمَ بَدَأْتُمْ بِهَا قَبْلَ زُحَلَ، وَالزُّحَلُ عِنْدَكُمْ بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا؟ ثُمَّ يُقَالُ: وَأَيُّ قِيَاسٍ أَوْجَبَ قِسْمَةَ الْحُدُودِ؟ أَعَلَى مَا قَسَّمَهَا عَلَيْهِ الْمِصْرِيُّونَ وَأَهْلُ بَابِلَ؟ أَوْ عَلَى مَا قَسَّمَهَا عَلَيْهِ بَطْلَيْمُوسُ مَعَ تَفَاوِتِ اخْتِلافِهِمَا؟ أَوَ لَيْسَ بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا الْخِلافِ يَتَحَيَّرُ النَّاظِرُ فِي عُلُومِ النُّجُومِ؟ أَوْ يَيَأْسُ مِنْ إِدْرَاكِ عِلْمِهَا وَمِنْ أَنْ يَهْجِمَ مِنْهَا عَلَى حَقِيقَةٍ لاسِيَّمَا مَعَ عِظَمِ حَاجَةِ الْمُنَجِّمِينَ فِي أَعْمَالِهِمْ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحُدُودِ وَتَحْصِيلِهَا، وَقَدْ رَأَيْتُمْ أَهْلَ مِصْرَ لَمَّا قَسَّمُوا الْحُدُودَ لِلْمُشْتَرِي مِنْ أَوَّلِ الْحَمْلِ سِتَّ دَرَجَاتٍ، وَلِلزُّهَرَةِ سِتًّا، وَلِعُطَارِدَ وَالْمِرِّيخِ خَمْسًا، وَخَالَفَهُمْ بَطْلَيْمُوسُ فِي ذَلِكَ، فَجَعَلَ لِلزُّهَرَةِ ثَمَانِيَ دَرَجَاتٍ، وَلِعُطَارِدَ سِتًّا، وِلِلْمُشْتَرِي ثَمَانِيًا، وَلِزُحَلَ خَمْسًا، وَلِلْمِرِّيخَ ثَلاثًا، وَخَالَفَهُمْ بَطْلَيْمُوسُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِلا فِي حَدِّ الزُّهَرَةِ، فَجَعَلَ
[ ٢٢٣ ]
لِعُطَارِدَ سَبْعَ دَرَجَاتٍ، وُلِلْمُشْتَرِي سَبْعًا، وَلِزُحَلَ سِتًّا، وَلِلْمِرِّيخِ دَرَجَتَيْنِ، وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ خَالَفَهُمْ فِي سَائِرِ الْحُدُودِ وَقِسْمَتِهَا، ثُمَّ خَالَفَهُمْ أَيْضًا فِي أَنْ قَدَّمَ بَعْضَ مَا أَخَّرُوا، وَأَخَّرَ بَعْضَ مَا قَدَّمُوا، وَهَذَا أَشَدُّ فِي الْخِلافِ، وَأَضَرُّ بِالْعَمَلِ مِنْ زِيَادَةِ دَرَجَةٍ وَدَرَجَتَيْنِ فِي دَرَجِ الْحُدُودِ، وَنُقْصَانِ مِثْلِ ذَلِكَ مِنْهَا.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَبَعْضُهُمْ يُقَدِّمُ زُحَلَ عَلَى عُطَارِدَ بِالنَّهَارِ، وَيُقَدِّمُ عُطَارِدَ عَلَى زُحَلَ بِاللَّيْلِ، وَغَيْرُهُمْ يَعْكِسُ ذَلِكَ، فَالْمِصْرِيُّونَ يَعْمَلُونَ عَلَى حُدُودِهِمْ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا أَصَحُّ، وَبَطْلَيْمُوسُ وَأَصْحَابُهُ يَعْمَلُونَ عَلَى حُدُودِهِمْ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا أَصَحُّ، وَيَزْعُمُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاءِ أَنَّهُ يَجِدُ صِحَّةَ ذَلِكَ عِنْدَ الامْتِحَانِ وَالاعْتِبَارِ حِسًّا وَضَرُورَةً مَعَ هَذَا الاخْتِلافِ الْمَوْصُوفِ.
ثُمَّ هَا أَنْتُمْ أَنْفُسِكُمْ قَدِ اخْتَلَفْتُمْ فِيمَا هُوَ أَعْظَمُ ضَرَرًا مِنْ هَذَا وَأَجَلُّ أَمْرًا، وَهُوَ اخْتِلافُكُمْ فِي تَقْوِيمِ الْكَوَاكِبِ بِالزِّيجَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، فَبَعْضُهُمْ يُقَوِّمُهَا بِزِيجِ بَطْلَيْمُوسَ، وَبَعْضُهُمْ يُقَوِّمُهَا بِ «السِّنْدِ هِنْدَ» وَبَعْضُهُمْ يُقَوِّمُهَا بِالْمُمْتَحِنِ، وَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الزِّيجَاتُ اخْتَلَفَ الْحِسَابُ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الْحِسَابُ اخْتَلَفَتْ مَوَاقِعُ الْكَوَاكِبِ فِي الْبُرُوجِ عِنْدَ الْحِسَابِ، وَإِذَا اخْتَلَفَتْ مَوَاقِعُهَا
[ ٢٢٤ ]
اخْتَلَفَتْ دَلائِلُهَا، وَإِذَا اخْتَلَفَتْ دَلائِلُهَا اخْتَلَفَ الْقَضَاءُ عَلَيْهَا وَالْحُكْمُ فِيهَا، وَإِذَا اخْتَلَفَ الْقَضَاءُ عَلَيْهَا وَالْحُكْمُ فِيهَا، وَقَعَ الْخَطَأُ وَالْكَذِبُ لا مَحَالَةَ، فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ قَضَيَّتَكُمْ فِي أَوَّلِ مَا يَتْلُونَ بِهِ مِنْ أَمْرِهَا، فَكَيْفَ بِكُمْ إِذَا تَرَقَّبْتُمْ هَذِهِ الدَّرَجَةَ إِلَى الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ وَمَا بَعْدَهَا، وَإِذَا مَرَّ عَلَى غَلْطَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ مَا، وَعَلَى مَا أَصِلُ مِنَ الْخَطَأِ مَفَرٌّ مَا، وَلاسِيَّمَا إِذَا حَكَمَ فِي الْمَوَالِيدِ، وَالأَعْمَارِ، وَفِي أُمُورِ الْمُلُوكِ، وَالدُّوَلِ، وَالْحُرُوبِ، وَالأُمُورِ الْعِظَامِ.
قَالَ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ بَعْضُ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَهُوَ مِنْ عَظِيمِ مَا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْخَطَأُ وَالْفَسَادُ، سِوَى مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ صُورَةِ الْفَلَكِ، وَشَكْلِهِ، وَحَرَكَتِهِ، وَصُورَةِ كَوْاكَبِهِ، وَأَشْكَالِهَا، وَحَرَكَاتِهَا: أَبِأَنْفُسِهَا تَتَحَرَّكُ أَمْ بِأَفْلاكِهَا؟ فَبَعْضُهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهَا تَتَحَرَّكُ عَلَى الْفَلَكِ، وَبَعْضُهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ مِسْمَارِ مُثَلَّثٍ فِي كُرَةٍ، وَأَنَّ حَرَكَةَ الْكَوْكَبِ إِنَّمَا هِيَ بِحَرَكَةِ فَلَكِهِ، وَقَدْ قَالُوا فِيهَا غَيْرَ ذَلِكَ أَيْضًا.
[ ٢٢٥ ]
وَبَعْضُهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ الأَفْلاكَ عَلَى هَيْئَةِ الأَطْوَاقِ، وَشَبَّهُوهَا بِذَاتِ الْحِلَقِ، وَبَعْضُهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهَا عَلَى هَيْئَةِ الْكُرَةِ، وَيَزْعُمُ أَنَّ شَكْلَ الأَفْلاكِ كَبِيرِهَا وَصَغِيرِهَا شَكْلُ الْفَلَكِ الأَعْظَمِ، وَبَعْضُهُمْ يَزْعُمُ غَيْرَ ذَلِكَ.
وَعَلَى نَحْوٍ مِنْهُ: اخْتِلافُهُمْ فِي أَلْوَانِ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ، وَأَلْوَانِ الْبُرُوجِ الاثْنَيْ عَشَرَ، وَمَقَادِيرِ أَجْرَامِهَا، وَاخْتِلافُهُمُ فِي شَكْلِ الأَرْضِ وَصُورَتِهَا، وَجَوَاهِرِهَا، وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ دَلِيلٌ سِوَى أَقَاوِيلِ أَسْلافِهِمْ، وَغَيْرَ مَا رَسَمُوهُ فِي كُتُبِهِمْ مِنَ الدَّعَاوَى وَالانْتِحَالِ لِلإِصَابَةِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ قَاطِعَةٍ، وَلا حُجَّةٍ وَاجِبَةٍ، فَهُمْ فِي غَمْرَةٍ يَعْمَهُونَ، وَفِي حِيرَةٍ يَتَرَدَّدُونَ.
قَالَ الشَّيْخُ: لَوْ لَمْ يَزْهَدِ النَّاسُ فِي النَّظَرِ فِي عِلْمِ النُّجُومِ إِلا مَا تَرَى مِنْ إِكْذَابِ الْعَاقِلِ، وَإِنْجَاحِ الأَحْمَقِ، وَخَيْبَةِ السَّاعِي، وَظَفَرِ الْقَاعِدِ، وَمَا نُشَاهِدُهُ دَائِمًا مِنِ اتِّفَاقَاتِ الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ
[ ٢٢٦ ]
مِمَّا لَمْ تُورِدْهَا الْخَوَاطِرُ، وَلَمْ تَشْعُرْ بِهَا النُّفُوسُ فِي اجْتِلابِ مَا يَسُرُّ وَدَفْعِ مَا يَضُرُّ لأَقْنَعَ وَكَفَى، وَأَوْجَبَ التَّسْلِيمَ لِلْقَضَاءِ وَالْعِلْمَ بِأَنَّ الأُمُورَ صَادِرَةٌ عِنْ إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ، وَأَنَّهُ الْمُدَبِّرُ لِخَلْقِهِ، الْحَكِيمُ فِي فِعْلِهِ ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] .
أنا أَبُو الْقَاسِمِ رِضْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّيْنَوَرِيُّ، قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو الْحَاتِمِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الشَّاهِدُ، بِالرَّيِّ، قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ الصُّوفِيُّ، قَالَ: أَنْشَدَنِي عَلِيُّ بْنُ يَعْقُوبَ، بِدِمِشْقَ، قَالَ: أَنْشَدَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ، لِنَفْسِهِ:
[ ٢٢٧ ]