يكرم الله عبده ورسوله محمدًا ﷺ في الموقف العظيم بإعطائه حوضًا واسع الأرجاء، ماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، يأتيه هذا الماء الطيب من نهر الكوثر، الذي أعطاه لرسوله ﷺ في الجنة، ترد عليه أمة المصطفى ﷺ، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا.
وقد اختلف أهل العلم في موضعه فذهب الغزالي والقرطبي إلى أنه يكون قبل المرور على الصراط في عرصات القيامة، واستدلوا على ذلك بأنه يؤخذ بعض وارديه إلى النار فلو كان بعد الصراط لما استطاعوا الوصول إليه (١) .
واستظهر ابن حجر أن مذهب البخاري أن الحوض يكون بعد الصراط، لأن البخاري أورد أحاديث الحوض بعد أحاديث الشفاعة، وأحاديث نصب الصراط " (٢) .
وما ذهب إليه القرطبي أرجح، وقد استعرض ابن حجر أدلة الفريقين في كتابه القيم: «فتح الباري» (٣) .
_________________
(١) انظر تذكرة القرطبي: ٣٠٢.
(٢) انظر فتح الباري: (١١/٤٦٦) .
(٣) فتح الباري: (١١/٤٦٦) .
[ ٢٥٧ ]
المبحث الأول
الأحاديث الواردة فيه
الأحاديث الواردة في الحوض متواترة، لا شك في تواترها عند أهل العلم بأحاديث الرسول ﷺ، وقد رواها عن الرسول ﷺ أكثر من خمسين صحابيًا، وقد ذكر ابن حجر أسماء رواة أحاديثه من الصحابة (١) .
ونحن نسوق هنا بعض هذه الأحاديث التي أوردها الخطيب التبريزي في مشكاته (٢):
١- عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: " حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء (٣) . ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من يشرب منها فلا يظمأ أبدًا ". متفق عليه.
٢- وعن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ: " إن حوضي أبعد من أيلة (٤) من عدن لهو أشدُّ بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل باللبن، ولآنيته أكثر من عدد النجوم، وإني لأصد الناس عنه كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه ".
قالوا: يا رسول الله! أتعرفنا يومئذ؟ قال: " نعم لكم سيماء (٥) ليست لأحد من الأمم، تردون علي غرًا محجلين من أثر الضوء ". رواه مسلم.
٣- وفي رواية له (٦) عن أنس. قال: " ترى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء ".
٤- وفي أخرى له عن ثوبان، قال: سئل عن شرابه. فقال: " أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل يغت (٧) فيه ميزابان يُمدَّانه من الجنة، أحدهما من ذهب والآخر من وَرِق ".
_________________
(١) فتح الباري: (١١/٤٦٨) .
(٢) مشكاة المصابيح: (٣/٦٨) .
(٣) أي مربع لا يزيد طوله عن عرضه شيئًا.
(٤) هي مدينة العقبة في الأردن.
(٥) السيماء: العلامة.
(٦) أي لمسلم.
(٧) يَغت، أي: يصُبَ ويسيل.
[ ٢٥٨ ]
المبحث الثاني
الذين يردون الحوض والذين يذادون عنه
وردت أحاديث كثيرة بيَّن فيها الرسول ﷺ الذين يردون على حوضه، والذين يمنعون من الشرب منه، ونحن نذكر لك بعض ما أورده ابن الأثير منها في جامع الأصول (١):
١- روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن إليَّ رجال منكم، حتى إذا أهويت إليهم لأناولهم اختلجوا دوني (٢)، فأقول: أي رب، أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟ ".
٢- ورويا أيضًا عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " ليردن على الحوض رجال ممن صاحبني، حتى إذا رأيتهم، ورفعوا إليّ، اختلجوا دوني، فلأقولن: أي رب، أصيحابي، أصيحابي، فليقالن لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ".
وفي رواية " ليردن عليَّ ناس من أمتي.. الحديث، وفي آخره: فأقول: سحقًا لمن بدل بعدي " أخرجه البخاري ومسلم.
٣- ورويا عن أبي حازم ﵀ عن سهل بن سعد ﵁، قال:
_________________
(١) جامع الأصول: ١/٤٦٨.
(٢) اختلجوا: أخذوا بسرعة.
[ ٢٥٩ ]
سمعت النبي ﷺ يقول: " أنا فرطكم على الحوض، من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا، وليردن عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم، قال أبو حازم: فسمع النعمان بن أبي عياش وأنا أحدثهم هذا الحديث، فقال: هكذا سمعت سهلًا يقول؟ فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد، فيقول: فإنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا لمن بدل بعدي ". أخرجه البخاري ومسلم.
٤- ولهما عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " يرد عليَّ يوم القيامة رهط من أصحابي - أو قال: من أمتي - فيحلَّؤُون (١) عن الحوض، فأقول: يا رب، أصحابي، فيقول: إنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى " وفي رواية «فيجلون» أخرجه البخاري ومسلم.
وللبخاري: أن رسول الله ﷺ قال: " بينما أنا قائم على الحوض، إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، فقلت: إلى أين؟ فقال: إلى النار والله، فقلت: ما شأنهم؟ فقال: إنهم قد ارتدوا على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة أخرى، حتى عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال لهم: هلم، قلت: إلى أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم قد ارتدوا على أدبارهم، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم " (٢) .
ولمسلم: أن رسول الله ﷺ قال: " ترد عليَّ أمتي الحوض، وأنا أذود الناس عنه، كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله، قالوا: يا نبي الله تعرفنا؟ قال: نعم، لكم سيما ليست لأحد غيركم، تردون غرًا محجلين من آثار الوضوء، وليصدن عني طائفة منكم، فلا يصلون، فأقول: يا رب، هؤلاء من أصحابي، فيجيء
_________________
(١) يحلؤون، أي: يدفعون ويطردون.
(٢) همل النعم: الإبل الضالة. والمعنى أن الناجي منهم قليل.
[ ٢٦٠ ]
ملك، وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟ ".
وفي أخرى: " إن حوضي أبعد من أيلة من عدن، لهو أشد بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل باللبن، ولآنيته أكثر من عدد النجوم، وإني لأصد الناس عنه كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه، قالوا: يا رسول الله، أتعرفنا يومئذ؟ قال: نعم، لكما سيما (١) ليست
_________________
(١) السيما: العلامة.
[ ٢٦١ ]
لأحد من الأمم، تردون علي غرًا محجلين ".
وقد أورد القرطبي في التذكرة بعض الأحاديث التي سقناها ثم قال: " قال علماؤنا رحمة الله عليهم أجمعين: فكل من ارتد عن دين الله أو أحدث فيه مالا يرضاه الله، ولم يأذن به الله فهو من المطرودين عن الحوض، المبعدين عنه، وأشدهم طردًا من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدلون.
وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وتطميس الحق وقتل أهله وإذلالهم والمعلنون بالكبائر المستخفون بالمعاصي وجماعة أهل الزيغ والأهواء والبدع.
ثم البعد قد يكون في حال، ويقربون بعد المغفرة إن كان التبديل في الأعمال، ولم يكن في العقائد، وعلى هذا يكون نور الوضوء يعرفون به، ثم يقال لهم: سحقًا، وإن كانوا من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ يُظهرون الإيمان ويسرون الكفر فيأخذهم بالظاهر، ثم يكشف لهم الغطاء فيقال لهم: سحقًا سحقًا، ولا يخلد في النار إلا كل جاحد مبطل، ليس في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان " (١) .
_________________
(١) التذكرة للقرطبي: ص ٣٠٦.
[ ٢٦٢ ]