وإياك ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
فصل
ثم قال المعترض: «الباب السادس: في كون السفر إليها قُربة. وذلك من وجوه:
أحدها: الكتاب العزيز: في قوله - تعالى - ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك﴾ الآية. وقد تقدَّم تقريرها في الباب الخامس. والمجيء صادق على المجيء من قرب ومن بعد، بسفر وبغير سفر، ولا يُقال: إنَّ (جاءوك) مطلق، والمطلق لا دلالة له على كل فرد وإن كان صالحًا؛ لأنَّا نقول: هو في سياق الشرط فيعم ممن حصل منه الوصف المذكور وجد الله توابًا رحيمًا.
الثاني: السنَّة. من عموم قوله ﷺ: «من زار قبري»؛ فإنه يشمل القريب والبعيد، والزائر عن سفر وعن غير سفر، كلهم يدخلون تحت هذا العموم، لا سيّما قوله في الحديث الذي صححه ابن السكن: «من جاءني زائرًا لا تحمله حاجة إلا زيارتي»؛ فإن هذا ظاهر في السفر، بل في تمحيص القصد إليه وتجريده عما سواه، وقد تقدَّم [أن حالة الموت] مراده منه، إما بالعموم وإما هي المقصود. فإ'ذا كانت كل زيارة قربة؛ فالسفر إليها قربة. وأيضًا فقد ثبت خروج النّبيّ ﷺ من المدينة لزيارة القبور، وإذا جاز الخروج إلى القريب جاز إلى البعيد. فمما ورد في ذلك: خروجه إلى البَقيع - كما هو ثابت في الصحيح ـ، وإذا ثبت مشروعية [الانتقال] إلى قبر غيره [فقبره] ﷺ
[ ١٢٣ ]
أولى.
الرابع: الإجماع. لإطباق السلف والخلف؛ فإن الناس لم يزالوا في كل عام إذا قضوا الحج يتوجَّهون إلى زيارته ﵊، ومنهم من يفعل ذلك قبل الحج، هكذا شاهدناه وشاهده من قبلنا، وحكاه العلماء عن الأعصار القديمة - كما ذكرنا في الباب الثالث ـ.
فإن قلتَ: إنَّ هذا ليس مما يسلمه الخصم؛ لجواز أن يكون سفرهم ضم فيه قصد عبادة أخرى إلى الزيارة، بل هوا الظاهر؛ كما ذكر كثير من المصنفين في المناسك: أنه ينبغي أن ينوي مع زيارته التقرُّب بالتوجه إلى مسجده ﷺ والصلاة فيه. والخصم ما أنكر أصل الزيارة؛ إنَّما أراد أن يبين كيفية الزيارة المستحبة؛ وهي: أن يضم إليها قصد المسجد؛ كما قاله غيره.
قلتُ: أما المنازعة فيما يقصد الناس؛ فمن أنصف من نفسه وعرف ما الناس عليه؛ عَلِمَ أنهم إنَّما يقصدون بسفرهم الزيارة من حيث يعرّجون إلى طريق المدينة، ولا يخطر غير الزيارة من القربات إلا ببال قليل منهم، ثم مع ذلك هو مغمور بالنسبة إلى الزيارة في حق هذا القليل، وغرضهم الأعظم هو الزيارة حتى لو لم يكن ربما لم يسافروا، ولهذا قلَّ القاصدون إلى بيت المقدس مع تيسر إتيانه، وإن كان في الصلاة فيه من الفضل »، وأخذ يتكلم في إيضاح ذلك إلى أن قال: «وصاحب هذا السؤال إن شك في نفسه فليسأل [كل] من توجَّه إلى المدينة ما قصد بذلك »، وأطال الكلام في هذا الباب جدًّا، ومعظمه قد تقدَّم في الباب الثالث والرابع والخامس؛ فليس في إعادته هنا فائدة، ولكن هذا المعترض أراد بذلك تكبير حجم كتابه.
وليس من غرضنا الرد على جميع ما ذكره - فإن ذلك يجرنا إلى الملل ـ؛ ولكن نتكلم على المهم منها؛ وهي الأصول الخمسة التي ذكرها هنا، ونترك له الكلام على ما عدا ذلك، إلا إذا رأينا محل شبهة له فنتكلم عليها، وهو ما بنى هذه الفروع الفقهية والأصولية إلا على هذه الأصول التي ذكرها هنا، ونحن - إن شاء الله تعالى - نتكلم
[ ١٢٤ ]