يقول هذا عاقل أو مسلم أو كافر؟! فالإله عندهم عبارة عن العمى المحض؛ لأنّهم وصفوه بأنّه: لا فوق العرش ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن شماله، ولا يُشار إليه من أيّ جهة من الجهات السّتّ، ولا داخل العالم ولا خارجه! ولا يوصف بحركة ولا سكون، ولا جوهر ولا عرض، ولا استوى على العرش! ولا يأتي ولا يجيء يوم القيامة والملَك صفًّا صفًّا! ولا له يدان ولا نفس ولا وجه ولا عين! ولا يضحك ولا يرضى ولا يغضب ولا يتعجّب ولا يفرح، ولا يُوصف بصفة يجوز وصف المخلوق بها؛ فرارًا من التّجسيم والتّمثيل؛ فأوّلوا هذه الصّفات بتأويلات لا تنطبق على النّقل ولا على العقل، وجهلوا أن يكون لها معانٍ تليق بجلاله ﷾؛ فكما أنّ ذاته ليست كالذّوات؛ فصفاته - تعالى - ليست كالصّفات. وهل العدم كلّ العدم إلَّا ما وصفوه به؟!
وأمّا جنايتهم على القرآن: فمثل قولهم: إنّه ليس بكلام الله على الحقيقة؛ بل هو عبارة عن كلام الله، أو مدلول أو حكاية عن كلام الله، وأنّ هذه الحروف التي في المصاحف ونقرؤها بألسنتنا ونحفظها في صدورنا مخلوقة! وصرّح
[ ٢١٤ ]
بعضهم أنّه ليس لله كلام في الأرض. ومثل قولهم: إنّ نصوص القرآن لا تكفي وحدها في أدِلّة التّوحيد؛ بل لا بُدّ من دليل عقليّ معها! وكقولهم: إنّ القرآن والسُّنّة فيهما نصوص مَن اعتقدها على ظاهرها يكفر! ومثل قولهم: لا يُعمل بنصوص الكتاب والسُّنّة بعد الأئمّة الأربعة؛ بل يحرم على كلّ أحد أن يستدلّ على أيّ مسألة ما بآية أو سُنّة، ولا يُقرأ القرآن إلَّا للتّعبّد، ولأجل الحسنات التي تحصل للقارئ، ولأجل الموتى، واستخراج الأسرار من الحروف!
وأمّا جنايتهم على النّبيّ ﷺ: فمثل قولهم: إنّ النّبيّ ﷺ تكلّم بهذه الألفاظ الواردة في الصّفات - من: نزول الرّبّ ﷿ كلّ ليلة إلى سماء الدُّنيا، وأنّه فوق العرش وعرشه فوق سبع سماوات، وأنّه يصعد إليه الكلم الطّيب، وأنّ الملائكة يعرجون إليه وكذا روح المؤمن، ومثل قوله للجارية: «أين الله؟» فقالت له: في السّماء، وشهادته لها بأنّها مؤمنة ـ؛ قالوا في جميع ذلك وغيره: إنّ الرّسول تكلّم بهذه الألفاظ - ولم يبيّن معناها - على سبيل التّمثيل والتّقريب لعقول النّاس! فلمّا رسخت أقدامهم في الدّين؛ عرفوا الحقّ بأنفسهم؛ فصرفوا هذه الألفاظ عن ظواهرها! وأنّ الله - تعالى - ليس
[ ٢١٥ ]