والبيهقي ومحمد بن الحسن وأبي يوسف والحافظ ابن عبد البر، وغيرهم، والبعض الآخر كان على خلاف ذلك؛ كما وصفنا حالهم فيما مضى.
فصل
فإن قال قائل: هل يمكن أن تذكر لنا شيئًا مما قدَّم فيه هذا البعض الآخر قول الإمام على الحديث الصحيح؟
فالجواب: هذا ممكن لنا أن نذكر لك شيئًا منه، وأما استقصاؤه فلا يمكنني، وحسبي أن أذكر لك أمثلة من هذا أثبت بها ما قلته.
فمن ذلك: ما ذكرَتْهُ الحنفية في مسألة المياه: إن الماء إذا لم يكن عشرًا في عشر فإنه يستعمل.
وهذا مخالف لقوله ﷺ: «إنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسه شيءٌ إلا ما غلبَ على لونِه أو طعمه أو ريحه»،
[ ٩١ ]
وقوله ﷺ: «إذَا بلغَ الماء قُلَّتين فلا يحمل الخَبَث» .
ومثلَ قولهم فيمن طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح فقد بطلت صلاتُه.
وهذا مخالف للحديث الصحيح: «مَن أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومَن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» .
وما أبردَ ما أوَّل به الطحاوي هذا الحديث حيث قال: «من أدرك» يعني: من الإدراك؛ وهو البلوغ، لا من الإدراك الذي هو من إدراك الشّيء! يعني: تحصَّل عليه. وما أبعدَ ما عَلَّل به صدر الشريعة في كتاب «الوقاية» له؛ فإن ذلك تعليل في مقابلة النص، ومتى وُجِدَ النصّ فلا قياس ولا تعليل، ولِمَ لم يفرق بين الصبح والعصر وكلّه أمرٌ واحدٌ؟!
ومثل قولهم: إذا اشترى المُصَرَّاة ثم أراد ردَّها فلا يلزمه شيء. مع قوله ﷺ: «يردّ معها صاعًا من تمر» . إلى غير ذلك.
ومثل
[ ٩٢ ]
قول المالكيّة بكراهة البسملة في الفرض، مع الأحاديث الكثيرة الواردة في قراءة البسملة، التي أقلّ مراتبها أن تكون سنَّة.
ومثل قولهم في إرسال اليدين في الصلاة، مع ورود ثمانية عشر حديثًا في قبضها، بعضها في الصحيح، وبعضها في السنن والجوامع والمسانيد. إلى غير ذلك.
ومثل قول الشافعية في المياه بنية الاغتراف، وهذه لفظة لم تنقل لنا في حديث ولا عن صحابي؛ بل الأحاديث الصحيحة تَرُدُّها؛ منها: حديث ميمونة زوج النّبيّ ﷺ: «كنتُ أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من جفنة واحدة تختلف أيدينا فيه فأقول: دع لي»، وتوضأ النّبيّ ﷺ من فضل بعض نسائه، ولم يذكر أنه نوى الاغتراف.
ومثل قولهم: ينتقض الوضوء من مَسّ النساء باليد، مع
[ ٩٣ ]
ورود الأحاديث الصحيحة بخلافه؛ منها: ما رواه البخاري في صحيحه أن النّبيّ ﷺ «كان يصلي بالليل وعائشة ﵂ معترضة بين يديه، فإذا سجد غمز رجلها لتقبضها» . وما أبعدَ تأويلَ من أوَّله بقوله: «لعله كان بحائل» ! ويَرد هذا التأويل ما جاء في الحديث الصحيح: «أن عائشة فقدت النّبيّ ﷺ ذات ليلة فالتمسته حتى وضعت يدها على قدميه ﷺ وهو ساجد»؛ فمضى في صلاته ولم يتوضأ، وحديث آخر أنه ﷺ «كان يُقَبِّل بعض نسائه ثم يُصلي ولا يتوضأ» . ومَن قال: إنَّ هذا خصوصية له ﷺ لا تجوز لغيره؛ قلنا له: إنَّ الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، وأين هو؟!
ومثل قولهم: إنَّ التسمية على الذبيحة سنَّة لا واجبة، مع قوله - تعالى ـ: ﴿فكلوا مما ذُكِرَ اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين﴾، وفي الأخرى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾، مع الأحاديث الصحيحة الدَّالَّة على اشتراط التسمية.
ومثل قولهم: العبرة بالألفاظ لا بالمقاصد، مع قوله ﷺ: «إنَّما الأعمال بالنيات وإنَّما لكل امرئ ما نوى» إلى غير ذلك.
وبالجملة: ففي كل مذهب ما هو موافق وما هو مخالف؛ فعلى العاقل المنصف الذي يعلم قدر عظمة الله - تعالى - وقدر رسوله ﷺ أن لا يُقَدِّمَ قول أحد من الناس كائنًا مَن كان على قول الله - تعالى - ورسوله ﷺ، وهذا هو اتِّباع الأئمة لا غير؛ فإنهم - رضي الله تعالى عنهم - قد أمَرُوا بذلك، ونَهوا عن تقليدهم بالوصف الذي ذكرنا سابقًا؛ يعلم ذلك كل مَن قرأ كتبهم وتأمَّلها.
ولنا - إن شاء الله تعالى - عودة ثم عودة إلى هذه المباحث؛ لأنَّها هي المقصودة بالذات، وأما الزيارة فلا يخالف في مشروعيتها أحدٌ فيما علمنا.
[ ٩٤ ]