والجواب أن يُقال له: ما أردتَ بالنّاس؟ فإن أردتَ بالنّاس العلماء؛ فهم قد ذكروا ما قاله شيخ الإسلام في كتبهم؛ من استحباب السّفر للزّيارة والصّلاة في مسجده ﷺ كما ذكرتَه أنتَ في الجملة الأولى ـ، وما كانوا ليذكروا شيئًا في كتبهم ويخالفونه بأفعالهم؛ فإنّ هذا ليس من شأن العلماء؛ فلأنّ العالم هو الذييوافق فعله قوله، وحاشاهم أن يقولوا شيئًا ويخالفونه بفعلهم ضدّه. وإن أردتَ بالنّاس العوام الذين لا علم لهم؛ فهؤلاء لا عبرة بخلافهم؛ فإنّا مأمورون بالاقتداء بأهل العلم، لا بأهل الجهل! وقد تتبّعنا مُصَنّفات العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسألة؛ فلم نجد فيها غير الذي نقلتَه أنتَ عنهم.
وأمّا كونهم قصدوا غير ذلك؛ فهذا لا يعلمه إلَّا الله ﷿؛ فإنّنا لسنا مُكَلّفين إلَّا بما ظهر لنا من أقوال العلماء، وأمّا قصدهم ونيّتهم؛ فمفوّض إلى الله - تعالى ـ.
قوله: «ولا يخطر غير الزّيارة من القربات إلَّا ببال قليل منهم»:
أقول: القليل منهم الذي ذكرتَه هم العلماء، والعبرة بأقوالهم، وقد ذكروها في كتبهم - كما علمتَ ـ، وما عداهم من النّاس فلا التفات إليهم.
وقوله: «وغرضهم الأعظم هو الزّيارة » إلى آخره:
أقول: هذا تحكّم محض على مقاصد العلماء ونيّاتهم التي لا يعلمها إلَّا خالقهم.
فإن قال: لم أذكر هذا إلَّا أخذًا من أقوالهم:
فالجواب أن يقال: إنّك نقلتَ عنهم قريبًا أنّهم لم يذكروا في كتبهم إلَّا استحباب السّفر والصّلاة في مسجده ﷺ، وعزوتَه للكثير من العلماء الذين صَنّفوا في المناسك؛ فمن أين لك أنّ مقصودهم الأعظم هو الزّيارة فقط، حتّى إذا لم يكن هناك قبره ﷺ؛ فلم يُسافر إلى مسجده ﷺ للصّلاة فيه أحد؟! فهل يقول هذا أحد، وينسب كافة المسلمين إلى مخالفة السُّنّة الصّحيحة، وترك العمل بها وتفويت فضلها، وهم يروون عنه ﷺ قوله: «صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة فيما سواه»؟! فحاشاهم من ذلك؛ وإنّما الذين يُظَنُّ بهم: أنّهم قصدوا بالسّفر زيارته ﷺ والصّلاة في مسجده - كما ذكروا ذلك في كتبهم، ونقله عنهم السّبكيّ وغيره، ورأينا في مصنفاتهم في المناسك ـ، والله أعلم بما هناك.
ثم أخذ يقرّر هذا بكلام لا يُجاوَب عليه؛ لأنّه حُكْمٌ على ما في ضمائر النّاس، وهذا لا يعلمه أحد إلَّا الله - تعالى ـ.
وأمّا قوله: «وأمّا ما ذكره المُصَنّفون في المناسك؛
[ ١٦٩ ]
فإنّهم لم يريدوا به أنّه شرط في كون السّفر للزّيارة قُربة، ما قال هذا أحد منهم، ولا يتوهّمه، ولا اقتضاه كلامه»:
فالجواب أن يقال: ما هذا التغافل والتّعامي من هذا الشّيخ؟! كيف نقل عنهم فيما مرّ أنّهم ذكروا في كتبهم استحباب السّفر للصّلاة والزيارة، ثم نفاه عنهم، وحكم عليهم هنا أنّه ما قاله منهم أحد ولا توهّمه ولا اقتضاه كلامه؟! فما هذا التّناقض، وهل مثل هذا يحتاج إلى ردّ ومناقشة؟! كلَّا؛ ولكن أقول له: إنّ كتب المتقدّمين من أهل الحديث وغيرهم لم يذكر فيها مُصَنّفوها بعد المناسك إلَّا فضل مسجده ﷺ وفضل الصّلاة فيه، من غير أن يذكروا لفظة (الزّيارة)، وأمّا كتب المتأخّرين من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم؛ لم يذكروا في صفة الزّيارة إلَّا ما نقلتَه أنتَ عنهم ورأيناه؛ فكيف يليق بك أن تقول: ما ذكره أحد ولا توهّمه ولا اقتضاه كلامه؟! تقول شيئًا ثم تنقضه في ورقة واحدة! فما هذا إلَّا تعصّب وميل عن سبيل الجادة؛ فالله يحفظنا! وكلّ مَن رجع إلى كتب المُحَدّثين الذين صَنّفوا في الصّحيح والحسن وغيرهما - مثل: البخاريّ، ومسلم، وأهل السُّنَن، وغيرهم ـ؛ لم يجد فيها إلَّا ذكر المدينة وفضلها، وفضل الصّلاة في مسجده ﷺ، وذكر شدّ الرّحل إليه، من غير لفظ (الزّيارة)؛ فهذا يدلّ على أنّهم ما أرادوا إلَّا شدّ الرّحل والسّفر للصّلاة في مسجده ﷺ، من غير قصد شيء آخر؛ وإلّا لو أرادوا شيئًا غير الصّلاة لذكروه، سيّما وأنتَ تقول: إنّ شدّ الرّحل والسّفر للزّيارة المُجرّدة هو الأصل، وهو المراد بالسّفر، والصّلاة في مسجده الشريف تابع لها! فكيف يُظَنُّ بأهل الكتب السّتّة وغيرهم أنّهم تركوا الأصل ولم يُعَرِّجوا عليه، وذكروا ما هو تابع له؟! فلا يُكتفى بذكر المتبوع عن التّابع!
وقد سمعتُ شيخنا الأستاذ محمد جمال الدين القاسميّ بدمشق يقول: «ما
[ ١٧٠ ]
ترك البخاريّ ومسلم حديثًا إلَّا وله علّة قادحة منعتهما عن إخراجه»؛ فقلتُ له: يا سيدي! قد رُوي عن البخاريّ أنّه قال: «ما تركتُ من الصّحيح أكثر»، ورُوي عنه أنّه قال: «ألّفتُ كتابي هذا من مائتي ألف حديث صحيح»، ومعلوم لكلّ من سبر كتابه؛ يعلم أنّه ما يبلغ مِعْشار عُشر هذا. فقال لي: مراده - رحمه الله تعالى - بقوله: «ما تركتُ من الصّحيح أكثر»؛ يعني بذلك: ما إذا كان في الباب عشرة أحاديث - مثلًا ـ؛ فإنّه يكتفي بذكر حديث أو حديثين منها، وأمّا أنّه يترك حديثًا صحيحًا هو أصل في الباب ونصّ على حكم شرعيّ، لم يتقدّم له نظير؛ فبعيد جدًّا، ومن تأمّل صنيعَه في «صحيحه»؛ علم ما قلناه؛ لأنّه كثيرًا ما يذكر الحديث مستدلًّا به على المسألة الثانية، لم يحتج إلى تكرار. فعُلِمَ بذلك أنّ البخاريّ ما ترك حديثًا صحيحًا في كتابه هو أصل إلَّا وذكره؛ فكيف إذا انضمّ له مسلم ومالك وأهل السُّنَن وغيرهم؟! فهل يقول قائل: إنّ هؤلاء كلهم قد أجمعوا على ترك حديث هو أصل في بابه، لم يتقدّم له نظير، حتّى يكتفي به عن ذكر ما تركوه، ويذكروا حديثًا هو تابع لهذا الأصل الذي تركوه؟! كلَّا؛ فوالله ثم والله؛ لو صَحَّ عندهم حديث نصّ في الزّيارة؛ لذكروه عند ذكرهم فضل المدينة وفضل الصّلاة في مسجده ﷺ؛ فكيف يقول السّبكيّ: ما قاله أحد ولا توهّمه ولا اقتضاه كلامه؟!
وهذا الإمام الشّافعيّ في كتاب «الأمّ» لم يذكر بعد الحجّ (الزّيارة) - كغيره من المتأخّرين ـ، ومثله سحنون في «المدونة»؛ فلو كان لفظ (الزّيارة) شائعًا، وأنّه يُقصَد بشدّ الرّحل والسّفر في مسجده ﷺ إلَّا ناس بعد هذه الطبقة - أعني: طبقة البخاريّ ومسلم والشّافعيّ وسحنون وابن القاسم وأهل السُّنَن ـ؛ وذلك لما ظهرت هذه
[ ١٧١ ]
الأحاديث الواهية والموضوعة التي أوردها السّبكيّ في كتابه هذا، وقلدّهم النّاس في ذلك، حتّى إذا عمّت مصيبة التّقليد؛ تركوا ما هو الأصل والمراد من شدّ الرّحل والسّفر، وذكروا الذي لم يُشرَع له ذلك، حتّى قال السّبكيّ ما قال!
وأمّا قوله «وما قاله منهم أحد»:
أقول: [هل] لم يطّلع السّبكيّ على ما قاله الغزالي في كتبه عن ابن الجوينيّ والقاضي حسين وطائفة - وكذا ذكره عنهم النّوويّ في «شرحه لصحيح مسلم» ـ، وأنّهم حرّموا شدّ الرّحل والسّفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصّالحين، من غير استثناء في ذلك؟! وما ظننتُ أنّ التّعصّب يفضي بصاحبه إلى هذا، سيّما ابن الجوينيّ والقاضي حسين [وكذا الغزاليّ] من أئمّة الشافعيّة!
وأمّا قوله: «وإنّما أرادوا أنّه ينبغي أن يقصد قربة أخرى؛ ليكن سفرًا إلى قُربَتين؛ فيكثر الأجر بزيادة القُرَب، حتّى لو زاد من قصد القُربات زادت الأجور » إلخ:
فالجواب أن يقال: من أين لك أنّهم ما جعلوا ذلك شرطًا، وأنّهم أرادوا أنّه ينبغي أن يقصد قُربة أخرى إلى آخر ما قلتَ؟! وهم قد أطلقوا كلامهم؛ فلِمَ جعلتَ الأصل من كلامهم شدّ الرّحل والسّفر إلى الزّيارة، والصّلاة في المسجد تبعًا له، من غير دلسل يدلُّك عليه من كلامه؟! فإذا قال رجل لآخر: اذهب إلى زيد وعمرو؛ فهل يقول أحد: إنّ زيدًا هو الأصل وعمرًا تبع له - والحال أنّ الواو جمعت بينهما ـ؟! ولو قاله أحد؛ لكان مخالفًا بقوله هذا ما هو المعلوم والمعروف من لغة العرب! فغاية ما يُقال: إنّ الأمر بشدّ الرّحل والسّفر يتناول الأمرين: الزّيارة والصّلاة في المسجد الشّريف؛ فكيف خصّصتَ الأمر بشيء دون شيء بغير مخصّص؟! ولولا ما ذكرتَه عن الأكثرين ممن صَنَّف في المناسك؛ لم تُعَرِّج على ذكر الصّلاة في مسجده ﷺ، ولكن منعك منه امتلاء كتب القوم به.
وما ذكره عن ابن الصّلاح: فإن صَحَّ؛ حُمِلَ على تغاليه في التّقليد، مع جلالة قدره في الحديث،
[ ١٧٢ ]